ماهر الخطيب
  منذ بداية الضربات الجوية الروسية على سوريا، يطرح المراقبون الأسئلة حول الأسباب التي تدفع الجماعات الإرهابية المتطرفة إلى الخوف منها أكثر من نظيرتها الأميركية، بالرغم من أن واشنطن كانت قد دخلت على خط المواجهة المفتوحة منذ ما يقارب العام، ضمن تحالف دولي وعربي يضم العشرات من الدول.
ما تقدم لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الحملة السياسية والإعلامية، التي تستهدف الدور الروسي المستجد في منطقة الشرق الأوسط، من خلال وضعه في مواجهة مع فئات شعبية واسعة، عبر الترويج لنظرية إستهدافه لها، الأمر الذي يظهر من خلال بيانات الإستنكار والإدانة التي تصدر عن معظم الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى المواقف الغربية التي تتحدث عن إستهداف مدنيين.
 في هذا السياق، تشير مصادر مراقبة، ، إلى أن فهم حقيقة ما يجري تتطلب العودة إلى بعض المرتكزات الأساسية، التي تنطلق من التأكيد بأن هذه الجماعات ليست مجموعة من الأفراد الذين يحملون السلاح من دون أي تخطيط مدروس، بل على العكس من ذلك تملك إستراتيجية واضحة لما تقوم به، ولديها العديد من المنظرين الذين يعملون على تعديلها بحسب الظروف المحيطة بالأماكن التي تتواجد فيها، وتضيف: “ما نراه من أحداث في هذه الأيام تحدثت عنه بعض الإصدارات الإرهابية قبل سنوات من اليوم”.
 وتلفت هذه المصادر إلى أن المفارقة، في السنوات الأخيرة، هي في تلاقي إستراتيجية الجماعات الإرهابية مع تلك الخاصة بالولايات المتحدة، من خلال الإعتماد على نظرية الفوضى الخلاقة، التي من الممكن الإستفادة من ظروفها لتحقيق الأهداف المحددة مسبقاً، حيث كانت واشنطن تعتبر أن إسقاط مؤسسات الدول المركزية يساعد على إعادة بنائها من جديد، وفق الرؤية التي تريدها، في حين وجدت “القاعدة” ومتفرعاتها أن إضعاف تلك المؤسسات سيساعدها على العمل بكل حرية، وهو ما تأكد من خلال بروز نجمها في أغلب المجتمعات التي شهدت أحداث دموية، كمقدمة من أجل طرح مشروعها الذي يقوم على القوة والسيطرة.
 من هذا المنطلق، تشير هذه المصادر إلى أنّ الجانبين وجدا أن كلا منهما يساعد الآخر على تحقيق أهدافه، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فكانت أحداث ما يسمى بـ”الربيع العربي” هي العامل الموحد لهما في الظروف الموضوعية، حيث نجحت واشنطن في تجهيز الأرضية المناسبة لطرح مشاريع التقسيم على قاعدة الأقاليم المذهبية والعرقية، وتمكن تنظيم “داعش” الإرهابي من بناء “دولة” غير معترف بها من أي جهة، عمل سريعاً على إعلان “الخلافة” فيها من أجل كسب المزيد من المؤيدين والدعم.
 بالنسبة إلى هذه المصادر، الأزمة الحقيقية التي واجهتها واشنطن والجماعات الإرهابية تكمن في عدم قدرتها على إسقاط الدولة السورية على مدى سنوات الحرب الطويلة بشكل أساسي، وصولاً إلى إتخاذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرار التدخل لمنع تحقيق هذا الهدف، على ضوء المعلومات عن التحضير لهجمات واسعة تستهدف المناطق التي لا تزال تحت سيطرة الحكومة، بعد أن أخذ الصراع طابعاً مذهبياً خطيراً.
 وتوضح هذه المصادر أن الإختلاف في الإستراتيجيتين، الأميركية والروسية، هو الذي يقود إلى النظرة المختلفة لهما من جانب الجماعات الإرهابية، حيث سعت واشنطن في الفترة التي تهددت فيها الدول المركزية، لا سيما في سوريا والعراق، إلى دعم المليشيات العشائرية والمذهبية والعرقية لمواجهتها عندما ظهر التعارض في المصالح بين الجانبين، في وقت تصر فيه موسكو في المرحلة الراهنة على دعم المؤسسات الوطنية، لا بل تشدد على ضرورة أن تبقى هوية الدول علمانية، نظراً إلى أن مواجهة الإرهاب من منطلقات مذهبية تعني تقديم الوقود له من أجل البقاء.
 من وجهة نظر هذه المصادر، موسكو هي الجهة الوحيدة التي لا تزال قادرة على إنقاذ المنطقة من الغرق أكثر في بحر الدماء، كونها تملك القدرة على التواصل مع مختلف اللاعبيين الإقليميين والدوليين بكل حرية، وبالتالي الدور الذي تقوم به هو الفرصة الأخيرة، في ظل إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما عدم رغبته في إرسال قوات برية إلى المنطقة، بالرغم من طلب بعض القوى الإقليمية منه ذلك.
 في المحصلة، نجحت موسكو في المرحلة الأولى من الحرب من خلال وضع إطار وطني لها، بعيداً عن الصراعات المذهبية التي لا تساهم إلا بتعقيد الأزمة، ولكن هل تنجح في تأمين توافق بين مختلف اللاعبين الإقليميين يمنع إدخال المنطقة في دوامة طويلة من المواجهة، خصوصاً أن عامل الوقت يبقى أساس النجاح في المرحلة الثانية؟
نقلاً عن موقع القوة الثالثة

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here