كنوز ميديا

قبل بضعة اعوام وبعد سقوط الديكتاتور تحديدا كتبت ُمقالا عن نوبل آية الله وأعني المرجع السيد علي السيستاني الذي لم يكن آنذاك قد اعلن بعد بمواقفه عن هوية مرجعيته وشكلها ضمن انساق المؤسسة الدينية السائدة، كما لم تكن مخيلتي قد اكتنزت بعد بماهية تلك المرجعية، عدا ان الرجل يمثل امتدادا حقيقيا للمرجعية التقليدية للحوزة العلمية في النجف وغيرها من مدن التعلم الديني، ولست اتذكر ما الذي دعاني للكتابة تحت هذا العنوان لكني متأكد تماما ان موقفا ما كان سببا للكتابة عن شخصية المرجع الأعلى.

وبعد ان أُثقلت ذاكرتي بالمواقف المهمة لهذا المرجع الذي يلتف بعباءة سوداء وعمامة هي الاخرى سوداء ويجلس على ارض النجف بعيدا عن شاشات التلفاز وأضواء الكاميرات لإنقاذ بلد آيل للسقوط بكل ما للكلمة من دلالات، فان ذلك يدعوني وغيري الى ان نتأمل بمراجعة موضوعية لتلك المواقف التي ميزت السيستاني عن غيره من طبقة القرار السياسي والديني.

لا مساحة للتعايش السلمي في العراق لولا مواقف السيستاني – هكذا يحلو لي ان اقول – فالمتابع لحركته ومواقفه منذ سقوط الديكتاتور ولغاية الآن لا يمكن له ان يغض الطرف عن عبور هذا الرجل لكل الحواجز الطائفية والقومية، فالمرجع كرّس مفهوم المواطنة العراقية اكثر من بعض الساسة العراقيين انفسهم، اذ عبرّت مواقفه المتكررة بوضوح عن ذلك، فالمتابع لتوجيهاته لممثليه في خطب الجمعة بكربلاء لا يستشعر هذه المواقف فحسب وإنما يتلمسها بكل حواسه خصوصا ما يتعلق برفع صوره من الساحات العامة التي امتلأت بصور وعبارات لغيره لا حصر لها اليوم، كما تتجلى الدعوة الى المواطنة من قبل المرجع السيستاني في توجيهه الاخير برفع راية الوطن واستبدال الرايات المرفرفة في جبهات القتال بالعلم العراقي الذي خبت الوانه هناك وسط غبار المعركة وزحمة الرايات الفرعية المتنوعة بتنوع الدوافع لارتفاعها.

ان هذا الموقف من قبل المرجع يؤكد بجلاء عن استشعاره خطورة مستقبل تلك الرايات على وحدة الصف العراقي كما يريد ان يعيدنا الى جوهر الفتوى التاريخية للدفاع عن الوطن التي اطلقها بعد سقوط الموصل بيد خفافيش الظلام والخوف من سريان حمى السقوط الى مدن اخرى، فهذه الفتوى الذكية لم تشابه فتاوى سابقة او احكاما بالجهاد اطلقها فقهاء آخرون وإنما جاءت بطريقة مختلفة تماما لأنها فتوى وطن تعبر حدود المقلدين والطائفة والمكون بدليل انها خلت من مخاطب مصنف على تلك الاسس كما انها خلت من مفردة جهاد التي استبدلها المرجع بعبارة الدفاع وبقصدية مفرطة لما لهذه الكلمة من دلالات وطنية ومجتمعية كذلك اتبعها المرجع بكفائية الدفاع لحفظ مؤسسات الدولة من الخلو وضمان أداء الادوار.

إن هذه المواقف لم تأتِ ضمن سياق منفصل من مسيرة المرجع السيستاني وإنما جاءت مكملة لموقفه الحكيم بعد تفجير اكبر قبة ذهبية يرقد تحتها اثنان من أئمة المسلمين الشيعة ورموزهم في محاولة خبيثة من ارادة الظلام لجر المكونات العراقية الى حرب إبادة طائفية، لكن المرجع الوطني تجاوز مشاعره الطائفية ولم يتخذ موقفه تحت ضغط اللحظة المؤلمة وإنما غادر تلك اللحظة الى رحاب الوطن المقدس والحفاظ على الدم العام الذي كاد ان ينهمر ليغرق الحياة بالموت والخراب.

كما لا يخرج موقفه من الانتخابات والتداول السلمي للسلطة من سياق هذه المواقف الوطنية، وبقدر تدخله الشخصي في ملف رئاسة الحكومة بعد تصاعد غبار الاختلاف السياسي حولها فانه لم يغفل الاستحقاقات الانتخابية التي انبئت عنها صناديق الاقتراع، فقد انحاز وبطريقة تحفظ للديمقراطية جوهرها لقرار استبدال الاسماء دون المساس بحق الكتلة الاكبر الذي هو حق دستوري.

إن كل ذلك وغيره يجعل مرجعية مثل هذه تحظى بإشادات دولية وأممية وتدفع نواب في مجلس النواب الاميركي في جلستهم عن الستراتيجية الاميركية لمواجهة الارهاب بأن يدفعوا تهمة الطائفية التي يسوقها اهلنا العرب عن منجزات القوات الامنية والحشد الشعبي، مستندين الى توجيهات المرجع السيستاني بضرورة رفع العلم العراقي فقط في سوح النصر وجبهات القتال.

المهم علينا ان نتعلم المواطنة من المرجع السيستاني فهو يؤصل ويؤسس لمفاهيم اقرب الى الديمقراطية منها الى التعاليم الدينية والفتاوى الجاهزة لأنه يسعى لبناء الوطن وترسيخ مؤسساته الدستورية ووضع اللبنات الاساسية للمدنية والتعايش السلمي بين نسيج المجتمع العراقي الذي بدأ يتشكل بطريقة خاطئة نتيجة الارادات السيئة لمحاور الشر التي تعتاش وتنسج بناءاتها في ظل ازماتنا، فالسيستاني مرجعية وطن لا مرجع طائفة.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here