نوزت الدهوكي/

الشقي أو الشقاوة حسب التعبير الشعبي العراقي كان يعد من الابطال الذين يشار اليهم بالبنان وفق المفاهيم الاجتماعية السائدة في العراق أيام زمان حيث كانت تفتخر به المحلة و العشيرة على الرغم من كونه مجرما من الناحية القانونية لأن الشقي كان في الغالب يمتهن اللصوصية والسطو على بيوت الناس وفرض (الخاوة)- أي الاتاوة- على الاغنياء والميسورين، أما سبب افتخار المحلة والعشيرة بالشقي واعتباره من الابطال فيعود حسب رأي الدكتور علي الوردي الى عدم مخالفة الشقي للقيم والاعراف المحلية السائدة فهو في محلته شهم مغوار، يحمي الجار، ويحافظ على الزاد والملح ويراعي تقاليد العصبية والدخالة والنجدة.

ومن بين الشقاوات الذين عاشوا في أواخر العهد العثماني وبدايات تأسيس الدولة العراقية، الشقي (سليمون) الذي كان من أهالي مدينة الكوت التي سكانها خليط من الكرد والعرب. فقد كان هذا الشقي من الكرد الفيلية، وكان قد أعتاد على قطع الطريق على السابلة بين الكوت وبدرة وسلب ما يجده في حوزتهم من نقود ومخشلات، كما كان قد أعتاد السطو على بيوت الاغنياء حتى ضاقوا به  ذرعاَ، فشكوه إلى السلطات المختصة مراراً وتكراراً، ولما تولى السيد شوكت رفعت احمد منصب قائمقام الكوت عام 1893 م أراد أن يضع حداً لاعماله وسوء تصرفاته بالقضاء عليه فأخذ يضيق عليه الخناق يوماً بعد يوم حتى ضاق سليمون ذرعاً بتلك التدابير فلجأ الى تدبير غريب من نوعه ليحمل القائمقام على تركه وشأنه. ففي غسق ليلة من الليالي قصد سليمون دار القائمقام ودخلالغرفة التي ينام فيها الطفل الرضيع للقائمقام مع مربيته التي كانت تدعى (دوخة) و شهر السلاح في وجهها مهدداً اياها بالقتل إن هي صرخت أو ولولت ومؤكداً لها في الوقت ذاته بأنه سوف لن يلحق بالطفل الرضيع أي ضرر وإنما سيأخذه الى سطح الدار ويضعه على أول السلم ولها بعد ذلك أن تعود بالطفل الى مهده واخبار والده القائمقام بما جرى لها ولطفله، ولكن بعد أن تمنحه فرصة كافية ليتمكن من الابتعاد عن الدار، وهكذا سار الامر فقد قام سليمون بلف الطفل الرضيع بالقماط لفاً محكماً وصعد به الى السطح ووضعه على العتبة بكل رفق وحنان ثم أنصرف الى سبيله، وكان قصد سليمون من ذلك، تهديد القائمقام وإفهامه بأنه قادر على إلحاق الأذى به إلا أنه لا يريد به سوءاً، وقد كتب له رسالة بذلك في اليوم الثاني من الحادث، وكان القائمقام السيد شوكت رفعت قد وثق من صحة تلك الاقوال ومما زاده وثوقاً ما سمعه عن سليمون من أنه سطا ذات يوم على دار احد الاثرياء وسرق مخشلات كثيرة كانت في حوزته ثم علم أن من بين تلك المخشلات مصاغاً لامرأة فقيرة كانت قد رهنته عند ذلك الثري المرابي فذهب اليها بالمخشلات المذكورة وطلب منها أن تسحب مصاغها من تلك المخشلات فسحبته مع الشكر والامتنان والدعاء له بطول العمر، ولذلك فقد قدر القائمقام شهامة سليمون ومعدنه الطيب ورأى أنه من الممكن الاستفادة منه في بعض النواحي فتشبث له لدى والي بغداد ليشمله بعطف الدولة ورأفتها ويمنحه عفواً خاصاً عما أرتكبه فيما مضى من الزمان، وقد نجح القائمقام فيما اراد، فبعد أن حصل له على هذا العفو، عينه عريفاً في سلك الشبانة.

بقي عزيزي القارئ الكريم أن تعلم أن الطفل الرضيع الذي مر ذكره في مقالنا هذا قد شب بعد ذلك مع مرور الايام والسنين وألتحق بكلية الحقوق في اسطنبول سنة 1909 وتخرج منها سنة 1913 وعندما اعلنت الحرب العالمية الاولى في اواسط عام 1914، ألتحق بكلية الضباط الاحتياط وتخرج منها ضابطاً في الجيش العثماني، وعند تأسيس الدولة العراقية على أيدي الانكليز عام 1921 أخذ يتبوأ الوظائف الكبيرة والمناصب الرفيعة حتى بلغ رئاسة الوزارة في 3/ تشرين الثاني/ عام1932…. إنه عزيزي القارئ السيد ناجي شوكت رئيس الوزراء العراقي الاسبق الذي توفاه الله في عام 1974 على ما أظن الذي يقول في مذكراته التي دونها في كتاب بعنوان (سيرة و ذكريات ثمانين عاماً) انه بعد مرور اكثر من 22 عاماً على ذلك التدبير الغريب الذي قام به سليمون ضد أبيه فأن سليمون قد زاره عندما كان نائباً للمدعي العام في محكمة بداءة الحلة عام 1913 وقد ظهرت عليه آثار الشيخوخة، ويضيف السيد ناجي شوكت في مذكراته قائلاً : (بأنه قام باستقبال سليمون استقبالاً حسناً واكرم وفادته وسأله عما إذا كانت لديه حاجة يستطيع أن يقضيها له إلا أن سليمون شكره و انصرف و لم اشاهده بعد ذلك).

عن الصوت الاخر

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here