محمد محمود مرتضى 

لم يكن إنشاء مملكة تتبنى فكرا وهابيا تكفيريا في بلاد نجد والحجاز محض صدفة، إذ كان لبناء هذه المملكة الدور الاكبر في ضرب كل المساعي نحو وحدة عربية ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. ولئن كان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يطمح لاعادة بناء امبراطورية عثمانية، فإن أكثر ما يلفت النظر هو قيام تحالف تركي سعودي في الحرب على اليمن لا سيما وان المملكة كانت السباقة في محاربة السلطنة العثمانية في شبه الجزيرة العربية وتفكيك خلافتها.

 

إن المتابع لنشوء هذه المملكة لا يسعه إلا ان يلاحظ هذا الكم الهائل من «المصادفات» التي ترافقت مع نشوئها والتي أفضت في النهاية الى تفكك العالم العربي والاسلامي وتشظيه.

 

ففي عام 1915 وُقِّعت اتفاقية دارين بين آل سعود وبريطانيا والتي اقرت بإنشاء حكم ملكي لآل سعود في بلاد الحجاز ونجد تتوارثه العاثلة، وبعده بسنتين جاء “وعد بلفور” المشؤوم الذي ادى إلى نشوء الكيان الصهيوني في فلسطين. ولا يختلف وعد بلفور في مضمونه وأسلوبه واهدافه عن اتفاقية دارين، فكلاهما أمَّن لفئة دينية قمعية وعنصرية بناء دولة ليست من حقها على حساب الشعب الأصلي.

 

كما ان أسلوب بناء «الدولة» في كليهما متشابه أيضا إلى حدِّ التطابق، فتشكيل العصابات والإغارات على القوافل كان السمة الابرز. وبعدها ليس غريباً ان يكون هناك دور كبير لهذه المملكة في إضعاف القوة العربية ومحاولات الشريف حسين في مواجهة العصابات اليهودية التي نجحت في النهاية في انشاء كيان الاحتلال.

وعلى غرار ما حصل مع الشريف حسين في بدايات تكوين الكيان الاسرائيلي، ادت المملكة مهمتها ضد جمال عبد الناصر واعلنت حربا شعواء عليه.

 

آل سعود وتفتيت المنطقة

 

تاريخيا لعبت المملكة دائما دور المحرض على الأنظمة الوحدوية وعلى كل شعارات الوحدة العربية، ولطالما كانت أموالها تصرف في هذا الاطار وفي افساد الانظمة، ونادرا ما يعثر المتابع لأموال سعودية صرفت على البناء والتنمية والتطوير بل دائما كانت تصل الى زعماء جماعات وقبائل وعشائر تصرفها على المحسوبيات والدائرة الضيقة من الاتباع، حيث يمكن القول ان المال السعودي لم يدخل بلدا الا وأفسده ?إنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ?( سورة النمل، الآية 34).

 

المال في خدمة الافساد

 

لقد عملت هذه المملكة منذ نشوئها على تفكيك مكامن القوة في الأمة، فسعت الى إضعاف قيام دولة عراقية قوية وحديثة ولم تدعم العراق الا عندما كان برئاسة نظام دكتاتوري كصدام حسين فانفقت مليارات الدولارات في دعمها له خلال حربه على ايران، وكذلك منعت قيام دولة يمنية حديثة عبر شراء الذمم فيها وتخصيص رواتب شهرية لبعض زعماء العشائر الذين امتلكوا الثروات على حساب إفقار الشعب اليمني وحرمانه. ولم يستثنِ المال السعودي مصر، حيث أُنفقت المليارات في بناء مدارس دينية لنشر الفكر الوهابي فيها.

 

وهكذا لم يسلم قِطر من أقطار المنطقة من العبث السعودي به فسادا وإفسادا، وحده الكيان الصهيوني بقي بعيدا وبمنأى عن الطموحات السعودية.

 

إن ما نشهده اليوم في العالم العربي والاسلامي من فوضى مذهبية وطائفية ليست سوى وليدة هذه المملكة وأموالها وأفكارها الهدامة والتكفيرية، فلا عجب أن نرى أن أصابع العبث والحروب لم تطل سوى الشعوب العربية الطامحة للعلم والفكر والثقافة، وأنظمة تمتلك ولو حدا ادنى من الديمقراطية والتعددية، فيما الانظمة القمعية والظلامية بقيت بمنأى عن هذا الحراك وعن عبث آل سعود.

 

هي مملكة تخشى نور العلم والانفتاح والتعدد، تدعم الاستبداد وتحقير الشعوب ، تساند العصبيات والمذهبيات والتكفير. إنها وبكل بساطة مملكة الظلام.

نقلاً عن موقع العهد

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here