محمد محمود مرتضى

أعاد قرار إغلاق القناة التابعة لجماعة الاخوان المسلمين”مصر الآن”، والتي تبث من تركيا، فتح الجدال حول الأصول المادية للاخوان، وفتح الباب واسعا امام جدلية العلاقة بين جيلين من الجماعة، الجيل القديم الذي لا يزال ممسكا بمفاصل التنظيم رغم ان معظمه في السجون، والآخر الجديد الذي يسعى لاخراج الجماعة من عنق الزجاجة.

بعض المصادر أرجعت سبب اقفال المحطة الى خلافات بين قيادات التنظيم، لا سيما الخلاف بين المشرف عليها الدكتور محمود حسين، الأمين العام للتنظيم، الذي توجد خلافات بينه وبين عدد كبير من قيادات التنظيم، بينهم أحمد عبد الرحمن، مسؤول المكتب الإداري للإخوان في الخارج. وتعود هذه الخلافات الى وجهات نظر متعارضة تتعلق بكيفية إدارة الصراع في المرحلة المقبلة مع الدولة المصرية.

الاخوان المسلمون

الاخوان المسلمون

في الاسباب المباشرة ذكرت بعض المصادر أن محمود حسين فصل مجموعة من الشباب ومنعهم من دخول القناة، بعد سفرهم من مصر إلى تركيا، خوفاً من المطاردات الأمنية، لافتة إلى أن حسين قلص أيضا برامج القناة منذ البداية، واستولى على بعض أموال التنظيم، التي كانت مخصصة لتطوير القناة.

وكشفت المصادر أن مجموعة من الشباب نظموا وقفة ضد حسين داخل المحطة، قبل انطلاقها، اعتراضاً على سياسات إدارته لها. وأشارت المصادر إلى أن الأموال التي كانت تُدار بها القناة، كانت أموالاً من التنظيم الدولي للإخوان مع بعض المساعدات من تركيا وقطر. فيما ذكرت المصادر نفسها ان  تحريض القناة على استهداف الأقباط والجيش في مصر، وضع تركيا في مأزق، ورغم المحاولات التركية لتخفيف حدة خطاب الا أن هذه المحاولات باءت بالفشل ما دفع بالحكومة التركية الى اتخاذ قرار الاقفال.

الا أن وجهة النظر هذه تبقى قاصرة عن ابراز العوامل المهمة لما يجري داخل التنظيم، والتي تشي بتحولات كبيرة قادمة تتعلق بمفاصل القيادة ومصير «الجماعة»، وتحولات مقبلة قد تغير وجه التنظيم.

خلل

ويكمن جوهر هذا التغيير في خلخلة التسلسل الهرمي وعملية إعادة الهيكلة الأساسية، بحيث أصبح الشباب يشغلون الأدوار القيادية، ويقدمون نهجهم الأكثر «ثورية»، بل وأحيانا الراديكالي للتعامل مع الوضع الراهن في مصر.

تعد جماعة الإخوان المسلمين المصرية، والتي أنشأها المدرس في إحدى مدارس الإسماعلية، حسن البنا في عام 1928، الحركة الإسلامية الأكبر تأثيرا في كثير من الدول العربية والاسلامية. وباستثناء الوحدة المسلحة التي أنشئت للقتال في فلسطين في عام 1948، للإطاحة بالاستعمار البريطاني في مصر، فقد كان استخدام الوسائل السلمية للمقاومة مبدأ راسخا بعمق في رؤية الجماعة وحركتها، وان كان يمكن الحديث عن بعض الحالات ( كمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر بما عرف وقتها بحادثة المنشية عام 1954) الا أنه يمكن القول ايضا ان ذلك لم يكن يمثل توجها رسميا عاما للاخوان.

وعلى اي حال، استفادت الجماعة من مشاركتها في الهيئات الطلابية والجمعيات المهنية والعمل الخيري، وكان مكتب إرشاد الجماعة قد اعتمد لعقود مبدأ “الإصلاح من داخل النظام” من أجل إحداث ما يسمى بالتغيير التدريجي.

لكن ثمة تغييرات كبيرة جرت وتجري منذ «الاطاحة» بالرئيس السابق محمد مرسي، إذ أن العمل يقاد من قبل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين عاما. فمع تواجد قادة الإخوان المسلمين إما في السجن أو في المنفى في جميع أنحاء العالم، يقود العمل لأول مرة في تاريخ المنظمة الطويل، الأعضاء الأقل شهرة.

وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من هذا الاتجاه «الثوري» الذي أنشئ حديثا هم من الأعضاء الأصغر سنا في جماعة الإخوان، إلا أن الفجوة ليست فجوة أجيال. حيث يحاول بعض كبار أعضاء الجماعة اللحاق بركب رياح التغيير، في حين دعت جماعات إسلامية أخرى لهذا التحول قبل فترة طويلة.

يقول عمرو دراج، وزير مرسي السابق إن: «الدرس الرئيس الذي تعلمته هو أن التغيير التدريجي لن ينجح، لقد كنت أحاول إصلاح النظام من الداخل. ولكن بعد الانقلاب، أدركت عدم وجود أي مجال للمصالحة مع الجيش».

والواقع ان هذه الرؤية قاصرة عن ادراك حجم المخاطر المحيطة، لا سيما ان الحرس القديم المعارض، والممثل في الأمين العام للجماعة، محمود حسين، قد استطاع، وفق رأي البعض، قمع إمكانية فتح آفاق جديدة. لكن تقبل هذا النهج داخل جماعة الإخوان تلاشى بسرعة، ومن أجل تهدئة الخلاف، رضخت المجموعة لإرادة الأعضاء الذين يؤيدون التصعيد مع رئاسة السيسي.

ما يمكن قوله باختصار، إن أخذ التنظيم نحو الخيارات العنفية لن يوحد «الجماعة»، كما أن بروز قيادات شابة ومتحمسة لن يعيد التنظيم الى العصر «الذهبي»، بل سيجعله عرضة لاستقطابات التنظيمات المسماة «جهادية» لا سيما «داعش» و«تنظيم القاعدة» . ولعل بعض القيادات التي تدعو إلى العمل «الجهادي» لا تنطلق فقط من خلال «حق الرد والدفاع عن النفس» او من خلال «رفض الاقصاء والانقلاب على الشرعية» حسب ادبياتهم، وانما من خلال عوامل اخرى ايضا، وعلى رأسها ان البقاء في دائرة العمل السلمي سوف يدفع بشريحة واسعة من قاعدة الاخوان للالتحاق بالجماعات «الجهادية» الاخرى بوصفها رداً «مبرراً» على أداء السلطة. لكن وجهة النظر هذه، وان كانت صحيحة لناحية تحول قاعدة الاخوان لدائرة الاستقطاب من الجماعات «التكفيرية»، الا ان ذلك لا يبرر الاتجاه العنفي، كما انه لن يحمي الاخوان من استقطاب عناصرها بسبب الفارق في الامكانيات والخبرات بينها وبين الجماعات الاخرى، فضلا عن ان ذلك لن يؤدي الى استمالة الرأي العام معهم بل سيحول المواجهة بينهم وبين «النظام» في مصر الى مواجهة مع محيط اكبر يرى في الجماعات الاخرى جماعات «تكفيرية» لن يسلم منها «الاخوان» انفسهم، لا سيما الفئة الرافضة لهذا التوجه، وبالتالي وقوع جماعات عريضة من قاعدة الاخوان تحت سيف التكفير والخروج عن الدين ( من وجهة نظر الجماعات التكفيرية).

وخلاصة القول : إن ما يجري ويبدو كـأنه صراع داخل الاخوان، هو في الحقيقة صراع على الأخوان وقاعدتها.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here