مهدي حسن الخفاجي

افتتح وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند فور وصوله طهران يوم الاحد في زيارة رسمية تستمر ليومين، السفارة البريطانية في طهران بالتزامن مع افتتاح السفارة الإيرانية في لندن.. هاموند أثنى على هذه الخطوة وعبر عن أهميتها بتفاؤل كبير، وقال في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع نظيره الإيراني الدكتور محمد جواد ظريف إن العلاقات بين لندن وطهران ستشهد المزيد من التطور بعد فتح سفارتي البلدين، مؤكدا أن هذه العلاقات ستشهد تطورا خلال الأشهر المقبلة على المستويات الاقتصادية والتجارية والسياسية ومكافحة الإرهاب والوقوف بوجه داعش، مشيرا إلى أنه وقع خطة العمل المشترك مع إيران “وسنواصل تطبيقها عبر تعزيز الثقة المتبادلة”، مشددا على أهمية دور إيران في المنطقة، ومؤكدا أنه لديه ثقة “بأننا سنبني المستقبل ونتغلب على كافة المشاكل والعوائق المهم أننا أعدنا فتح قنوات التواصل بين لندن وطهران وسنتعاون في مختلف القضايا مستقبلا”.

من جهته، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف: “إن العلاقات بين إيران وبريطانيا دخلت مرحلة جديدة بعد إعادة افتتاح سفارتي البلدين”، وأضاف أنه “هناك قضايا إقليمية بحاجة للمزيد من المحادثات للتوصل إلى إتفاق مشترك، منوها إلى أنه يمكن حل الخلافات في وجهات النظر بين الطرفين عبر المحادثات”.

وأوضح ظريف: أن المنطقة تواجه مشاكل جديدة  تؤثر على الجميع، ولا يمكن لدولة واحدة إحتوائها وحلها، وإيران مستعدة لمساعدة جميع جيرانها.

هذا وكانت الخارجية البريطانية قد أصدرت بيانا، أكدت فيه أن فتح سفارتي البلدين يشكل مرحلة أساسية في تحسن علاقاتهما الثنائية، وقالت “على المملكة المتحدة وإيران أيضا أن تكونا على استعداد لبحث التحديات التي نواجهها، وبينها الإرهاب والاستقرار الإقليمي وتوسع تنظيم داعش في سوريا والعراق ومكافحة الاتجار بالمخدرات والهجرة غير الشرعية.

زيارة هاموند لطهران، تأتي بعد تلك التي قام بها نظيره الفرنسي لوران فابيوس إلى طهران في تموز الماضي، وبعد زيارة نائب المستشارة الألمانية سيغمار غابرييل على رأس وفد اقتصادي وتجاري ضخم، ومن ثم زيارة وزيرة الخارجية الأوربية فيدريكا موغيريني.

من جانب آخر، الرئيس النمساوي هاينز فيشر يخطط لزيارة إيران الشهر المقبل، ليكون أول رئيس أوروبي يزور طهران منذ عام 2004 ، كما استضافت فيينا أكبر مؤتمر تجاري أوروبي- إيراني خلال أول أسبوع من التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني، واللافت أن تدافع الوفود الغربية على طهران لم ينتظر تصويت الكونغرس الأميركي على الاتفاق ليكون نافذا، ما يعني الهوة الكبيرة بين أميركا وباقي الدول الغربية من جهة، ومن جهة أخرى يؤشر هذا التدافع إلى أن الدول الأوروبية كانت تنتظر على أحر من الجمر، توقيع الاتفاق النووي مع إيران لتنطلق نحو طهران، وتعقد الصفقات الاقتصادية والتجارية معها لأنها بأمس الحاجة لها.

التسابق الأوروبي نحو طهران وبهذه الحرارة، ومحاولة ترميم الجسور المتقطعة معها، يؤشر إلى أن ثمة تغير هائل شهدته المناخات السياسية في المنطقة وفي دول الغرب.الغرب تغير أم إيران تغيرت؟!

للأسف سارعت بعض الدول العربية المنزعجة من الاتفاق النووي، وعلى رأسها السعودية، ومعها الفيلق الإعلامي الذي اشترت ولائه بالأموال إلى محاولة تشويه إيران ومواقفها، بتسويق حملة إعلامية كبيرة عنوانها “أن إيران تغيرت وتخلت عن ثوابتها”، وجرى التسويق عبر عناوين كثيرة، نذكر منها ما يلي:
ان إيران عادت إلى العقلانية، وفي هذا الإطار غربت وشرقت التحليلات والتفسيرات، فالبعض قال إن إيران وجدت أن سياساتها السابقة أوصلتها إلى الطريق المسدود، والبعض الآخر قال إن إيران ارتمت بحضن الشيطان الأكبر وتحالفت معه، مما يعني بنظر هؤلاء تخليا عن مبادئها، وقد قالوا هذه المزاعم صراحة وروجوا بها.. بل بعض الغربيين وعلى رأسهم الرئيس الأميركي أوباما نفسه، قالوا إن العقوبات الاقتصادية والعزلة التي فرضت على إيران أجبرتها على الإذعان لمطالب القوى الدولية، بحسب زعمهم. في حين نجد أوباما نفسه يتحدث فيما بعد ويعترف، بأن الحصار والعقوبات الاقتصادية، فشلت في إقناع الإيرانيين بالتراجع عن مشروعهم النووي. والى ذلك زعم اتجاه رابع من المحللين المشار إليهم، أن إيران ساومت على حلفائها، وروجوا بشكل لافت إلى أن إيران تخلت عن الرئيس الأسد وعن بقية حلفائها، وهكذا..
لكن كما قال الرئيس الأمريكي إيران لم تثنها لا العقوبات الاقتصادية ولا الحصار أو التهديد بالحرب العسكرية عن مواصلة نهجها والالتزام بمبادئها ومواقفها، والتي أعلنتها جهارا، ولذلك فان الغرب أيقن تماما بأنه وصل إلى طريق مسدود مع إيران، وسيخسر المعركة لا محالة معها ،لأنه أخفق في كل محاولاته معها، وهي كثيرة نشير إلى أبرزها:
1- فشل الحرب العسكرية على إيران
قصة العدوان العسكري على إيران واضحة، فالقارئ الكريم ممن هو في عمر الأربعين سنة، واكب مفاصل هذا العدوان الذي بدأ بالهجوم الصدامي الغادر، والذي استمر ثمان سنوات، حيث وقف الغرب بكل ثقة والشرق المتمثل يومذاك بالإتحاد السوفيتي إلى جانب صدام يمده بالأسلحة والمعدات الحربية المتطورة، وخرجت إيران من الحرب منتصرة، بينما خرج عدوها صدام ضعيفا منكسرا، ثم جاءت واقعة طبس، ثم حرب 2006 ضد حزب الله في جنوب لبنان، التي بشرت وزيرة الخارجية الأمريكية يومذاك كوندليزا رايس، بأنها، أي تلك الحرب، ستغير الشرق الأوسط، وستنتج شرق اوسط جديد، لكن حزب الله خرج منتصرا داحرا للعدوان الصهيوني، وفي عام 2009 و2012 خرجت المقاومة الفلسطينية في غزة منتصرة على العدو رغم استخدامه كل انواع الاسلحة ورغم الدعم الأمريكي العسكري الضخم، وأخيرا وليس آخرا الحرب على سوريا المشتعلة منذ عام 2011 ولحد الآن، وقبل ذلك حرب العراق وأفغانستان، فكل هذه الحروب تستهدف محور المقاومة التي تشكل إيران رأس الحربة فيه والقوة الدافعة والحامية له.
ومع الحرب العسكرية كانت الحرب النفسية والتشويهية لإيران محتدمة على كل الجهات، وجندت لها القوى الغربية كل الأنظمة العميلة في المنطقة ووسائل إعلامها من أجل النيل من النظام الإسلامي، وهز صورته أمام الرأي العام الإسلامي، ثم محاولة زرع الإحباط والانكسار بين صفوف الشعب الإيراني، لكن إيران خرجت من كل هذه الحروب منتصرة مرفوعة الرأس، يعترف لها أعداؤها الاميركان والصهاينة ومن الغربيين أنها نجحت وخلال مدة قصيرة، أن تبني نفسها بعد حرب الثمان سنوات وتنقل المواجهة مع الغرب في ساحاته ومناطق نفوذه.
2- فشل الحرب الاقتصادية والحصار وفرض العزلة الدولية
والحديث عن الحرب الاقتصادية والحصار وحرمان إيران من الحصول على حاجاتها من السوق الخارجية لايقل شأنا وخطورة عن الحرب العسكرية، ففي الحرب المفروضة حرم على إيران الحصول على الأسلحة اللازمة والضرورية، لان أسلحة الشاه كلها قديمة وغير مجدية في مواجهة العدوان، ذلك فضلا عن الأمور الأخرى والتي تلامس حاجة المواطن الإيراني، لكن إيران نهضت من الركام وانطلقت عقول أبناءها نحو الإبداع، وتفجرت الطاقات فصنعت الأسلحة وصنعت السيارات وكل ما يحتاجه المواطن الإيراني، وها هي اليوم قوة عسكرية مهابة، وتصبح دولة نووية للأغراض السلمية باعتراف القوى الكبرى.. يضاف إلى ذلك أن محاولات أميركا وحلفائها في فرض العزلة على إيران، ومنعها من بيع نفطها وتجميد أرصدتها في الخارج هي الأخرى غير خافية على المتابع، لكن كل هذه الأمور وصلت إلى الطريق المسدود، ولم تؤثر على مسيرة قطار إيران نحو الصعود والتطور والوصول إلى محطة متميزة بين محطات الدول المتقدمة.
إيران قوة إقليمية كبرى وخيارات الغرب محدودة
نهوض إيران كقوة كبرى في المنطقة أجبر الأميركان وحلفاءهم الغربيين على إسقاط الخيار العسكري نهائيا ضد إيران، وإن ظلوا يلوحون به إعلاميا واستهلاكيا تحت عناوين يطبلون لها، من مثل الخيار العسكري على الطاولة أو إعلان “إسرائيل” أنها ستقوم بالهجوم الجوي والصاروخي على المنشآت النووية الإيرانية وما إلى ذلك مما يدخل في هذا الإطار والذي يستهدف الحرب النفسية ضد إيران، بينما نجد الحقيقة يعبر عنها رئيس أركان الجيوش الأميركية السابق” ديفيد بترايوس” بالقول إن الحرب على إيران كارثة، في تعليق له على تصريحات المسؤولين الصهاينة بأنهم ينوون مهاجمة إيران، حيث قدم بترايوس تقريرا للكونغرس، بأن أي حرب على إيران ستكون كارثة مدمرة، موضحا أن مثل هذه الحرب يمكن إشعالها بسهولة لكن لا يمكن التحكم بنتائجها ومآلاتها، ثم إن مصير العسكريين الأميركان في العراق وأفغانستان وفي القواعد الأميركية في دول الخليج الفارسي العربية وفي الهند، يصبح مهددا بشكل جدي، لدرجة أنه أوضح أن ما لا يقل عن ثلاثة آلاف عسكري أمريكي، سيسقطون قتلى في الساعة الأولى من الحرب، وتجنبا لارتكاب الصهاينة حماقة بمهاجمة إيران، لوح لهم بعدم مشاركة أميركا معهم في الحرب على إيران، هذا إضافة إلى عشرات التقارير لخبراء ومحللين أميركيين وغربيين تؤكد هذا التصور وتنشرها الصحافة الغربية والأميركية بين الحين والآخر.
وإزاء الخوف والتردد الأميركي الغربي من الحرب المباشرة مع إيران غيروا استراتجياتهم، وقرروا ضرب حلفاء إيران وعبر قطعان الوهابية وعبر توظيف إمكانات الأنظمة العميلة في المنطقة من مثل أنظمة السعودية وقطر وتركيا بالإضافة إلى الكيان الصهيوني، ومازالت الحرب مستعرة في سوريا والعراق واليمن، لكن دون جدوى، بل أصبح هؤلاء الحلفاء أقوى من السابق وخبرة عسكرية مضاعفة من خوضهم للحروب داخل المدن وفي المناطق الوعرة وذات الطوبوغرافية المعقدة ،مثل حزب الله اللبناني والجيش السوري والحشد الشعبي العراقي الذي وصفته الأوساط الأميركية بأنه قوة عسكرية تضاهي القوى العالمية الكبرى.. هذا الواقع جعل الأميركان والغربيين أمام ثلاثة خيارات هي:
1- إما الحرب على إيران وهذا يعني كارثة بالنسبة لأميركا وحلفائها
2- أو المضي بالعقوبات الاقتصادية والحصار، وهذا أصبح غير مجدي بإعتراف الرئيس الأميركي باراك أوباما، لأنه لم يمنع من مواصلة التطور الإيراني على كل الأصعدة.
3- الخيار الثالث هو الإعتراف بحقوق إيران النووية، والاستفادة من قوة تأثيرها ودورها في المنطقة، سيما في محاربة الإرهاب الذي بدأ يرتد على الغرب وعلى عملاء أميركا في المنطقة، فالتفجيرات والمفخخات والأحزمة الناسفة التي يفجرها أتباع الوهابين من قطعان داعش والنصرة والقاعدة، طالت فرنسا والسعودية والكويت ومناطق أخرى خصوصا مصر.
اختارت أميركا والغرب هذا الخيار، وأذعنت للشروط الإيرانية، فبدلا من إصرارها السابق على تفكيك المنشآت النووية الإيرانية، احتفظت بها إيران سالمة، وبدلا من حرمانها من تخصيب اليورانيوم، اعترف لها الغرب بالتخصيب بنسب منخفضة، وبدلا من القضاء على برنامجها الصاروخي، لم يلامس الإتفاق لا من بعيد ولا من قريب هذا البرنامج، فانتصرت إيران نصرا تاريخيا مدويا أدخل المنطقة في مرحلة جديدة، بل العالم كله أيضا.
  إيران لم تساوم
وإلى ما تقدم فإن إيران لم تساوم، فعلى عكس ما روج له الإعلام السعودي وبعض الإعلام الغربي بالادعاء أن إيران ساومت على باقي الملفات الساخنة من اجل برنامجها النووي، على عكس ذلك الزيف والوهم اعترف وزير الخارجية الأميركي جون كيري أكثر من مرة أن إيران أصرت على مناقشة الملف النووي بشكل مستقل دون أي تطرق للملفات الأخرى، مؤكدا أن الخلافات الإيرانية الأميركية حول بقية الملفات بقيت على حالها ولم يجر تناولها في المفاوضات النووية، وأمل كيري بأن يمهد الاتفاق النووي إلى التفاهم حول بقية الملفات الساخنة في المنطقة.
وإلى ذلك أكد قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي حفظه الله أكثر من مرة أن الإتفاق النووي لا يؤثر قيد أنملة على دعمنا لحلفائنا وعلى موقفنا المبدئي من القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين والقدس من براثن الاحتلال الصهيوني، مؤكدا دعم إيران للشعوب المظلومة والمستضعفة في فلسطين وسوريا والبحرين واليمن، ومبديا استعداد إيران لمساعدة ودعم أية جهة تريد تحرير الأرض الفلسطينية ومقاتلة العدو الصهيوني.
ومن الجدير الإشارة هنا إلى أن المسؤولين الأميركان اعترفوا صراحة بأن إيران بعد الاتفاق النووي، لم تغير من دعمها لحزب الله وللحكومة السورية ومن قضايا أخرى.
الخاتمة
خير ما نختتم به هذه السطور، هي تصريحات وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، لأنها على جانب كبير من الأهمية تختصر كل ما كتبناه في سطور قليلة.. قال هاموند في مؤتمره الصحفي مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف “الحوار المتبادل أفضل طريق لتحقيق المصالح في ظل الخلافات الموجودة”، أي التخلي عن سياسة الإبتزاز والتهديد والوعيد وكل أنواع الحصار من قبل الغرب وتبني سياسة الحوار والتقارب والإعتراف بحقوق الطرف الآخر إلى إيران واحترام رأيه، فهذا وحده، أي الحوار الذي يؤمن المصالح بنظر الوزير البريطاني، لأن كل الأساليب الأخرى فشلت في تأمين هذه المصالح، والى ذلك شدد الوزير البريطاني على أهمية دور إيران في المنطقة، مشيرا إلى أنها بلد مهم في منطقة مهمة، وهذا منطق جديد تكرر في طهران على لسان كل الوفود الأوربية التي جاءت إلى إيران بعد الاتفاق النووي، فبدلا من خطاب الغرب السابق بأن إيران “راعية الإرهاب” وإيران “دولة مارقة”، وبدلا من التحريض ضدها، اليوم الخطاب اصبح أن إيران دولة مهمة ولها تأثيرها الكبير في المنطقة، ويمكن أن تساهم من خلال التعاون معها، كما قال هاموند في مكافحة الإرهاب وداعش، ما يعني اعترافا بحقيقة إيران التي كان الغرب ينكرها ويشوهها، فإيران هي هي لم تتبدل ولم تتغير، لا من ناحية نظامها الديمقراطي الذي أشاد به الغربيون مرارا وتكرارا، ولا من ناحية مواقفها ومبادئها وسياساتها تجاه القوى المستكبرة وأدواتها وعملائها، ولا من ناحية أنها تسعى بكل وجودها لإقرار الأمن والاستقرار ومساعدة الشعوب العربية والإسلامية في التخلص من مشاكلها ومعاناتها، نعم هي إيران نفسها التي تجسدت في سياساتها الخارجية والداخلية وفي تأكيدات المسؤولين الإيرانيين من يوم قيام جمهوريتها الإسلامية وحتى اليوم.
نقلاً عن موقع العالم

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here