في الوقت الذي يواجه فيه اقليم كردستان العراق مخاطر حقيقية بسبب وجود تنظيم (داعش) الإرهابي بالقرب من محافظاته ومدنه، لازال الاقليم يقف امام تحديات كبيرة أخرى قد تهدد مصيره ما لم تتخذ خطوات سريعة لحسمها بأسرع وقت ممكن وفي مقدمتها موضوع رئاسة الاقليم.
 وحتى الآن لم تلح في الافق بوادر يمكن من خلالها الاستنتاج بأن هذه التحديات في طريقها إلى الحل، رغم اعتقاد الكثير من المراقبين بأن التجربة السياسية التي خاضها الاقليم خلال العقدين الماضيين أثبتت إلى حد كبير قدرة زعمائه على مواجهة مثل هذه التحديات، خصوصاً مع الأخذ بنظر الاعتبار الدعم الكبير الذي يتلقاه الاقليم من الدول الغربية وفي مقدمتها أمريكا.
 وفي هذا الاطار أكد فؤاد حسين مدير مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان (مسعود بارزاني) ان الاقليم يسعى إلى تحقيق هدفين أساسيين في الوقت الحاضر؛ الأول يتمثل في كيفية زيادة الدعم الدولي لمحاربة تنظيم (داعش) الإرهابي، والثاني يتعلق بتحديد طبيعة التعامل مع الحكومة المركزية في بغداد، مشيراً إلى ان هذا الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت كي يتم اتخاذ قرار بشأنه.
 وبدأ اقليم كردستان يواجه منذ مدة تحدياً آخر تمثل هذه المرة بموضوع رئاسة الاقليم وذلك بعد مطالبة العديد من الفصائل السياسية الكردية باجراء انتخابات لاختيار رئيس جديد للاقليم.
 ولا يتضمن دستور الاقليم إشارة إلى كيفية حسم هذا الموضوع، إلا ان قيادات حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه (جلال طالباني) وحركة التغيير (كوران) التي يتزعمها (نوشيروان مصطفى) يعملون منذ فترة على توحيد صفوفهم لتغيير المعادلة السياسية التي تحكم الاقليم.
 ويعتقد المراقبون ان رئيس الاقليم (مسعود بارزاني) يرغب بالبقاء في منصبه مدة اطول بشكل قانوني وليس من خلال الصفقات السرية كي لا يتهم بالاستبداد والتشبث بالسلطة.
 ويسعى المعارضون لبقاء بارزاني في السلطة إلى تسوية سلمية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده بارزاني حول مسألة الرئاسة من أجل ضمان مشاركة أكبر في ادارة الاقليم.
 ويرى المتابعون ان أي تغيير في هرم السلطة في الاقليم سيقود إلى تغييرات أساسية أخرى لاسيما في الجانب الأمني وكيفية تقسيم عوائد الثروات الطبيعية في الاقليم.
 وحظيت مسألة الرئاسة باهتمام متزايد من قبل النخب السياسية والثقافية والاعلامية في الاقليم منذ الاعلان عن تمديد فترة رئاسة بارزاني قبل نحو عامين (في تموز/ يوليو ٢٠١٣).
 وتم هذا التمديد بعد اتفاق حصل بهذا الشأن بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني وحركة كوران. وكان من المفترض أن يتم التوصل إلى آلية قانونية جديدة تضمن تداول منصب الرئاسة عن طريق صناديق الاقتراع، إلاّ ان هذا الامر لم يحصل لاسباب كثيرة بينها احتلال (داعش) الإرهابي لمناطق في الاقليم عام ٢٠١٤ والتي تمكنت القوات الكردية (البيشمركة) من إستعادتها في وقت لاحق، اضافة إلى التلكؤ الذي حصل في عملية تعديل دستور الاقليم والذي لم يتم عرضه للتصويت عليه من قبل برلمان الاقليم حتى الآن.
 من هنا نشأت مشكلة تحديد الرئيس القادم للاقليم والتي ينبغي تسويتها قبل حلول آب/أغسطس القادم (موعد انتهاء فترة رئاسة بارزاني)، وفي غير ذلك سيدخل الاقليم أزمة الفراغ الرئاسي في وقت هو بأمس الحاجة إلى تعزيز استقراره السياسي لمواجهة التحديات الخطيرة لاسيما الأمنية والاقتصادية.
 وتعد هذه المرحلة من أخطر المراحل التي واجهها الاقليم منذ تأسيسه في تسعينات القرن الماضي وحتى الآن بسبب التحديات التي أشرنا اليها وفي مقدمتها كيفية مواجهة الإرهاب، إضافة الى عدم اتفاق الاقليم بشكل نهائي مع الحكومة المركزية في بغداد بشأن عائدات النفط الذي يصدر من الاقليم.
 ويرى المحللون ان الظروف السياسية التي يمر بها الاقليم تميل الآن الى حدٍ ما لصالح حزب الاتحاد الوطني خصوصاً بعد تحالفه مع حركة كوران. ويسعى الاتحاد لتحقيق مكاسب سياسية من خلال البرلمان كونه من الداعمين لترشيح رئيس الاقليم عن طريق البرلمان، لكن هذا الأمر يتطلب إقرار قانون جديد يتيح القيام بهذه الخطوة، وهو ما لم يحصل حتى الآن.
 من هنا تبدو إمكانية التوصل إلى حل لأزمة رئاسة الاقليم ضئيلة في ظل هذه التعقيدات، خصوصاً وان بارزاني لم تبدر منه أي إشارة تدلل على استعداده للتخلي عن المنصب، لكنه يبدو مستعداً في الوقت ذاته للتخلي عن بعض صلاحياته لصالح الاطراف المنافسة لحزبه في الساحة، لاسيما حزب الاتحاد الوطني وحركة (كوران) التي تطالب بإخراج منصب القيادة العامة للبيشمركة من سيطرة رئيس الاقليم.
من خلال هذه المؤشرات وغيرها يمكن القول ان اقليم كردستان العراق بات اليوم أمام تحديات سياسية وأمنية واقتصادية خطيرة، ويعتقد المتابعون أن هذه الأزمات ستستمر مدة أطول ما لم تحل في البداية أزمة الرئاسة وبأسرع وقت ممكن.
نقلاً عن موقع الوقت

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here