جودت جالي

 

وقفت عند ساحة كانت يومها جرداء تقابلها من جهة الشرق على الرصيف المثلث شاخصة معدنية بسيطة أقيمت بعد سقوط صنم البعث كتبت عليها عبارة ( ساحة الشهيد رسول آلوس ) مدرجة تحتها أسماء حوالي عشرين شهيدا هم أفراد عائلة آلوس أعدمهم النظام البائد بتهمة الأنتماء الى حزب الدعوة الأسلامية . أقتربت منها حين رأيتها لأول مرة وقد جذبني الأسم ، وكنت أدخل الزعفرانية لأول مرة أيضا بعد ابتعاد عنها لسنوات طويلة . كان فضولي ينصب على العثور بين هذه الأسماء على أسم بعينه هو ( كاظم آلوس ) وقد وجدته وسط الأسماء التي خطت في صفين على خلفية زرقاء . كان الخط والطلاء عاديين ولم يكن في الشاخصة المعدنية مايعكس عظمة تضحية هذه العائلة ولاهول الكارثة التي حاقت بها . لاشك في أن شخصا ما تهمه ذكراها تطوع لنصبها أكراما لها . لم يكونوا مجرد أسماء على شاخصة فقيرة بالتأكيد ، وبالنسبة لي لم يكن كاظم آلوس في مطلع حياتنا مجرد فتى تسكن عائلته في بيت يبعد عن بيت أهلي بضعة أزقة داخل تلك العلبة السكنية المقصية عن عالم بغداد آنذاك بمعسكر الرشيد والمسماة ( زعفرانية ) قبل أن يجمعني وأياه النشاط المسرحي في مركز شباب الزعفرانية نهاية الستينيات وبداية السبعينيات ضمن الفرقة التمثيلية . كنا مجموعة من الفتيان نحاول أن نجد لنا مكانا في هذه الحياة ، أوسع مما توفره لنا بيوتنا الضيقة على أحلامنا ، من خلال خشبة المسرح كحال مخرجنا ( وليد ) الذي كان قد تخرج للتو في أكاديمية الفنون الجميلة قسم المسرح ولم يكن أمامه وهو في أولى خطواته ألا أن يجرب تطبيق ماتعلمه على تلك الفرقة التي لم يعتل أي عضو فيها خشبة مسرح من قبل ، وأن يقبل كذلك ، كبداية ، نصا مسرحيا دبجه كاتب هذه السطور تحت عنوان فخم ضخم هو ( عودة الجنرال ) وموضوعه ، طبعا ، قضية فلسطين وينتهي ، طبعا ، بالقضاء على الجنرال الصهيوني وجنوده بانتصار المقاومة الفلسطينية ، وقد شاركنا بهذه المسرحية في المهرجان القطري الأول لمراكز الشباب وفزنا بالجائزة الثانية . تدبرنا وقتها بمشقة أقناع فتاة فلسطينية من سكنة مجمع الفلسطينيين لتؤدي الدور النسائي ليس لأنها فلسطينية بل لأن أية فتاة من حينا لم تكن لتقبل الأشتراك بعمل فني بما يقتضيه من أختلاط بالفتيان وحضور للبروفات ولكن ماسهل قبولها وموافقة ذويها هو أرتباط موضوع المسرحية بالقضية الفلسطينية . شاركنا بهذه المسرحية في المهرجان القطري الأول عام 1970 وفزنا بالجائزة الثانية . تقاطعت بعدها طرقنا أنا وكاظم مرات والتقينا لقاءات .
هل رأى أحد منكم زعفرانيتنا آنذاك ؟ قطعة سمراء مرمية في فضاء الزمن ، نائية في سريالية تقلبات الستينيات وأوائل السبعينيات ، تحدها خوال من الأرض ، مئات من البيوت الحكومية الصغيرة تقع جغرافيتها الكالحة ، الحبيبة ألينا ، مابين شارع ديالى القديم وسدة المعسكر والرستمية ، حولها تنشأ مزارع خس وقمح وجت موسمية تفصلها من جانبها الجنوبي عن الجامعة الأمريكية التي شهدت أسوارها تلصصنا ونظراتنا المختلسة الى الفتيات الأنيقات داخلها والمتعجبة بأزياء أساتذتها القساوسة الذين كانوا أحيانا يجودون علينا بالمزيد من الهدايا من بينها كتب ومجلات أجنبية حفزتنا على التطلع الى العالم بعيون أكثر طمعا ، ومع المزارع مساحات مالحة لمن لديه متسع للعب والعبث أو للمطالعة على حواف السواقي أيام الأمتحانات هربا من حصار جدران بيوتنا . من كان يقف في عمق الزعفرانية على أقصى نقطة في شارعها الوحيد بأمكانه أن يرى السيارات وهي تسير على شارع ديالى العام ويرى السيارة التي تستدير لتنزل عنه باتجاه الدور ويعرفها لمن تعود فقد كان الذين يمتلكون سيارات عندنا لايتجاوز عددهم أصابع اليدين.كانت حياة سكنة تلك البيوت جلوسا خائفا في ظل لاهب بانتظار شيء يمنح الزمن معناه دون خوف . كلنا كنا نبحث عن المعنى . بعضنا ، مثلي ، يبحث في الأرض ، وبعضنا الآخر ، مثل رسول ، يبحث في السماء وكنا على اختلافنا مؤتلفين كئتلافي وكاظم . بعد ذلك بفترة أنقطعت أخباره عني بحكم ابتعادي لفترات طويلة عن موطن صباي . لكني كنت أعرف ميل عائلته الى التدين وأعرف أن الشبهات كانت تحوم حول أخيه رسول وغيره من أخوته .ماكان يؤكد للسلطة أرتباط رسول بحزب الدعوة تصرفاته . رفض أثناء خدمته العسكرية الألزامية أن يحلق لحيته ولم ينفع معه تهديد الضابط له بالعقوبة الصارمة لكن ذلك الضابط لم يلبث أن تراجع أمام أصرار رسول وجعله أعجابا بشجاعته والتزامه الديني أماما لمسجد الوحدة العسكرية ، ولاشك في أن موقفا كهذا لم يكن من جانب آخر ليمر دون أن تلاحظه حظيرة أمن الوحدة أو مكتب التوجيه السياسي وتثبته السلطة في سجلاتها ، ثم تأتي طبيعة علاقاته وتقواه وحرصه الشديد على الصلاة في جامع الزعفرانية ( جامع الرسول ) ولم يكن على وفاق كحال أغلب الشباب المصلين مع أمام الجامع وكان يرفض الصلاة خلفه لأسباب تتعلق بوكالته عن المرجعية وذهب وقتها الى السيد الخوئي ليستفسر عنها فعرف من مكتب السيد أن الوكالة ملغية فعاد رسول وواجهه أمام المصلين بأن وكالته ملغية فأخرج الشيخ وكالة قديمة عندها قال له رسول (( أذهب أذن وجددها ! )) . أعتقل رسول عام 1980 مع المئات الذين أدرجتهم السلطة في أضابيرها ضمن خط حزب الدعوة في الفترة التي أعتقل فيها السيد العالم الفاضل المفكر محمد باقر الصدر ، ولم يعد أحد من الذين أعتقلوا الى أهله أللهم ألا كجثة هامدة . كان أولاد آلوس وفي مقدمتهم رسول هم من ثبت أساس تنظيمات حزب الدعوة في الزعفرانية وكانت علاقة رسول التنظيمية مع الشهيد الشيخ عارف البصري ( من منطقة الكرادة ) الذي يرتبط مباشرة بالسيد الشهيد محمد باقر الصدر وقد أعدم مع المعتقلين في حملة أعتقالات سبقت حملة الأعتقالات التي قبض فيها على رسول . حين صدر حكم الأعدام على الشيخ عارف وكان من بواكير أحكام الأعدام على كوادر حزب الدعوة أصدر صدام حسين تعليمات بالسماح لمن يريد مقابلة المحكوم عليهم من أقربائهم وأصدقائهم وكانت الغاية هي التعرف على علاقاتهم ومن ثم ألقاء القبض على جميع من يأتي للمواجهة والنتيجة تكون طبعا في هذه الحالة الأعدام أيضا دون شك . في يوم المواجهة صعق ضابط أمن سجن أبي غريب لرؤيته آلافا من الناس جاءوا لمقابلة المحكومين وربما هاله تصور أن يسجن كل هؤلاء ويعدموا أو قدر صعوبة النتائج الأجرائية بخصوص المواجهة أو التوقيف أو غير ذلك ولكن المؤكد أنه لم يسمح للجميع بالدخول وأجرى أختيارا بطريقة ما لعدد منهم وصرف الباقين وصح التوقع فقد ألقي القبض على جميع من سمح لهم بالمواجهة . ذكر الشهود الذين كانوا معتقلين مع رسول وحكموا بالسجن أن رسولا حين نطق القاضي مسلم الجبوري بحكم الأعدام عليه نزع نعله ورمى القاضي به وهو مالم يقدم عليه أي معتقل حكم عليه بالأعدام . أمر القاضي الشرطة بقلع عيني رسول فقاموا بقلع عينيه وأتوا بهما أليه . سلمت جثة رسول الى أهله وأقيم له عزاء داخل بيت والده أذ لم يسمح لهم بنصب سرادق للعزاء وكانت جثته الوحيدة التي سلمت من بيت آلوس .
ليس غريبا على سلطة كانت تعاقب على الفكر والأنتماء السياسي أو مجرد الألتزام بمبدأ ما درجات من الأقرباء فينال شر عقابها الفعال الشديد حتى الدرجة الرابعة ولايسلم منها صغير ولاكبير أن تأخذ شابا مثل كاظم بما أخذت به رسول في حين أني لم أعرف عن كاظم ، وقد نشأنا معا في حي واحد ، أي هوى له غير الأدب والفن ولم أسمع من مصدر ثقة أن له صلة بحزب . كانت دائرة الأمن في الزعفرانية والتي جعلتها السلطة( مديرية ) لخطورة التحركات السياسية المناوئة لها وكثرة أنصارها في الحي ، تضع العيون لرصد حركات وسكنات أهل بيت آلوس .ثم احتال رجال الأمن لأعتقال حسن شقيق رسول وكانوا يعرفون أنه حذر ولايسلم نفسه بسهولة ويحتفظ بسلاح في متناول يده دائما . قطعوا التيار الكهربائي عن الحي بكامله نهارا ولبسوا ملابس العاملين في دائرة الكهرباء وتظاهروا بأنهم جاءوا لأصلاح الخطوط يقودهم الملازم علي الخاقاني ( أسمه المستعار كاظم ) من دائرة أمن الثورة ( مدينة صدام في العهد البائد وحاليا مدينة الصدر ). صعدوا الى السطح وفاجأوه وهو نائم في الغرفة العلوية . ذهبوا بحسن الى بيت سمير غلام بشارع فلسطين ( سمير غلام الذي قيل أنه نفذ هجوما على تجمع لرجال السلطة في جامعة المستنصرية وقتل في حينه وصادرت الدولة أملاك أهله ومنها هذه الدار الذي تحول الى معتقل للتحقيق مع المعارضين والمشتبه بمعارضتهم لحكومة البعث ) وجرى تعذيبه وكان التعذيب قاسيا الى درجة أن ساقه تورمت وامتلأت قيحا وكان يطلب من المعتقلين أن يساعدوه بأيجاد وسيلة لأخراج القيح الذي كان يؤلمه ألما لايطاق ، ثم لم يلبث أن أستشهد تحت التعذيب . ذكر من شهد تلك الأيام أن المعتقلين الذين رآهم من بيت آلوس هناك هم الحاج آلوس نفسه و أحد أبنائه وهو علي الذي حدثت أثناء تعذيبه حادثة نادرة . كانوا يربطون يدي المعتقل الى الخلفويعلقونه منهما الى عوارض السقف الحديدية ( الشيلمان ) وقد أنهار السقف حين علقوا عليا فسقط أرضا وسقط قسم من سقف تلك الغرفة فوقه ألا أنه لم يمت بل أصيب برضوض وجروح . بعدها أصيب الجلادون بالهستيريا وصاروا يعلقون عدة معتقلين على كل عارضة من العوارض الباقية .بعد ثلاثة أشهر تقريبا ، نقل المعتقلون الى بيت يقع في منطقة جميلة صادرته السلطة من مالكيه بحجة أنهم تبعية أيرانية . وضعوا معتقلي الزعفرانية في سرداب الدار . كان يوجد بين المعتقلين الحاج رسول ولكنه لم يتعرض الى تعذيب جسدي ، وربما قدر الجلادون أن في رؤيته لأولاده ونساء بيته يعذبون مايكفيه من العذاب ويغنيهم عن لمسه ، كانوا أذا ملوا من تعذيب أحدهم يعيدونه ليلقوه بين يديه أو في حجر آخر يفصله عنه حاجز من القضبان المشبكة فيرى ماأصاب أبنه أو أمرأة من بيته وهو لايعرف ماذا يفعل وكيف يرد الأذى عنه أو عنها ، وأحسبهم قتلوه بهذا قبل أعدامه وأعادوا بصنيعهم كل جريمة أقترفها الظالمون عبر التأريخ ليس بحق المؤمنين بالأديان فقط وأنما بحق كل صاحب رأي فجسدوا ظلم التأريخ كله بمأساة هذه العائلة المنكوبة المسبية . ومازاد آلام الآباء ألما ممضا فوق ألم أن رجال الأمن كانوا يسمحون للأطفال أحيانا بالخروج من حيث يحتجزونهم مع أمهاتهم فيذهبون للنظر الى آبائهم وأخوانهم الكبار من وراء القضبان وقد يكون عدد منهم ممددا بعد جولة تعذيب فهو يتلوى ويتأوه أو يأخذونهم أمام أعين أطفالهم للتعذيب .عزلوا النساء عن الرجال ولم يعد أحد يدري ماحصل لهن . رجل أسمه محمد مناتي طهواش كان ضمن المعتقلين روى أنه كاد يبكي حين أخذوه للتحقيق بعد عدة تحقيقات ذاق فيها الأمرين وفي الغرفة شاهد أمرأة قد عريت وعلقت الى السقف وكان الجلادون يضربونها بقسوة لكنها لم تفتح فمها بآهة أو صرخة أو كلمة توسل وقد ظهر عليها من وضعها أنها تتعرض الى التعذيب منذ نصف ساعة في الأقل ، يقول فخجلت لما بدر مني من الضعف وتمالكت نفسي بعد أن كدت أسقط أرضا وعلقوني مثلها فكنت كلما تلقيت ضربة أستمد من رباطة جأشها شجاعة وتحملا وأحرص أن لاتسمع مني آهة واحدة . كان التعذيب يتم بأشراف الملازم ثابت التكريتي ( أسمه المستعار فراس ) ويذكر أن المعتقلين الباقين من بيت آلوس كانوا هم الشهداء الوالد آلوس حسوني البهادلي وزوجته سعيدة وأبناؤه من سعيدة (وزوجة ثانية) منصور وعلي وعباس وطه وكريم ومحمد وكاظم ويحيى و زوجة عباس (أمل فارس) وزوجة رسول (حياة كاظم ) وشقيقتها بشرى وشقيقها جواد وعلوان زغير البهادلي وهو أخ غير شقيق لرسول من أمه . ذكر عليا لأحد الشهود قبل أعدامه أن رجال الأمن أعتقلوا أغلبهم يوم 23 كانون الثاني ليلا وبوشر في تعذيبهم أبتداء من يوم 24 كانون الثاني ليلا .
دائرة الزمن كمنضدة الروليت تقف كل مرة عند رقم جديد ويكون الثمن نفسه . حدث بعد 8 شباط عام 1963 لعائلة (شيوعية) ماحدث لعائلة آلوس (الشيعية) عام 1982 . المصائب نفسها والجاني نفسه والضحايا لايختلفون ألا بالتسميات . بعد أن أعتقل عناصر الحرس القومي أفراد العائلة كلهم ومن وجدوه في الدار ساعتها تركوا وراءهم طفلا صغيرا رضيعا . كان الجيران يسمعون بكاءه دون أن يجرؤ أحد منهم على الذهاب أليه خشية أن يكون تركهم له مصيدة لأعتقال كل من يدخل الدار باعتباره متعاطفا مع هذه العائلة وربما كان هذا الهاجس صحيحا قياسا على وقائع أخرى في ذلك العهد الديكتاتوري الأول . حين طلع النهار وتأكد الجيران أنه لاخشية من الدخول الى الدار حملوا الطفل واعتنوا به ثم سلموه الى أقارب لأهله.هل رأى أحدكم بيتا من بيوتنا وهو فارغ من أهله ليلا ؟ أذا أغلقت بابه أغلقته على قبر بحجرتين . تصوروا طفلا رضيعا يضج بالحياة في قبر . بكاء بطول الليل يغالب الوهن . حياة صغير لايدري لم ترك وحيداً في عمى شاسع . بكاؤه سؤال عبثي عن حضن دافئ وصدر مفعم بالحليب وبحث عن صوت الوالد الباعث على الطمأنينة . أنه لايعرف شيئا عن تضاريس الطغيان التي ضاع فيها والداه أو الشر الذي ركنه في ظلمة الوحشة . وأعاد التأريخ نفسه بوحشية أكثر ضراوة مع عائلة آلوس ….حدثتني خالة غفران ( فاطمة كاظم ) قالت أن غفران أبنة الشهيدين رسول وحياة والتي فارقاها وعمرها بضعة أشهر تركت عندها لأن أمها بعد أعدام رسول جاءت مع طفلتها للعيش معها وقد أعتقلت فيما بعد من مكان عملها ( يوم 1 آيار 1982 ) وشقيقتها بشرى ( يوم 3 آيار 1982 ) وحين أعتقلوا عباسا شقيق رسول وزوجته أمل فارس من بيت والده أخذوا أطفالهما الثلاثة معهما ( نادية وكانت تبلغ السادسة من العمر آنذاك وشقيقين أصغر منها عمرا ) أعادوا الأطفال بعد أيام وحيث أنه لم يبق من العائلة أحد يسلمونه الأطفال ألقوا بهم عند الزقاق من جهة السدة حيث المياه الآسنة والكلاب السائبة . الأطفال لايعرفون مكانا آخر يذهبون أليه ففي هذا الزقاق بيتهم ولايدرون لماذا هو مقفل ولايستطيعون الأيواء أليه . لم يجرؤ أحد من سكان الزقاق ولامن أي مكان على الأقتراب منهم طوال ثلاثة أيام سوى محاولات سريعة خاطفة كانت تقوم بها ممرضة سامرائية تعمل في مستوصف الزعفرانية وتسكن الزقاق وتكنى أم عروبة . كانت أم عروبة تعاود الأطفال وهم في مكانهم فتزودهم بالطعام وأعطتهم بطانية كانت نادية ذات الستة أعوام تلف نفسها وشقيقيها بها وتنحني فوقهما لتحميهما في الليل من الكلاب السائبة التي كانت تأتي من أوجارها في السدة ليلا نحوهم تهر وتنبح ، ويظل الأطفال في رعب وهلع كل ليلة وسط الكلاب ألا أذا أشفق عليهم جار وأبعد عنهم الكلاب بسرعة وعاد ليختبئ في بيته . بعدها ذهبت أم عروبة الى المختار حسن ورجته أن يأخذ الأطفال عنده بأعتباره مختارا الى أن يسلمهم الى قريب لهم . حار المختار ماذا يفعل فهو لايستطيع أخذ ثلاثة أطفال الى بيته والعناية بهم وهو أيضا ، رغم أنه من جهة السلطة ، يخشى كغيره من العواقب الوخيمة أذا تصرف دون تخويل فذهب الى مديرية أمن الزعفرانية ليسأل المدير رأيه في الأمر . تبين أنهم لايهمهم أمر الأطفال ولامانع لديهم أن يصنع بهم المختار مايشاء . جاء المختار وأم عروبة الى خالة غفران ورجاها المختار أن تدله على قريب لهم فلم تتحرك من مكانها حتى طلبت منه أن يقسم على أنه لن ينالها أذى بسبب هذا العمل الأنساني فأقسم الرجل وأطمأنت وذهبت معهما مستصحبين الأطفال الى عمة لهم تسكن منطقة أخرى .لم يخبرني أحد عما صنعوا بكاظم في المعتقل فكأنه تلاشى في اللحظة التي أصعدوه فيها سيارة الأمن العام . أين ذهبوا به ؟ كل الشهود يقولون أنه كان في المعتقل . أعرف أنه لم يلبث أن ذهب يبحث عن ظل دافئ على مسافة من الزعفرانية يتربع فيه وينظر في سراب العصر الى أمل يقطع الهجير أليه خارجا من البيوت النائية . سألت هل يأتي الى بقايا أكباد الشهداء بانتظام ولو في المناسبات من يستفسر عن أحوالهم بعد كل هذه المآسي . كان الجواب لاأحد يأتي وقد أبلغوا غفران مرة للحصول على مساعدة عشرين دولارا فلما ذهبت قيل لها لاتستحقين لأنك متزوجة !! و لعل الجواب الأبلغ هو أمامي الآن على شاخصة معدنية خط عليها حوالي عشرين أسما طمستها اليوم ملصقات ورقية لتيار آخر .

===========================

هامش : أتوجه بالشكر للأصدقاء الذين قابلتهم بعد طول فراق وأنعشوا ذاكرتي بتفاصيل كنت نسيتها وتفضلوا بتزويدي بالمعلومات عن أحداث لم أشهدها وأخص منهم بالذكر الشاهدين المعتقلين سابقا في سجون البعث رحيم حنش وجاسم نجم الشمري والعوائل التي رعت أبناء الشهداء وقابلتها بخصوص الموضوع .

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here