كنوز ميديا

كائنٌ سياسيّ أميبي، من الفصيلة الحربائية، لا يستقر على قالب، ولا يسكن الى اتجاه، كونه نتاج افرازات غدد اقطاعية، وهرمونات عشائرية، مزجتها السياسة، باعتبارها “وصفة”، تشفي من بعض أدران الجسد العراقي المريض، كما ظنّ الطبيب.

انه سعدون الدليمي، البرمائي (بر الثقافة وبحر الدفاع)، القَابِضٌ على حقيبتين وزاريتين، بدا فيها “خيّال مآته”، أو “خراعة خضرة”، لغياب دوره الملموس فيهما، بوصف مراقب للشأن العراقي، العاشق لعالم الدرهمة والتكسّب أكثر من انغماسه بالثقافة والعسكر، وما استترَ منه، أكثر مما ظهر، لما تميّز به من كتمان وحذر وتربّص من الآخرين، خشية الإيقاع به، حتى بات صامتا على الدوام ما نطق ببنت شفة، ليرد على أخطر الاتهامات التي تُوجّه اليها، وما اكثرها.

ليس ثمّتَ من فُجاءةٍ في سيرة سعدون جوير الدليمي، مواليد الأنبار 1954، أصبح وزيراً للثقافة منذ 2010 في الحكومة العراقية السابقة، كما شغل منصب وزير الدفاع بالوكالة.

حصل على الماجستير في علم الاجتماع في 1979، ليعمل مدرساً في جامعة بغداد، وبسبب عمله في الأمن، وكونه كادراً بعثياً متقدماً، ارسِل في بعثة دراسية الى المملكة المتحدة 1986، ليحصل على الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي 1990.

وعلى رغم ما يسوّقه، كونه عمل محاضرا في الجامعات البريطانية، الا ان زملاء الدراسة الذين فضلوا البقاء في لندن بعد اكمال دراستهم، يؤكدون عدم صحة ذلك.

ولأنه سنيّ، فقد كان يمثل حالة خاصة في المعارضة العراقية ذات الاغلبية الشيعية ضد نظام صدام، والتي وجدت فيه شخصاً مناسباً لتوسيع قاعدتها نحو المكونات الأخرى، لاسيما وانه متزوج من “شيعية”، كما يروي صديق قديم له، واشاع بين القوم المعارضين، اشتراكه في محاولة لقلب نظام صدام حسين، لا يُعرف بالضبط متى كان ذلك، سيما وانه خرج مبكراً من العراق، “معززا، مكرما” بمنحة دراسية ما كانت تمنح في ذلك الوقت، الا لمن ثبت ولائه للنظام البعثي.

وكان من نتائج ذلك، اشتراكه في مؤتمرات المعارضة في الخارج، واختير في لجنة التنسيق والمتابعة في مؤتمر لندن 2002، باعتباره قطباً سنياً يمثل عشائر العراق، في المناطق الغربية لاسيما الأنبار.

وبعد الاجتياح الأمريكي للعراق في 2003، وصفه البعض بانه واحد من التراجمة المخلصين للامريكان، عاد من جديد الى ادواره القديمة كرجل نظام ، يفتخر بالمسدّس الضخم المتدلّي خفية، خلف سترته، ورجل مخابراتي، انشأ “مركز العراق للبحوث والدراسات الاستراتيجية”، ليتولى منصب وزير الدفاع في حكومة إبراهيم الجعفري (2005 – 2006)،ثم مستشارٍا لمجلس الوزراء، في حكومة نوري المالكي منذ يونيو 2006.

وفي انتخابات مجلس النواب في مارس 2010، فاز مُمَثِلاً لمحافظة الرمادي عن قائمة “ائتلاف وحدة العراق”، ثم نُصّب وزيراً للثقافة في حكومة المالكي، وأدى اليمين الدستورية في 21 ديسمبر 2010. وزيرا للثقافة، الى جانب توليه وزارة الدفاع بالوكالة منذ أغسطس 2011، حتى تشكيل حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي في أيلول 2014.

يروي رفيق للدليمي، في خلال أيام دراسته في لندن، كيف كان الدليمي يتسكّع بين مواخيرها ونواديها الليلية، في تسعينيات القرن الماضي، مشيرا الا ان “تديّن” الدليمي لم يمنعه من “المتعة” بين الحين والآخر، ذلك ان الدليمي في واقعه، براغماتي، منفتح على كل الاحتمالات والفرص بحسب مصلحته فيها، مؤكدا على انه لم يعرف طامحا الى الأبّهة والكراسي المترفة، مثله، فقد أخرج منذ 2003 كل ما في جعبته من فضول، وتقيّأ الطمع تقيئاًّ، على وسائد بُحْبُوحَةِ العيْش.

ولعل هذا الصديق القديم صادق في كلامه، فقد بدأ الدليمي بعد 2003، سلطاناً، اسماً، ومسمىً، بل فاق السلاطين أيام زمان في كثرة البطانة والاتباع، متحلقين من حوله، تحلّق المغنيات والندامى والغلمان في مجالس السلطنة، أيام زمان.

لكن .. ألا يكون ذلك أمراً مبالغٌاً فيه؟، لاسيما وان هناك من أطرى في الدليمي تواضعه، وعزوفه عن النجومية.

ومن وجهة نظر الواقفين على طرف نقيض معه، فان الدليمي ظفر منذ 2003، بالمناصب، والجاه العشائري والسلطوي، وانبرى يحيط نفسه بالأصدقاء والمقربين، بعدما تُرِك له الحبل على الغارب، جاعلاً من افراد العشيرة، على محدودية ثقافتهم، وضعف تمرّسهم في شؤون السياسة والايالة، مستشارين في الدفاع والثقافة، فمنحهم من الأعطيات والهبات، مالم يمنحها أحد غيره.

والمفارقة على أشدّها في الدليمي، بتبوئه وزارتي الديناميت والقلم، في نفس الوقت، في ظاهرة استثنائية لم تشهدها حكومات العالم، فكان الدليمي على الدوام، ممتلئ الجيوب بالدولارات والاقلام والديناميت، فيهب الأولى لمن يشاء، ويسخّر الثانية لما يريد، ويرمي بالأخيرة، الخصوم.

بل انه مزج بين الثقافة والعسكر، في تركيبة يعجز عنها الخيميائيون، ليخلط فيها مكر العشائرية، بحيل السياسة، في سعيه الى انتاج مرْهم، يداوي به أعراض الشيخوخة السياسية، وقروح الزمن.

ومنذ نهاية حقبة الوزير، صاحب الهيئة “الإسلامية” المصطنعة، بلحية التيْس المُجَعَّدٌة، والوجه البارد الملامح، والمتبلِّد الإحساس، الذي لا يبتسم، تعالت دعوات فتح ملفات فساد الوزير الذي جلس على منصبه في وزارة – ليست في جمهورية الموز بكل تأكيد-، بقوة العشيرة والصداقات القديمة مع أصحاب القرار، وابرزها الاتهامات له بتبديد الاموال الأسلحة التي تسربت بقصد او من دونه الى عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي، واستحواذ شيوخ الانبار المتحالفين معه على مكافئات مالية سخية وبدون مستندات رسمية، لضمان ولائهم.

تأكيدات مثل هذه الكلام، تجدها على لسان الشيخ احمد ابو ريشة، الذي قال ان مرافقي وافراد حماية وزير الدفاع السابق، واغلبهم من اقاربه حصلوا على 14 مليار دينار، كحصيلة لصفقة بيع أسلحة، جرت عقب سقوط الموصل في التاسع من حزيران الماضي.

فيما يؤكد حميد الهايس، ان مفارز أمنية في المدينة القت القبض على أربعة من مرافقي الوزير الدليمي، وكميات كبيرة من الاسلحة بحوزتهم كانوا بصدد بيعها الى وكلاء تنظيم داعش الإرهابي.

وليس ثمّتَ من فُجاءة، فيما قاله إبراهيم الصميدعي – على رغم ضعف مصداقيته لتلوّنه في المواقف وتعاطفه مع الإرهاب- عن ملفات فساد كبيرة في وزارة الدفاع بطلها سعدون الدليمي، وانه –أي الدليمي- باع السلاح والعتاد الى الجماعات المسلحة في الانبار.

لكن هناك من يرى هذه، شهادة، في صالح الدليمي لأنها صادرة من رجل عُرف بتأييده للإرهاب ونفاقه السياسي، وما قاله بحق الدليمي، هو النقيض تماما.

وبعيدا عن السلاح، وقريبا من السياسة، فان الدليمي، الغارق في متاهة منصبين، كما يقول انباري، لـ”المسلة”.. انفق ميزانية الدفاع المخصصة لعمليات الانبار على قائمته الانتخابية.

ويذهب هذا المصدر، الى ابعد من ذلك، فيكشف لـ”المسلة” عن ان الدليمي فاز بمقعده النيابي بالتراضي، بشرائه من الفائز به، فيصل العيساوي، بمبلغ خمسة مليارات دينار.

ويمضي الدليمي في انفاقه “البرمكي” لإطالة بقاءه على المسرح، فيخصص ما يزيد على المليوني دولار لمحامين يذودون عنه تجاه أي محاولة للمساس به واتهامه بالفساد.

وفي كل تلك التفاصيل فان ابن اخته زياد حميد، هو المسؤول عن “صرماية” المال التي لا تنقص، كونها ارتبطت بقناة الصرف في ميزانية وزارتي الدفاع والثقافة، على حد سواء.

و لكي لا يُخلط الحابل بالنابل، فانّ الدليمي الذي لم يوفّر جهدا في نسج علاقات وشيجة مع عشائر الانبار قبائلها، في سعيه الى تحييدها في الحرب على داعش، يرى المتربصون به ان العشائر ابتزته بين اغداق الأموال عليها، وتعيين افرادها في المناصب، او احتضان داعش.

انه اقطاعي المناصب، الذي لا يرفّ له جفن أمام الانتقادات الشديدة التي وُجّهت اليه.

وكان الدليمي طوال فترة مسكه بحقيبة الدفاع، رهين تلك العشائر، التي تبدي له الود في النهار، وتتحالف مع داعش في الليل.

فيما المعجبون به، او قل المستفيدون من عطاياه، يثنون عليه تسخيره الدفاع، ليس لحفظ الحدود فحسب، بل لحفظ الامن الداخلي والبطش بالإرهابيين.

غير ان هناك من يفسر الامر على النقيض من هذا الاستنتاج، فيقول ان الدفاع تحولت في عهده الى مؤسسة امنية، تعتقل وتشن الغارات في المدن، متهمين الدليمي بتسخير اجندات سياسية في المؤسسة العسكرية، وهو ما يمنعه الدستور العراقي.

وغير ذلك، يُتّهم الدليمي بتبنيه اشخاص ليسوا من أصحاب الكفاءة في المؤسسة العسكرية، ما تسبّب في صعود قيادات غير مؤهلة عسكريا، تولت ارفع المراتب واعلى المناصب، وعلاقته برشيد فليح خير دليل على ذلك، بعدما كشفت مصادر إعلامية عن مصالح مالية وسياسية مشتركة بينهما.

لكن مقابل كل ذلك.. أليس الدليمي، من بين الذين ساهموا في بناء جيش على أنقاض مؤسسة منخورة من عهد النظام السابق وفترة الوجود الأمريكي، وان الأخطاء التي حصلت ماهي الا تحصيل حاصل للخطوات السريعة، في بناء الجيش وما صاحبها من اتون حرب طائفية اشتعلت على أشدها بين عامي 2006 و 2007.

يلام الدليمي على انه لم يقم حتى بإجراءات “ترقيعية” لإنقاذ الجيش العراقي من فساد قادته وتقادم هياكله الإدارية والفنية وسيطرة الديناصورات بأوزانها الثقيلة وعقولها المتحجرة على مقدرات الجيش.

وليس مستبعدا، بحسب مصادر لـ”المسلة”، ان يطال أي يطال أي تحقيق في ملفات الجنود الوهميين، سعدون الدليمي، باعتباره المسؤول الأول عن فساد ، نَخَرَ  عظم المؤسسة العسكرية نخراً.

لكن ابرز التهم التي يتداولها عراقيون، تسببه في سقوط الموصل في العاشر من حزيران الماضي، باعتباره المسؤول الأول في الدفاع عن أراضي ومدن العراق، بحكم منصبه، ويؤكد وجهة النظر هذه النائب عن ائتلاف “دولة القانون” محمد كون، حين قال في كانون الثاني الماضي، ان ائتلافه سيكون اول المحاسبين للدليمي بـ”الخيانة”، اذا ثبت تسبّبه في سقوط مدينة الموصل بيد مجاميع داعش.

وكان وكيل وزارة الثقافة السابق جابر الجابري، اتهم في لقاء تلفزيوني، الدليمي بالتقصير والاهمال وتسببه في سقوط الموصل.     

و شكّل الدليمي “لوبيا” كابوسيّاً من أقطاب “فاسدة”، بوصف البعض (المسلة تتحفظ على الاوصاف السيئة منها والحسنة)، أجادت في الوصولية الى المناصب، وتمرّست على فن “من أين تُؤكل الكتف”، فسخّر مع نوفل أبو رغيف، ميزانية الثقافة للمصالح الشخصية، عبر تعيين اللا مثقفين في مناصب من استحقاقات المثقفين الحقيقيين، كما كشف ذلك  مثقف عراقي تحتفظ “المسلة” بتوثيق لتصريحاته، مشيرا الى ميزانية سنوية خيالية مخصصة لمدراء المراكز الثقافية الخمسة في واشنطن، لندن، ستوكهولم، بيروت، طهران، ويشرف على هذه المراكز مدراء من أصحاب العلاقة الخاصة مع الدليمي. وحسب المصدر فان “الموظف في الملحقيات الثقافية يكلف الدولة نحو 12 ألف دولار شهريا”.

ولم يتمكّن الدليمي من ذرُّ الرماد في العيون، حين عيّن زوج ابنته مديراً للمركز الثقافي العراقي (صلة القرابة تحتاج الى توثيق لاختلاف المصادر)، وبراتب كبير وميزانية خيالية، على الرغم من عدم كفاءته وجهله بالوسط الثقافي، بحسب وصف نخب ثقافية، ما جعله يحيل اقامة نصب فني في العاصمة البريطانية الى فنان مغمور بقيمة 40 ألف دولار، لحساب الوزارة، من دون الرجوع الى مرجع فني معروف.

ويدور بين المثقفين العراقيين جدل واسع حول الفساد المتفشي في وزارة الثقافة، فمنذ 2003 ، وعلى رغم مليارات الدنانير التي صرفت على المشاريع الثقافية، لم تستطع الوزارة إتمام مشروع ثقافي ناجح يشار اليه بالبنان، واصبح الاختلاس المالي والفساد العلامة المميزة لمسؤوليها، لاسيما مدراءها العامين الذين يدورون في فلك  الدليمي، واثروا بشكل كبير على حساب المشاريع والبرامج الثقافية.

ولم ينسحب الدليمي من المناصب التي أحبّ، والكراسي التي تمسّك، الا مضطراً، وشتّان بين ثرى الانزياح القسري عن التيار، وبين ثريا الاستقالة الطوعية.

الدليمي اليوم، بات كحاطب ليل، لم تثمر سلطاته عن انجاز حقيقي، وهو الان، وقد أكل الدهر على مناصبه وشرب، في حيرة من أمره، بين التمترس من جديد خلف الستار العشائري، او العودة مجددا الى الإقامة في فردوس الخارج في نعيم أموال الصفقات والعمولات التي لا تحصى منذ 2003.adn

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here