القرار الذي اتخذته هيئة المحلفين في ميزوري بوقف الملاحقات بحق الشرطي الأبيض دارن ويلسون الذي قتل الشاب الأسود مايكل براون 18 عاما، والذي اثارت موجة جديدة من أعمال العنف والاحتجاجات المستمرة، التي امتدت إلى 180 بلدة ومدينة أميركية لايزال محط اهتمام الرأي العام الامريكي

  القرار الذي اتخذته هيئة المحلفين في ميزوري بوقف الملاحقات بحق الشرطي الأبيض دارن ويلسون الذي قتل الشاب الأسود مايكل براون 18 عاما، والذي اثارت موجة جديدة من أعمال العنف والاحتجاجات المستمرة، التي امتدت إلى 180 بلدة ومدينة أميركية لايزال محط اهتمام الرأي العام الامريكي، خصوصا وان هذه الحادثة الاخيرة التي اعتباره البعض ثورة جديدة قد اثارت الجدل حول قضية العنصرية والاختلاف الطبقي والاقتصادي في المجتمع الأمريكي، الذي يعاني الكثير من المشكلات والازمات كما يقول بعض المراقبين، الذين اكدوا على ان عنف عناصر الشرطة الامريكية لا يقتصر ضد المواطنين السود في مدينة فيرغسون، فالاعتقالات في أوساط السود أكثر ببعض المناطق، رغم أن البيض يرتكبون مخالفات قانونية أكثر.

وكان قادة مجتمع مدني ورجال دين أميركيون سود عبروا عن امتعاضهم الشديد بسبب عدم توجيه تهم للشرطي دارن ويلسون. وقال هؤلاء في مؤتمر صحفي “نقف هنا للتعبير عن خيبة أمل لا يمكن وصفها وإجهاض لمعنى العدالة بسبب نظام معيب وغير عادل، مشددين على أن النظام في أميركا مصمم للتفريق بين الأميركيين والأفارقة وغيرهم بحسب اللون”.

وهذه الطبقة من الامريكان وكما تشير بعض المصادر هم مجموعة عرقية من أصول أفريقية (يشار اليهم ب الأميركيين السود و في السابق الزنوج) تعيش في القارتين الأمريكيتين، ويستخدم المصطلح بشكل خاص للإشارة إلى أولئك الذين هم من أصول أفريقية ويعيشون في أمريكا الشمالية، ويعود أصل معظم هؤلاء إلى سكان أفارقة تم استعبادهم واستجلابهم من أفريقيا إلى الأمريكيتين من قبل تجار الرقيق والنخاسة البيض خلال النصف الثاني من السنوات الألف الماضية.

وذلك للعمل بالسخرة في النشاطات الزراعية والصناعية التي كان البيض يسيرونها في ما سُمّي العالم الجديد، على الرغم من أن بعضهم ينحدرون من مهاجرين، من أفريقيا والبحر الكاريبي وأمريكا الوسطى أو أمريكا الجنوبية. يمتد التاريخ (الافرو أمريكي) منذ القرن السابع عشر مع ظهور المستعمرات الأمريكية واقتران العبودية بها ويمتد إلى وقتنا الحاضر مع انتخاب الرئيس الأمريكي ال 44 ذو الاصل الأفريقي، وخلال هذه الفترة الممتدة كان هنالك احداث وقضايا واجهها الأمريكيون الافارقة: الرق، وإعادة الإعمار والتنمية في المجتمع الأفريقي للولايات المتحدة، والمشاركة في كبرى الصراعات العسكرية للولايات المتحدة، العزل العنصري، وحركة الحقوق المدنية. الأميركيون السود يشكلون أكبر الأقليات العرقية في الولايات المتحدة ويشكلون أكبر مجموعة عرقية في المرتبة الثانية بعد البيض في الولايات المتحدة.

أعمال عنف واعتقالات

وفيما يخص هذه الحادثة فلاتزال السلطات الأمريكية تتخوف من انتقال أعمال العنف من مدينة فرغسون الأمريكية إلى المدن الأخرى احتجاجا على قرار هيئة محلفين إسقاط الملاحقات القضائية بحق شرطي أبيض قتل شابا أسودا. وكانت الجادة الرئيسية في هذه الضاحية التابعة لسانت لويس في ميزوري التي شهدت حرب شوارع وتطوقها الشرطة غارقة في صمت غير طبيعي يعكره فقط هدير مروحية طائرة هليكوبتر لقوات الأمن. وقال شرطي لدى منعه صحافية الاقتراب، “ما زال يتعين علينا أن نتصدى لعمليات نهب وسرقات”. وأضاف أن “الدخول إلى منطقة الاضطرابات مسألة بالغة الخطورة”.

وقد استيقظ سكان في الجوار مصدومين. فقد كان أشخاص مذهولون يلتقطون صورا لبقايا متاجر تعرضت للنهب ولا زالت النيران تنبعث منها. وقالت إنجي، ربة العائلة السوداء التي تعمل في محل بقالة “هذا أمر مرعب. لم أر من قبل أعمال شغب مماثلة”. وأضافت “أصلي حتى أتمكن من العودة سالمة إلى منزلي”. ويتوقع آخرون أعمال عنف جديدة “ما لم ترفع الحكومة صوتها وتعرض قانونا يرضي الناس”، كما قال مورغان ابوت، الرسام الأبيض الذي لا يفهم لماذا “دمر الناس مدينتهم”.

وطلب حاكم ميزوري جاي نيكسون الذي أعلن حالة الطوارئ تعزيزات جديدة من الحرس الوطني خشية اندلاع أعمال عنف جديدة. وفور الإعلان عن الحكم الذي أصدرته هيئة محلفين، اندلعت أعمال العنف في هذه المدينة الصغيرة فيما نزل آلاف الأمريكيين في عدة مدن أمريكية من سياتل إلى نيويورك مرورا بشيكاغو ولوس أنجلس إلى الشوارع للتنديد “بالعنصرية التي تقتل”. ورد عناصر الشرطة الذين وصلت إليهم تعزيزات من الحرس الوطني ومن مكتب التحقيقات الفيدرالي، بإطلاق الغاز المسيل للدموع والهراوات وقنابل التعمية.

وبعد ثلاثة أشهر من المداولات، أعلن مدعي دائرة سانت لويس أن الشرطي دارين ويلسون لن توجه إليه التهم بعدما خلصت هيئة المحلفين إلى أنه تصرف بموجب الدفاع المشروع عن النفس بعد حصول مشادة بينه وبين براون. وقد أثار مقتل مايكل براون الجدل مجددا حول موقف قوات الأمن والعلاقات العرقية في الولايات المتحدة بعد 22 عاما على قضية رودني كينغ والاضطرابات التي وقعت في لوس أنجلس بعد تبرئة أربعة شرطيين بيض صوروا وهم ينهالون بالضرب على الرجل الأسود.

وقد ساعد نحو 2000 فرد من قوات الحرس الوطني الامريكي على تفادي عمليات النهب والحرق في ضاحية فيرجسون بسانت لويس في ولاية ميزوري. ورغم الوجود العسكري المكثف في فيرجسون أحرقت سيارة شرطة قرب مجلس البلدية مع حلول الظلام واستخدمت الشرطة قنابل الدخان والمسيلة للدموع لتفريق المحتجين.

وتجمع في وقت لاحق متظاهرون قرب مركز الشرطة واشتبكوا مع الضباط الذين استخدموا ضدهم رذاذ الفلفل وقام المتظاهرون بتحطيم واجهات المتاجر الزجاجية أثناء فرارهم بعد ان صدرت لهم أوامر بالتفرق. وأضرم المحتجون النار في أكثر من متجر وشركة وتعرضت متاجر أخرى للنهب بينما أخذ المتظاهرون يلقون الحجارة ويطلقون أعيرة نارية من حين لاخر على الشرطة التي ردت باستخدام كثيف للقنابل المسيلة للدموع.

وقال قائد شرطة مقاطعة سانت لويس جون بلمار ” أن عمليات الاحراق العمد وإطلاق النار كانت محدودة للغاية وأن الأعمال الخارجة عن القانون اقتصرت على جماعة صغيرة نسبيا. وكشفت قضية فيرجسون العلاقات المتوترة في بعض الأحيان بين الأعراق المختلفة في الولايات المتحدة وطبيعة العلاقات بين الامريكيين من أصول أفريقية والشرطة. وتعيش في فيرجسون غالبية سوداء لكن البيض يهيمنون على إدارتها. وأدى قرار هيئة محلفين عليا في مقاطعة سانت لويس بعدم توجيه الاتهام إلى ضابط الشرطة الابيض إلى احتجاجات في مدن أمريكية رئيسية أخرى.

من جانب اخر اعتقل اكثر من 180 شخصا في لوس انجليس خلال تظاهرات احتجاج على قرار هيئة محلفين. وجمعت التظاهرة في اكبر مدن كاليفورنيا (غرب) حوالى 500 شخص وبدأت بمسيرة لعدة كيلومترات من جنوب المدينة قبل ان تنتهي امام مقر الشرطة في حي داونتاون وسط لوس انجليس.

واعلن قائد شرطة لوس انجليس تشارلي بيك ان 183 شخصا اوقفوا ليلا بينهم 167 بتهمة الاخلال بالنظام العام. واعتقل شخص بتهمة ارتكاب مخالفة اكثر خطورة بعدما رشق شرطيا بعبوة مياه ما ادى الى اصابته بشكل طفيف في رأسه. وقالت شرطة اوكلاند على تويتر ان “المتظاهرين خربوا متاجر واشعلوا حرائق ورشقوا الشرطيين بالحجارة” موضحة انه “تم اعتقال عدة اشخاص”.

وفي نيويورك اعتقل عشرة اشخاص خلال تظاهرات نظمت للتنديد بقرار هيئة المحلفين كما افادت الشرطة. وتظاهر اكثر من الف في نيويورك. ووصلوا الى يونيون سكوير وتايمز سكوير وجابت عدة مواكب شوارع المدينة وعطلت حركة السير لاسيما الطريق السريع فرانكلين روزفلت شرق مانهاتن.

وفي اول تصريح له منذ مقتل مايكل براون اكد الشرطي دارن ويلسون ان “ضميره مرتاح” وانه كان تصرف بنفس الطريقة مع شاب ابيض. واوضح انه خاف من ان يقتل لاعتقاده ان الفتى البالغ من العمر 18 عاما كان بصدد انتزاع سلاحه ليطلق النار عليه. وقال “انه انقض علي، وكان سيقتلنيي”. اما محامي عائلة الشاب الاسود، بنجامين كرامب، فانتقد من جهته ما وصفه ب”نظام (قضائي) في خلل”، منددا بصلة تقارب بين المدعي الذي قتل والده الشرطي على يد اسود وشرطة سانت لويس. بحسب فرانس برس.

ولفت الى التناقضات في شهادات الشرطي معربا عن اسفه لان الاخير لم يواجه اي استجواب مضاد. لكن دارن ويلسون الذي ما زال في عطلة ادارة ليس في منأى عن اي ملاحقة. وقد ذكر وزير العدل اريك هولدر بان ثمة تحقيقين جاريان ووعد بنتائج سريعة من اجل “اعادة الثقة” بين الشرطة والمواطنين السود.

اوباما والعلاقات بين الطوائف

من جانب اخر قال الرئيس الامريكي باراك اوباما ان كل من يدمر الممتلكات في أحداث شغب للاحتجاج على قرار هيئة محلفين عليا في ميزوري يجب ان يقدم للمحاكمة وحث الامريكيين الذين أغضبهم قرار المحكمة على العمل معا لتحسين العلاقات بين الطوائف العرقية. وقال اوباما في كلمة “إحراق المباني واضرام النار في السيارات وتدمير الممتلكات وتعريض الناس للخطر .. اعمال تخريبية ولا توجد ذريعة تبررها. تلك اعمال جنائية ويجب ان يقدم الاشخاص للمحاكمة إذا تورطوا في أعمال جنائية.”

واضاف اوباما انه يتعاطف مع هذه المجتمعات. وقال انه أصدر تعليمات الى وزير العدل اريك هولدر لعقد اجتماعات اقليمية بين زعماء المجتمعات وسلطات إنفاذ القانون في ارجاء الولايات المتحدة لدراسة سبل لبناء الثقة. ومضى قائلا “الاحباطات التي شاهدناها لا تتعلق فقط بحادث بعينه. انها لها جذرو عميقة في مجتمعات كثيرة من الملونين الذين لديهم احساس بأن قوانيننا لا يجري دائما إنفاذها بطريقة موحدة او منصفة.” وقال لاولئك الذين يعتقدون ان ما حدث في فيرجسون هو ذريعة للعنف “لا اشعر بأي تعاطف معكم عن تدميركم لمجتمعاتكم.” بحسب رويترز.

ويعلق الاعضاء السود بالكونجرس الامريكي والناشطون المحليون امالهم في العدالة على تحقيق تجريه حاليا وزارة العدل الامريكية بشان ما اذا كان ويلسون قد انتهك حقوق براون المدنية من خلال افراط في استخدام القوة وما اذا كانت شرطة فيرجسون قد انتهكت بشكل ممنهج حقوق الافراد من خلال القوة المفرطة او التمييز

استهداف الاطفال السود

أثيرت مخاوف من تجدد الاضطرابات في الولايات المتحدة بعد بث شريط فيديو يظهر قتل شرطي لطفل أسود لا يتجاوز عمره 12 عاما كان يلعب بمسدس لعبة. ودعا والدا الطفل في بيان إلى “التظاهر سلميا وبطريقة مسؤولة” خشية من اندلاع أعمال شغب. وتبين من شريط الفيديو الذي صورته كاميرا مراقبة وتم بثه، أن الطفل تمير رايس قتل بعد ثوان من وصول شرطيين في سيارة شرطة إلى حديقة في كليفلاند، اوهايو.

وأفاد تسجيل صوتي بثه التلفزيون أن رجلا اتصل بالشرطة بعدما رأى طفلا يلوح بسلاح أوضح أنه قد يكون “وهميا” على الأرجح. لكن الضابطين اللذين وصلا إلى المكان لم يتبلغا بتلك التفاصيل. واعتبر الفرع المحلي لجمعية الدفاع عن السود أن عملية القتل هذه “تعيد طرح مسالة اختيار وتدريب وإعداد ضباط الشرطة”. وأضافت أن “ضباط الشرطة ينبغي أن يتحضروا لمواجهة أناس من كل الأصول الإثنية وكل الثقافات وأن لا يلجأوا إلى القوة القاتلة إلا كملاذ أخير”. بحسب فرانس برس.

وخشية أن يؤدي شريط الفيديو عن مقتل ابنهم إلى تسميم وضع متوتر أصلا، دعا والدا تمير رايس في بيان إلى “التظاهر سلميا وبطريقة مسؤولة”. وترددت أصداء الغضب حتى بلغت لندن حيث تظاهر آلاف الأشخاص أمام سفارة الولايات المتحدة، وهتفوا شعارات ترددت في فرغسون “حياة السود غالية” و “ارفع يديك لا تطلق النار”.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here