سليم الحسني
(بداية أقول: كان الجعفري في فترة ما قبل سقوط صدام، يختلف عن الجعفري الآخر الذي نراه اليوم).
كانت السنوات الاثنتا عشرة التي سبقت سقوط النظام، فترة ذهبية في حياة الدكتور إبراهيم الجعفري، فلقد عاد الى العمل في حزب الدعوة متفرغاً، واستطاع أن يرمم علاقاته مع الدعاة بسرعة، وان يستعيد بريقه كأحد قادته البارزين. فتولى مسؤولية المكتب السياسي، والتنظيم المركزي، ونشاطات أخرى، وكان لعودته أثرها على الوضع العام للحزب خصوصاً في المجالين السياسي والإعلامي.
مارس الجعفري في تلك الفترة، دوراً مشهوداً على المستوى الاجتماعي والتربوي، داخل الدعوة وخارجها، فكان الرجل الذي يقصده أصحاب المشاكل، فيصلح بين المتنازعين، وتُحال اليه الأزمات التنظيمية فيُطفئ نائرتها، ويجالس الدعاة بتواضع المُربي، وهدفية الرسالي وإلتزام الحزبي.
شقته الصغيرة كانت مستودع أسرار الكثير من الأشخاص، وهي صفة عُرف بها فكان المتحدث اليه يبوح بأسراره الضاغطة ليقينه أن السر الداخل الى صدر الجعفري يبقى حبيسه، فنال ثقة العلماء والسياسيين والدعاة والعوائل العراقية.
وفي الاجتماعات والمحاضرات والاحاديث العامة، كان الجعفري يتدفق ثقافة حركية، يضخ المفاهيم الإسلامية ببيانه الرائع، وباسلوبه السهل وبمحاوراته الموضوعية، وبحججه القوية.
في أوقات كثيرة كنت ازوره في شقته لشأن من شؤون العمل الحزبي، فلا يتوقف هاتفه عن الرنين، واحياناً كنت أجده يجالد التعب والنعاس، فاعلم انه لم ينم منذ ساعات طويلة. يودع ويستقبل ويعقد الاجتماعات ويجري الاتصالات مع مناطق التنظيم في ايران وسوريا وأوروبا وأميركا.
ثم انتقل الجعفري في عام 1989 على ما أتذكر الى بريطانيا، وكانت محطته الأخيرة في المهجر قبل ان يعود الى العراق بعد سقوط النظام.
في ساحته الجديدة، انفتح الجعفري على الجاليات العراقية في أوروبا من خلال حملة الحج التي كان يديرها الأخ الصديق (عدنان جواد)، فكانت مناسبة كبيرة للتواصل مع مختلف الشرائح، وقد فتح مدير الحملة من خلال برنامجه وحسن تدبيره، الأبواب الواسعة أمام الجعفري ليبسط قابلياته التربوية والمفاهيمية على مستمعي محاضراته باعتباره المرشد الديني للحملة.
كانت حملة الهدى إحدى محطات الجعفري، فمن خلالها كانت توجه اليه الدعوات لإلقاء المحاضرات في مدن بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية، وقد ارتفع رصيده الاجتماعي بتعففه المالي واكتفائه بالقليل من شؤون الحياة، رغم العروض المالية التي كان يقدمها له بعض رجال الأعمال.
وكان الجعفري يأتي لزيارة إيران على فترات متباعدة لحضور مؤتمر أو اجتماع حزبي مهم، خصوصاً وان تلك الفترة أي في عام 1998 كانت الدعوة تمر بأزمة حادة، نتيجة موقف السيد هاشم الموسوي أحد القادة الكبار للحزب، والتي انتجت انشقاقه فيما عرف لاحقاً بـ (تنظيم العراق).
وفي الحقيقة فان الانشقاق كان محركه الحقيقي الدكتور خضير الخزاعي، وقد نسق مع مسؤول الملف العراقي (محمدي) ممثل مرشد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي في القضية العراقية، وحصل منه على دعم مالي وسياسي لتشجيعه على إقناع السيد هاشم الموسوي على الانشقاق.
حاول الجعفري إقناع هذا الفريق بالعدول عن موقفهم، لكن مساعيه لم تنجح، فالمال ودعم (أقا محمدي) له تأثير السحر على المواقف.
وخلال تلك الفترة كان المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله يتابع هذه التطورات ويسعى الى الحفاظ على وحدة الدعوة، وقد طلب مني رحمه الله في اتصال هاتفي، ان أوصل رسالة منه الى بعض الأشخاص المتفقين مع الخزاعي، بعدم رضاه عن الأخير ووجوب الحذر من توجهاته (يأتي الحديث عن ذلك لاحقاً عندما اتحدث عن شخصية خضير الخزاعي).
بعد ان اصبح الانشقاق أمراً واقعاً، بدأت بعقد اجتماعات مع المرحوم الأستاذ (مهدي عبد المهدي ـ اسمه الحركي الحاج كاظم وأبو زينب الخالصي) وهو أحد القيادات التاريخية لحزب الدعوة، وأكبر رموز المجاهدين في المهجر، وكان قد ابتعد عن تنظيم الحزب لكنه بقي يحمل أفكاره وثوابته، وإهتم بالعمل المعارض داخل العراق.
كانت الاحاديث تدور حول كيفية ترميم جسم الدعوة، وكيفية إعادة بنائها وفق أسسها وثوابتها الأصيلة، وانقاذها من التشظي والضعف، فاقترحت عليه اشراك السيد الجعفري والشيخ عبد الحليم الزهيري. وبالفعل عُقدت عدة اجتماعات في منزلي بطهران في هذا الاتجاه. وكان المقترح أن يصار الى تشكيل هيئة قيادية باسم (رابطة الدعوة الإسلامية) يشترك فيها حزب الدعوة وجناح الأستاذ الشهيد عز الدين سليم وجناح السيد هاشم الموسوي.
ولأن النقطة الأساسية تبدأ من حزب الدعوة باعتباره الكيان الأكبر من بين اجنحة الدعوة، فقد صار الاتفاق ان يباشر الدكتور الجعفري مهمة تهيئة الأجواء داخل القيادة، نظراً لحساسية هذه الخطوة، والخوف عليها من محاولات الوأد المبكر.
لكن الجعفري لم يحقق تقدماً في هذا الاتجاه. وعندما انتقلت الى لندن، وجدت الجعفري أقل تحمساً للفكرة، وكان تحسمه يضعف مع الوقت فيما كان الحديث عن الغزو الأميركي للعراق واسقاط صدام يأخذ المساحة الأوسع في أجواء المعارضة والاهتمام الدولي.
أكرر، كان الجعفري في تلك الفترة، يختلف عن الجعفري الآخر الذي نراه اليوم، وسيأتي الحديث.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here