نسجل حق النقد لتجربة السيد نوري المالكي، فقد شخصنا (أيام عمل موقع الوسط) الخلل يوم كان في السلطة، قوياً متفرداً يفرض رأيه على القرار الحكومي بتشعباته ومجالاته المتنوعة، فيأخذ طريقه للتنفيذ بلمح البصر.
كان المتوقع أن يقابل ذلك النشاط في تشخيص الأخطاء وهي في بداية ظهورها، بشكر وتقدير من المحيطين برئيس الوزراء السابق، أو على الأقل قراءة ما نكتب وإيصاله إليه ليطلع على وجهات نظر ترصد له مواطن الضعف، وتحذره من تداعياتها، فهي خدمة مجانية تأتيه من جماعة لا يريدون منه مقابلاً شخصياً.
وكان المفترض من المحيطين به أن يكونوا أكثر الناس إمتناناً لما نكتب وننشر، فالذين يكتبون هم اخوتهم في الخط والانتماء والهوية، وما يكتبون يتطابق مع فكر حزب الدعوة وتوجهاته وتراثه وتعليماته. وكان واضحاً من المقالات انهم يدعون للعودة الى التمسك بثوابت الدعوة وعملها الرسالي والإهتمام بمشروعها الأكبر وهو العمل التغييري على أساس الإسلام.
لكن ردة فعل معظم الأخوة المقربين من السيد المالكي، كانت من نمط آخر، لقد نظروا للتشخيص على أنه هجوم عدائي، أو هكذا صوروا الأمور.. نقول هكذا صوروا الأمور، لأنهم في جلسات خاصة خارج المنطقة الخضراء، كانوا يبدون استياءهم من المالكي واقربائه وطريقتهم في استغلال السلطة.
عند هذه النقطة نؤشر على شخصية بارزة، خالفت السياق العام، واثبتت أنها تمتلك قوة الإرادة والثبات، إنه الدكتور طارق نجم، فقد جاءه منصب رئاسة الوزراء مدعوماً بالإجماع الشيعي والتأييد الإقليمي والدولي، لكنه رفضه بإصرار.. وقفة مهمة كبيرة، تجاوزها الإعلام بسرعة للأسف، مع أنها النموذج الأول والأكبر لرفض السلطة عندما تكون فاقدة لشروطها الطبيعية. وللتاريخ فقد هاجمت شخصياً الدكتور طارق نجم فيما كتبته أيام عمل (موقع الوسط) نتيجة تصوري بأنه يقف ضد العمل الحركي والاسلامي، وبعد ان اكتشفت الحقيقة بعد فترة من ترك منصبه، قدمت له الإعتذار علناً مكتوبا منشوراً، رغم رفضه نشر الاعتذار، لكني وجدت أن أعيد إليه حقه، وسأفعل ذلك مع أي شخص أجد أنني أسأت اليه، فمن لا يملك شجاعة الإعتذار لا يملك شجاعة الحقيقة.

ترك الدكتور طارق نجم العمل مديراً لمكتب رئيس الوزراء في دورة المالكي الثانية، حين وجد أن الأوضاع لا تسير بالاتجاه الصحيح، وهو موقف آخر يستحق عليه التقدير.

ولو فعل القياديون مثل ذلك، لأمكن معالجة نقاط الخلل، لكنهم مضوا على منوال الولاية الأولى، لدرجة أن أحدهم دعا الى استنساخه، وآخر نادى بأنه الأوحد الذي لا بديل يخلفه ولا شريك يعضده، وثالث قال ان الشيعة هم المالكي والمالكي هو الشيعة. وصار الذوبان فيه أكثر من السابق، فتقاطر طلاب المكاسب يصطفون بتنافس للتقرب منه، وعكس أحدهم منطق الأشياء، فصوّر أن العلاقة بالمالكي إمساك على جمرة. وهكذا صار المالكي لا ينصحه من يريد الدنيا، ولا يصحبه إلا من يريدها.
عندما أدبرت السلطة عن المالكي، اشاحوا وجوههم عنه، صار الكلام ضد المالكي ونقد تجربته وادانة فترته، حسنة مضاعفة.
بعضهم كان يرى فيما يقوله المالكي ويفعله، هو الصحيح المطلق.. ويعتبر من يوجه له النقد هو الضلال المطلق.. وحين تأكد أنه لن يتولى الولاية الثالثة، شطب على المالكي من رأسه لأساسه، ويمم وجهه صوب السيد العبادي ناسخاً به أحكامه السابقة. ولأن الإنقلاب في المواقف كان مكشوفاً مفضوحاً ممجوجاً فقد كتبت بعض الصحف العراقية ومواقع الانترنت عن هذه الظاهرة الهابطة.
بعضهم كان يتطوع بإختلاق التهم ضد بعضنا، يرمي هذا بالخيانة، ويطعن ذاك بالعمالة، ويختلق لثالث علاقة بدولة مخابراتية، في وقت كان بعضنا يقترض صباحاً ليأكل مساءً، ويعف عن قبول العطايا من هذا السياسي وذاك.
ولشد ما يؤذي القلب أنهم وهم يلوون ألسنتهم في إختلاق هذه التهم، يعرفون حق المعرفة حقيقة الأمور، لكن بريق المالكي والقرب منه كان أشد من عتمة الليل على الأبصار، يعميها فلا تبصر النور.

لا يمكن لأي إنسان وهبه الله عقلاً ومكنه بقدر من المعرفة والتجربة، أن لا يميز بين أخ يريد خدمة الإسلام، وبين منتفع مطعون الجذور جاء من أجل مصلحته الذاتية.. من الصعب تصور وجود إنسان كهذا، وإلا فليس له من الحظ نصيب. لكننا وجدنا ذلك يحدث عن قصد وعمد وإصرار، إذ يُصان البعثي لأنه متملق، ويضام الداعية لأنه مخلص.
طلبنا ذات مرة من بعض المقربين من المالكي أن يعالجوا خللاً سلوكياً معيباً، وذلك عندما أقامت نقابة الصحفيين حفلها الغنائي في بغداد، تحت يافطة كبيرة كتب عليها ان الاحتفال برعاية رئيس الوزراء الاستاذ نوري المالكي، وكانت تحت اليافطة تحيي الليل مومس من ذوات الاعلام تتمايل بملابسها الفاضحة، ومواقع الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والصحافة، تعيد نشر الصورة إمعاناً بالنيل من كرامة حزب الدعوة وسمعته وتاريخه.
طلبنا بمقالات يومية وبرسائل الكترونية أن يصدروا بياناً قصيراً يشجبون به ما حدث، حفظاً لتاريخ الحزب الذي اسسه الشهيد السيد محمد باقر الصدر، لكنهم استكانوا أولاً، وغضبوا آخراً من كثرة الإلحاح.
وتذكرنا يومها أن المالكي هو الذي يحكم العراق، ومن يخدش مشاعره بكلمة حق، يضع إمتيازات الدنيا في خطر النقصان.
وطلبنا من بعضهم أن ينصح السيد المالكي بعدم تمكين ابنه احمد من مقدرات القوة والدولة، فدافعوا عن ابنه وجدارته وكفاءته بأحسن مما دافع عنه المالكي نفسه.
وطلبنا منهم أن يحذروا السيد المالكي من فلان وفلان من الأشقياء الفاسدين الموغلين بماض فاسد وعلاقات مشبوهة وأيد ملطخة بدماء العراقيين، فكان الجواب المزيد من التهم ضدنا.
شريط طويل من السرد تختزنه الذاكرة وملفات الأرشيف حول تلك الفترة، وللحفاظ على سياق المقال كتبنا هذه السطور، والحكاية قد تأتي لاحقاً ان شاء الله، عن تجربة الحكم في العراق وتقييم فترة السيد إبراهيم الجعفري وما تلاها.
ما يدفعنا الى إثارة هذه القضية، هو كلام نوجهه للأخ حيدر العبادي، وهو في بداية توليه رئاسة الوزراء التي اتصلت إليه بعدما لم تدم للمالكي.. كلام نرجو أن يتوقف عنده، فيمنع أولئك الذين ضللوا المالكي واضاعوه، ان يكرروا التجربة معه، وان يمنع عن نفسه هذه الظاهرة من الأساس.

لقد أراد المالكي أن يجعل من حزب الدعوة، أداة بيده تسنده في موقعه طائعة من دون رأي، تنفذ الأمر في مولاته وفي معاداة اعدائه.

إن الواجب على السيد حيدر العبادي أن يعالج ركام الأخطاء، وهو ركام هائل أبرزه ملفات الفساد التي تستدعي أن يفككها ويحاسب عليها بموقف عاجل صارم، فهذه أموال شعب فقير، تكدست في جيوب المفسدين.

مهمة العبادي كبيرة صعبة، وما نتمناه أن يوفق للنجاح في خدمة العراق وشعبه، وان يوفق في إزالة الصورة السلبية التي لحقت أروع تجربة حركية شهدها العراق، ونقصد بها حزب الدعوة.. ندعو له بالتوفيق.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here