طال بنا انتظار المقال الثاني للسيد نوري المالكي، حول المراجعة وتقييم مسيرة حزب الدعوة الإسلامية، كما وعد في مقاله المنشور في جريدة الاخبار اللبنانية بتاريخ 19 تشرين الثاني 2014، لقد كان متوقعاً وبحسب العبارات التي تضمنها مقاله ان يطرح مشروعه للمراجعة في مقالات متتالية ومتقاربة زمنياً، كما سيتبعها بخطوات عملية يلمسها الدعاة، لا سيما وانه يتولى مسؤولية الأمين العام للحزب، وقد تفرغ من مهامه التنفيذية التي أخذت كل وقته وجهوده، كما ذكر في مقاله.

لم يصدر مقال آخر عن السيد المالكي، ولم تظهر منه خطوة شاخصة في الوسط الدعوتي، كما لم يُقدم مكتبه وفريق مساعديه أية توضيحات بهذا الخصوص مع ان عدة مقالات كتبها الدعاة في مناقشة ما جاء في مقاله، مما يشير الى وجود رغبة جادة لدى الدعاة في تحريك الموضوع على مستوى الحوار والدراسة والبحث باتجاه المراجعة واعادة البناء.

ومع ذلك تبقى دعوة الأخ المالكي الى إجراء المراجعة في حزب الدعوة، على أهميتها المتقدمة، فلا يمكن أن نتعامل معها ـ كما ذهب البعض ـ على انها محاولة منه لإظهار إهتمامه بالدعوة بعد سنوات من الإهمال، أو انه أراد أن يعود الى واجهة الحدث، من خلال مشروع المراجعة مستشهدين بجولاته التفقدية المثيرة للجدل على مكاتب الدعوة في المحافظات والتفقد الاخوي لبعض عناصرها مع إقتراب موعد عقد مؤتمر الدعوة.

 لقد شخّص المالكي من خلال التجربة، وبحسب مقاله، أن الدعوة لم تكن تمتلك استراتجية العمل لفترة ما بعد السقوط، لا على المستوى الفكري ولا الفقهي ولا السياسي ولا التنظيمي ولا الامني، وانما كان  التحرك على اساس ردود الفعل اليومية في ظل رؤية غير مكتملة الوضوح تحت ضغط الاحداث

وطالما ان هذه الحالة شكلت خللاً لعمل الدعوة، فان بقاءها سيزيد من حجم الخلل، مع ان ممكنات علاجها صارت قائمة بعد تجربة الحكم التي تصدى لها الأخ المالكي على مدى ثمان سنوات متتالية. والذي يزيد من فرص نجاحها أن الحكم لم يخرج من دائرة الدعوة بعد تولي الأخ العبادي رئاسة الوزراء.

السيد المالكي إذن أمام مجالات واسعة وتسهيلات مفتوحة للنهوض بمشروع المراجعة وإعادة البناء، خصوصاً وأن إجتماع شورى الحزب الأخير، بحضور المالكي وبقراره المهم القاضي (بمحاربة الفساد المالي والاداري) يُقدم تسهيلاً إضافياً لمهمة المالكي، فالمراجعة واعادة البناء بتطبيقاتها الحقيقية تبدأ من تطهير الحزب من العناصر الفاسدة التي أضرت بسمعة الحزب، فضلاً عن الضرر الذي تسببت به للمواطن والوطن والخروج على القيم الشرعية والأخلاقية.

ولا يمكن الشك مطلقاً بأن السيد المالكي هو أكثر من يعرف بملفات الفساد، وقد اعلن ذلك مراراً وتكراراً في حواراته وكلماته على شاشات التلفزيون، لكن الذي منعه من كشفها، خوفه على العملية السياسية وقتها كما كان يرى، واليوم قد زال هذا المانع، بعد ان تغيرت الاجواء بتشكيل حكومة جديدة. وأصبح من واجبه الوطني ان يكشف المفسدين، ومن واجبه الاسلامي ان يفضح الفساد، ومن واجبه الدعوتي أن يطهر الحزب من السرّاق الذين يحملون اسم الدعوة وصفة الداعية باطلاً وتجاوزاً.

ستكون خطوة الأخ المالكي في كشف الفاسدين داخل الحزب، بمثابة الإنقاذ الحقيقي لما لحق بسمعة الدعوة والإسلام من ضرر، وسيعيد الى نفوس الدعاة أمل العمل والبناء وإكمال المسيرة الشاقة. فالحزب يقوى بالتطهير من العناصر الطارئة والمنحرفة والمسيئة، وهذه وإن كانت مسؤولية كل الدعاة، لكنها أكبر بالنسبة لأعضاء القيادة، وأكبر منها بالنسبة للأخ المالكي أمين عام الحزب الذي يعرف المتورطين بالفساد ويحتفظ بالملفات والتفاصيل.

او على الاقل ان يخبرنا متى سيكشف هذه الملفات التي وعدنا بها ليعرف المحرومون كم عليهم ان ينتظروا قبل رفع يده عن سريتها، فالامل ولو بعد حين يساعد على الصبر على الوضع الفعلي الكارثي.

وإذا كان الحزب خالياً من الفاسدين، فهذه فرصة أخرى أمام السيد المالكي يجب استثمارها، ليبرئ ساحة الدعوة من تهمة التورط في الفساد، فيخرج على الملأ بنبرته الواضحة الصريحة، معلناً خلو الحزب من الفساد والمفسدين، ويتحدى كل من يدعي خلاف ذلك ليخرس الالسنة التي تدعي تلوث قيادات الدعوة او شخصياتها بالفساد وهذا واجبه الحزبي والأخلاقي في هذه الحالة دفاعاً عن الدعوة.

إن مشروع الأخ المالكي في المراجعة واعادة البناء، فكرة مرحب بها على هذا الأساس، اي قيامه عاجلاً بكشف الفاسدين، وعند ذاك سيجد الدعاة يلتفون حوله يعضدونه في طروحاته للمراجعة والتصحيح والاصلاح دون حاجة الى الى التطواف المتعب على مكاتب الدعوة  والتفقد المكلف للاخوة فيها.

ننتظر خطوة من السيد المالكي فيما ذكرنا، خطوة عملية أو رأياً مسموعاً او مكتوباً. أما اذا طال الإنتظار فان ذلك يجعلنا نزداد ثقة بتقييماتنا السابقة.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here