كنوز ميديا

شهدت الجلسةُ البحثيةُ الصباحية لمؤتمر الأكاديميّين الذي يُقام تحت شعار: (من نهج النبوّة نستلهم سبل التعايش والسلام)، والمنضوي ضمن منهاج وفقرات مهرجان ربيع الرسالة الثقافي العالمي التاسع المقام حالياً برعاية العتبتين المقدّستين الحسينية والعباسية وتحت شعار: (الرسولُ الأكرم إتمامٌ للكلمة.. وائتلافٌ للفِرْقة)، إلقاء بحثٍ لمسؤول معتمدي ووكلاء مكتب سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني(دام ظلّه الوارف) السيد محمد حسين العميدي بيّن فيه موقف ومساهمة المرجعية العُليا في التعايش السلمي في العراق ومعنى التعايش السلمي أكاديمياً وعلمياً.

مُضيفاً: “نحن ندّعي أنّ مفهوم التعايش السلمي ليس كما يراه البعض أنّه حدث في القرن التاسع عشر أو القرن العشرين أو تركّز في هذا العصر، وإنّما هو مفهومٌ قديم لأنّه منطق العقلاء منذ قديم الزمان لحلّ المشاكل والخصومات ومنع التطرّف والدمار المستمرّ في البلاد ذات المشتركات أو ذات الأقلّيات المشتركة أو الأفكار أو الطوائف المتعدّدة”.

واضاف: “بدأ مفهوم التعايش السلميّ يظهر الى المجتمعات البشرية ومعنى التعايش السلمي، فهناك خلاف بين حدّي الزيادة والنقيصة، فالبعض يرى أنّ التعايش السلميّ مفاده هو احترام آراء الآخرين ولكنّ هذا المعنى لا يلقى قبولاً عند البعض الآخر، لأنّه يرى بناءً على أنّه دائماً في القضايا الفكرية والمبدئية فنحن نعتقد أنّ الحقّ هو واحد لا يتعدّد وما سواه ليس بحقّ، ولا أريد أن أسمّيه بتسمية أخرى، فالتعايش السلميّ هو الإيمان واحترام رأي الآخر وإن لم يكن حقاً، وكلمة الاحترام عادةً وفق الفهم العرفي يعني تتلازم أو تنسجم مع كلمة الاعتراف ومع كلمة التقدير، فهل التعايش معناه احترام رأي الآخرين،

إذا أخذنا الاحترام بهذا المعنى قد يعترض البعض أنّه لا ينبغي وفق المبدئية إظهار التقدير لفكرٍ ليس بحقّ أمّا إذا كان الاحترام المقصود به هو احترام الشخص الحامل لهذا الرأي أو بمعنى آخر هو ليس الاعتراف بما يقول وإنّما الاعتراف بأنّ له الحق بأن يقول، باعتبار قضية الرأي للرأي المقابل وسنبقى في دوّامةٍ لتعريف هذا المعنى بين الأخذ والردّ وبين الإفراط والتفريط”.

وتابع: “نتّفق جميعاً على أنّ التعايش السلميّ هو عدم الاعتداء على الآخر بغضّ النظر عن أنّني أوافقه في الرأي أو أخالفه، فإذا أخذنا معنى عدم الاعتداء في كلمة الاحترام وقلنا أنّ المقصود بالاحترام هو عدم الاعتداء عندئذٍ يصحّ أن نتّفق ونجمع الآراء على أنّ التعايش السلمي هو احترام رأي الآخر، بمعنى عدم الاعتداء عليه لأنّه يتبنّى موقفاً يخالف الموقف الذي تبنّاه هذا الأمر الأول”.

مُضيفاً: “الأمرُ الآخر في تعريف التعايش السلمي ويجب أن يُقرّ في مفهوم التعايش السلمي هو أنّ التعايش السلمي أمرٌ تبادليّ لا يكون من طرفٍ واحد، التعايش السلمي هو اتّفاقٌ تبادليّ فيجب اتّفاق الطرفين أو الأطراف المتعدّدة على هذا المعنى لكي يحلّ التعايش السلمي، أمّا إذا تبنّى طرفٌ التعايش السلمي وأنكر الطرف الآخر هذا الأمر لم يتحقّق التعايش السلمي بغضّ النظر عن موقف الأطراف صحّ أو خطأ، ولكنّه إن لم يدخل الى واقع الحياة سيكون مجرّد نظرية أو كلام إعلامي أو تنظير فكري، في المجال الدينيّ هناك عدة رموز لكلّ جماعة دينية وكذلك في المجال القومي والاقتصادي والسياسي هناك أركان معينة في كلّ جماعة تتمثّل هذه الرموز،

أذكر المجال الديني لأنّه واضح ويمكن تطبيقه على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. الخ، فالمجال الديني يمثّل المعبود ركناً عند الطوائف الدينية، رسل هذا المعبود ومبعوثوه وممثلوه ركن، المعبد لدى هذه الطائفة ركن، الكتب والنصوص والتشريعات عند هذه الطائفة ركن، إذن الطائفة الدينية لديها رموز تتمثّل بالمعبود ومن يمثّله في الأرض والمعبد والنصوص التشريعية والسلوكيات الأخرى التي هي ذات طابع ديني، إذا طبّقنا التعايش السلمي على هذه المصاديق سيكون الأثر العملي أو التطبيق العملي هو عدم الاعتداء على الآخرين والانتقاص من معبودهم أو ممثّلي المعبود في الأرض أو معابدهم او كتبهم.. الخ”.

وبيّن العميدي: “عدم الاعتداء لا يعني الإقرار بالموافقة وأنّها حقّ أو باطل، لا أتكلّم في نطاق حقّ وباطل لأني أثبتُّ في البداية أنّ الحقّ واحد وما عداه ليس بحقّ، ويجب على الإنسان وجوباً شرعياً وعقلياً أن يختار الحقّ لكن إن لم يختر الحقّ تصبح له حقوق أخرى هي حقوق التعايش السلمي، هذا المعنى إذا صار واضحاً وهو من خلال التطبيق نطبّق هذا الأمر على موقف المرجعية العُليا لأتباع أهل البيت(عليهم السلام) فنقول أنّ المرجعية تلتزم وتُلزم أتباعها بعدم الاعتداء على رموز الآخرين التي ذكرتها، هذا القدر من الأمر يوصلنا الى شيء من الأمثلة، ما هي آليات المرجعية العليا وباقي المرجعيات الشيعية في إيصال أو بيان هذا الموقف الى الآخرين -الى أتباعها والى غيرهم-؟، ما هي الآليات يعني ماذا يملك المرجع من آليات يمكن أن تجسّد هذا الموقف؟ حتى نتتبّع هذا الموقف في تلك الآليات أقول إنّ للمرجع أربع آليات وعاملاً مساعداً مهماً لا عاملاً مساعداً ثانوياً، أربع آليات مع التركيز:

الآلية الأولى: معروف أنّ لدى المرجع الآلية الأولى والأهم هي الفتوى والإفتاء وبيان الحكم، إمّا من خلال فتوى شرعية أو من خلال بيانات تصدر عن هذه المرجعية، وهو بيان الموقف من الأحداث ومن الآخرين من خلال الفتوى ومن خلال البيانات.

الآلية الثانية: هي من خلال اللقاءات والتصريح المباشر والشفوي والحوار المباشر مع الآخرين عند استقبال الضيوف.
الآلية الثالثة: هي العلاقات من خلال ما تمتلك المرجعية من علاقات سواءً كانت علاقات تابعة لها وهي منظومة المعتمدين والوكلاء أو من يمثّلون المرجعية أو علاقات أخرى متبادلة مع الآخرين.

الآلية الرابعة: هي آلية التكرار لأنّ الموقف لا يثبت بفتوى واحدة أو ببيانٍ واحدٍ، يعني أنّ موقف عالمٍ معين أو مدرسة فقهية معينة على سيرة القرآن لا يثبت الموقف من خلال فتوى يتيمة أو بيانٍ يتيم، بل أنّ تثبيت هذه الظاهرة حتى تصبح ظاهرة وموقفاً واضحاً تحتاج الى التكرار فهي آلية أن المرجع يكرّر الموقف في كلّ مناسبة حتى يصبح موقفاً عاماً، لا أنّه رأيٌ صدر في زمن وانتهى مفعوله خاصٌّ بظروف ذلك الزمن.

أمّا العامل المساعد فهو أنّ المرجع ينبغي أن ينتمي لفكر وجماعة تنسجم مع هذا الموقف، أمّا إذا المرجع -في أيّ طائفة دينية- تبنّى موقفاً فيه دعوة الى التعايش السلمي وكان الفكر الذي يقوم عليه هذا المرجع الفكر العام الذي قبله التراث الذي يعمل على وفقه لا ينسجم مع هذا الأمر، أو كانت الجماعة التي يقودها هذا المرجع لا تنسجم مع هذا الأمر تفشل هذه الفتوى لأنّها لم تكن في حيّز التطبيق تماماً”.

وتابع: “المرجع بحاجة الى إسنادٍ ماضي وحاضر، الماضي والتراث والفكر الذي يرتكز اليه والحاضر هو الأتباع الذين يستمعون اليه ويتّبعون رأيه، نطبّق هذا سريعاً على مواقف سماحة السيد المرجع الأعلى، أمّا في الفتوى -الآلية الأولى- فقد تكرّر من سماحة السيد الحكمُ الشرعيّ، يعني يجب ولا يجوز يعني حلال وحرام، ومن كلام البيانات التي تبيّن الموقف تكرّر موقفه من جميع الطوائف في العراق ولم يقتصر في الكلام على على طائفةٍ دون أخرى وتوصية أتباع أهل البيت(عليهم السلام) بعدم الاعتداء على رموز الطرف الآخر ومقدّساته وما يعتقد به، وأيضاً دور العبادة الخاصة به منذ سقوط النظام، وبعد لم تتبيّنْ ملامحُ الأوضاع في العراق أفتى سماحة السيد بعدم الجواز والى يومنا هذا عدم جواز -يعني يحرم- أخذ مساجد السنة مثلاً أو الاعتداء على كنائس المسيحيّين أو غيرها من دور العبادة”.

وأضاف: “قلنا أنّ التكرار آلية، يعني لم يصدر موقف في (2003م) وانتهى الأمر، لا هذا يتجدّد وصار في ذروة الأمر في موقفين عندما تمّ تفجير مراقد سامراء ومنع سماحة السيد أتباع أهل البيت من أيّ ردة فعل يظهرون بها الانتقام، وأمّا اليوم في أحداث القتال وهذه الفتوى التي صدرت في الأسبوع الماضي وهي عدم جواز الاعتداء على ممتلكات المواطنين المسالمين غير المقاتلين الذين يكون القتال في مدنهم، سواءً كانوا من السنّة أو من الشيعة أو من المسيحيّين أو من الصابئة أو أيّ طائفة كانت، هذا في المال فضلاً عن أرواح المدنيّين المسالمين”.

وبيّن السيد العميدي: “في جانب اللقاءات المباشرة معلومٌ أنّ سماحة السيد ومنذ سنواتٍ طويلةٍ جداً يستقبل أنواع الزائرين من علماء الدين للطوائف الأخرى أو السياسيّين او شخصيات عالمية أو عربية أو إسلامية أو غير ذلك، وهناك عرفٌ قد تعوّدنا عليه أنّ الضيف يخرج ويُلقي بعض الكلمات في لقاءٍ صحفيّ، وأجمع الجميع على أنّ توصيات سماحة السيد مباشرةً هي المحافظة على السلم الأهلي والتعايش السلمي وحقّ المواطنة واحترام الآخرين”.

أمّا الأمر الثالث الذي بيّنه السيد العميدي فهي العلاقات: “ومعلومٌ أنّ توجيهات المرجعية بهذا الخصوص واضحةٌ، وهو عدم الاعتداء على الآخرين وتربية المجتمع على ذلك وأيضاً من خلال التدخّل في حلّ بعض الخلافات من خلال التدخّل مع السياسيّين أو غير السياسيّين أو رموز المجتمع أو علماء الدين، إذن يُمكن في خضمّ هذه الآليات الأربع هو أنّ التكرار في الفتوى والتكرار في اللقاءات وفي العلاقات والتركيز على هذه الحالة وليس فقط أنّ الجهة الفلانية أصدرت بياناً يتيماً مرةً واحدةً لتُجامل الآخرين وانتهى، لا هذا إصرار على أن هذا الموقف هو الذي يحمي البلاد من أفكار التطرّف والحرب الأهلية”.

أمّا النقطة الخامسة فهو العامل المساعد: “فمعلومٌ أنّ هذا الموقف لم يكن بدعةً ابتدعها المرجع أو تفرّد بها بل هو موقفُ الإسلام وأهل البيت(عليهم السلام) الذي يرتكز اليه المرجع ويستمد منه هذا العطاء، وبالتالي لن يكون غريباً أنّ موقف المرجعية منسجمٌ لأنّه متفرّع من موقف القرآن والسنة المطهرة وسيرة أهل البيت(عليهم السلام)”.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here