تأخذ الاحداث في محافظة الأنبار أبعادا إعلامية كبيرة أكثر من كونها واقعية حيث بدأت وسائل إعلام محلية وعربية بتطبيق أساليب إعلامية طائفية اثبتت فشلها في العراق خلال السنوات الماضية وأثبتت فشلها في سوريا واليوم تتكرر في العراق من خلال اضفاء صفة الثوار على العصابات المسلحة الإرهابية واضفاء صفة الثورة على حالة التمرد ضد سلطات الدولة العراقية والتركيز على شرائح ومناطق عراقية معينه وإبراز العمليات العسكرية فيها بكونها استهدافا لها بالرغم من ان العمليات قد اصطفت خلفها الغالبية العظمى من العراقيين، ذلك الاصطفاف الوطني الذي افشل عشرات المخططات خلال السنوات الماضية واسهم بقوة في بناء الدولة العراقية الحديثة، وهو يتكرر اليوم بقوة واندفاع اكثر ولعلها المعركة الأخيرة التي ستقود الى تطهير الأراضي العراقية من الجماعات الإرهابية والبؤر الحاضنة لها.
والغريب ان وسائل الإعلام نفسها تعيد نفس فصول المشهد الممتد بين 2004 ـ 2008 وبنفس الفذلكات والمصطلحات والزخ الإعلامي بالرغم من ان الخارطة العسكرية والأمنية قد اختلفت كثيرا، فقدرات القوات العسكرية والأمنية وقوة وهيبة الدولة العراقية اصبحت شبه متكاملة على العكس مما كانت عليه، وبالتالي فالنتيجة محسومة ولا تقبل الشك بالنصر المؤزر للدولة العراقية والقوات المسلحة التي يقف خلفها الشعب العراقي بغالبيته العظمى، فيكون السؤال: هل وسائل الإعلام تلك ومن يدعمها ويمولها تعلم هذه النتيجة؟ واذا كانت تعرف طبيعة موازين القوى بين الجماعات الإرهابية والدولة العراقية فلماذا تزج الناس في محرقة مؤكدة تحت شعار الحديث باسمهم او الدفاع عنهم في حين ان العقلانية والمنطقية تتطلب ان تقوم وسائل الإعلام تلك بتهدئة الأوضاع لكي لا تتضرر مناطق او شرائح معينة من جراء العمليات العسكرية؟. هنا لايمكن الإجابة إلا بأن وسائل الإعلام تلك لم يكن هدفها يوما ما الاخلاص للناس وإنما هدفها الأول هو العمل بتوصيات الممول وان كانت تَضر وتُسيء الى الناس بل وتقتلهم وتحرق مناطقهم.
كذلك فقد ظهر نوع جديد من الخطاب الإعلامي القائم على تفتيت الدولة العراقية وإرجاعها الى بعض المكونات الفرعية، حيث طالب بعض رجال الدين ومعهم ثلة من السياسيين وشيوخ العشائر الجنوبية بسحب أبنائهم من القوات المسلحة مثلا او عدم السماح لهم بأداء الواجب الوطني في الأنبار او غيرها، وهذه قصة عشائرية غريبة وكأن الأصل هو العشيرة وليس الدولة في
حين ان أبناء العشائر الجنوبية لم ينسحبوا يوما من الجيش العراقي وكانوا نواة القوة والبطولة فيه على مر المعارك التي خاضها العراق والتي يتشدق البعض بها، فتكون – بالنسبة لهذه الوسائل الاعلامية – مشاركة أبناء العشائر الجنوبية بطولية في معركة معينة كما هو حال الحرب الصدامية ضد إيران بينما تكون مشاركة العشائر الجنوبية غير بطولية عندما يشارك أبناء الجنوب في تطهير أرضهم من الجماعات الإرهـــــابية والعصابات المسلحة.
هنا نسيت بعض العشائر الأخرى مشاركة أبنائها في قمع الإنتفاضة الشعبانية وحرق المدن المقدسة وتقتيل الناس في الشوارع واعتبروا مثل هذا العمل صفة بطولية في مواجهة الغوغاء وصفحة الغدر والخيانة كما وصفوها تعسفا سابقا.
كذلك وجه البعض خطابه الإعلامي الى المرجعية الدينية سائلا إياها في حالة إعلامية غريبة طالبا بيان رأيها في العمليات العسكرية وكأنه يلمح الى تحميلها مسؤولية قانوية او شرعية او وطنية إن لم تتدخل لصالحه حصرا!!، في حين انه يعلم ان المرجعية بعيده عن التدخل في الشأن السياسي بصورة مباشرة وان مسؤوليتها هي رعوية وإرشادية وتوجيهية على طوال السنوات الماضية وإن حشرها بالموضوع هو محاولة لتأزيم المتأزم أكثر ، وذهب البعض الى ممارسة لعبة إعلامية سياسية مشبوهة تقوم على تقسيم القوات العراقية بين قوات عسكرية يجب قتلها لأنها قادمة من مناطق عراقية اخرى، وقوات شرطة يجب عدم المساس بها لأنها تمثل أبناء بعض المحافظات وان كانت قوات الشرطة تلك تقاتل مع الدولة ومفهوم هذه البيانات بعد إزالة المحسنات اللفظية هو دعوة لقتل العراقيين العسكريين من مكون معين والحفاظ على أرواح العراقيين من مكون آخر لأنهم من أبناء تلك المناطق ولا أدري بماذا اصف مثل هذا الميل الطائفي المريض المغطى بعناوين الإفتاء.
هناك ايضا الخطاب الإعلامي القديم الجديد والقائم على التهديد بتقسيم العراق تحت يافطة الفيدرالية والذي برز أيضا من خلال تهديدات بعض المسؤولين المحليين الذين وقفوا بالضد من الفيدرالية عندما طالب بها غيرهم، واليوم تتحول الى مطلبهم الأساسي لأنها تغطي مصالحهم الخاصة حيث اصبحت مثل هذه المطالبات صفة ملازمة لكل أزمة في البلد واصبح الكثير ممن كانوا يتلعثمون عندما يذكرونها يتحدثون اليوم عنها برحابة صدر وتسوق إعلاميا وكأنها الحل الوحيد للأزمات.
تزامن ذلك مع الأسلوب المستهلك لبعض الكتل السياسية في تعطيل عمل الدولة العراقية ومؤسساتها بالانسحابات الإعلامية فقط مع كل أزمة سياسية وفي الوقت الذي لم يؤد فيه التعطيل خلال التجارب الماضية إلى أية نتيجة تُذكر بعد أن جرب البعض ذلك مرات عدة، بل بالعكس كان مضرا بالمعطلين وجمهورهم أكثر مما هو مفيد لهم لكننا رغم ذلك نرى ذلك
يتكرر اليوم وبالطريقة نفسها وفي ظروف حساسة جدا حيث تخوض القوات المسلحة العراقية واحدة من أشرف معاركها الوطنية لتثبيت الأمن الوطني العراقي في ظل تطورات إقليمية غاية في الخطورة تحيط بالعراق من جهات عدة.
المعركة في الأنبار تحسمها الإرادة الوطنية وقواتنا المسلحة والتأييد الشعبي لها والإعلام الهادف والوطنيون من أبناء الأنبار، ومعركة مثل هذه لا يؤثر فيها تكتيك سياسي مبني على خطاب إعلامي بسيط العناصر يعتمد على تغطية طائفية او بعض التصريحات الخارجة عن الضوابط الوطنية او عدة بيانات لرجال دين يسكنون خارج العراق او بعض المواقف السياسية التي اثبتت فشلها لمرات متتالية مع بعض عشرات المسلحين الذين هزموا بمئة معركة سابقة وجاؤوا ليتذوقوا طعــم الهزيمة مرة اخرى.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here