قراءة في مشكلات خطاب الإصلاح السياسي في البحرين
الدكتور راشد الراشد

هل
هناك مشكلة في التيار المطالب بالإصلاح السياسي في البحرين؟ يؤكد الدكتور
والمحلل السياسي  راشد الراشد أحد قيادات ثورة 14 فبراير وأحد أبرز قيادات
ورموز التيار الرسالي وتيار العمل الإسلامي على وجود عدة إشكالات على منهج
الإصلاح يعرضها موقع ثورة 14 فبراير بعد مراجعتها وتنقيحها:

بسم الله الرحمن الرحيم

يمثل
خطاب الإصلاح الذي يتبناه البعض من قوى المعارضة السياسية في البحرين
جانبًا مهمًا من قضايا الصراع السياسي الدائر بين المطالبين بالتغيير وتلك
القوى القابعة فوق كرسي السلطة والحكم.

ويأتي هذا الخطاب الذي يطرح
مشروع إصلاح النظام من خلال الدعوة إلى ملكية دستورية، وعلى غرار
الديمقراطيات العريقة القائمة في بعض دول الغرب، في ظل زخم ثورة شعبية
تطالب بالإطاحة بنظام الحكم وإسقاطه وإقامة بديل سياسي جديد يفضي إلى وضع
حد للديكتاتورية والاستبداد وإستئثار النظام السياسي الحالي المطلق بالسلطة
والموارد، وطي صفحة طويلة من الظلم والإضطهاد والقهر السياسي، وإقامة نظام
سياسي بديل نابع من الإرادة الشعبية، ويحقق فيها الشعب من خلاله الهوية
التي قام النظام السياسي الحاكم بتدميرها، كما ويقيم القدر المعقول من
العدالة الاجتماعية التي أهدرها النظام الديكتاتوري الحاكم.

ورغم ما
يبدو في السطح من جهود جبارة يقوم بها فريق من بعض قوى المعارضة السياسية
في البحرين ممن  يتبنى مشروع “إصلاح” النظام، إلا أن هناك ثمة إشكالات جمة
تحاصر مشروع “إصلاح” النظام في البحرين، بعضها يتصل بجوهر ومضمون فكرة
إصلاح نظام قائم على إعتبار السلطة والموارد غنيمة حرب، ولم يبد أية مرونة
في كل تاريخه لتقديم أي تنازل يذكر للإرادة الشعبية، وذلك مهما قدّمت في
طريق ذلك من التضحيات والقرابين، وبعضها الآخر متصل بمجموعة من الإشكاليات
التي تحاصر فكرة إصلاح هكذا نظام من ناحية المعطيات القائمة على الأرض.

وفي البدء هناك ملاحظتان جوهريتان على فكرة إصلاح نظام آل خليفة كمنهج:

الملاحظة
الأولى: إن مشروع “إصلاح” النظام المطروح حاليًا لم يتبلور كمبادرة تأتي
في سياقها الطبيعي والعملي، وإنما جاء كردة فعل على أحداث ثورة شعبية عارمة
طالبت بإسقاط النظام ورحيله، الأمر الذي يعني أن هذا  المشروع لا يمتلك
مقومات طبيعية تضمن تحقيق أهدافه وإستمرار وجوده، وإنما يستمد وجوده بوجود
الدوافع والأسباب التي أدت إلى إنطلاقه وهو أحداث ووقائع الحراك الشعبي
المطالب بالتغيير الجذري من خلال إسقاط النظام ورحيله ومحاكمة رموزه على
جرائم إغتصاب السلطة وتدمير الهوية الوطنية وسرقة ثروات البلاد، بالإضافة
إلى الجرائم المتصلة بحقوق الإنسان.

إن مشروع إصلاح النظام السياسي
المطروح كرد فعل لأحداث الحراك الشعبي والثورة المطالبة بإسقاط النظام جاء
إنطلاقا من رؤية أصحاب هذا المشروع بعدم واقعية مشروع الثورة الشعبية في
المطالبة بإسقاط النظام، وخاصة كما يعتقد من تبنى خيار الإصلاح لجهة عدم
توافر الإمكانات لتحقيق هدف إسقاط النظام، وذلك من حيث القدرة الذاتية،
بالإضافة إلى قناعة ثانية، وهي كما يرى الإصلاحيون عدم ملاءمة الظروف
الإقليمية والدولية والرافضة لأي تغيير بهذا المستوى في المنطقة.

وهنا
يأتي بناء هذه الرؤية في سياق تناسي أو تغافل أو تجاهل مطلق بواقعيات أخرى
عديدة متصلة أيضًا بعدم قبول الإرادة الإقليمية والدولية حتى بمطالب
مبادرة “إصلاح” النظام، والتي تصل إلى الحكومة المنتخبة والتوزيع العادل
للدوائر الإنتخابية وبرلمان حقيقي يمثل الإرادة الشعبية فعلًا، وتغافل مطلق
بوقائع حجم الرفض الشعبي للنظام وقدرة الشعوب على إسقاط وتغيير الأنظمة
الشعبية.

كما ويؤسس دعاة “إصلاح” النظام أيضا رؤيتهم على ممارسات
النظام الفظة وتظاهره بالإستعداد لإرتكاب مجازر دموية واسعة من أجل السلطة
والحكم، وبذلك فإنهم يرون بأن الإقتصار على مطلب “إصلاح” النظام يحقن
الدماء ويحول دون وقوع مجازر تحصد آلاف الأرواح.

إن الدافع الأساسي
لتبنّي مشروع الإصلاح لدى الإصلاحيين يكمن في فكرة جوهرية واحدة وهي عدم
واقعية الإرادة الشعبية في مطالبتها بإسقاط النظام، إلا أن الإشكالية
المطروحة هنا على هذا التبني هو أن المشروع لم ينطلق في سياق مقومات طبيعية
متعلقة بمواجهة واقع إحتكار السلطة والإستفراد بها والاستئثار المطلق
بالموارد بالإضافة إلى عوامل الفساد السياسي والإداري والمالي في السلطة،
وإنما لمواجهة أخطار إفتراضية تتصل برؤية أصحاب مشروع “الإصلاح” من تهور
الإرادة الشعبية في مطالبتها بسقف عال من المطالب، والذي سوف يؤدي لإرتكاب
النظام مجازر تحصد الآلاف من الأرواح نتيجة تشبث النظام المفرط بالسلطة
وإستعداده للقتل العام فيما لو أصبحت الإرادة الشعبية مصدر تهديد حقيقي
لخسارة الحكم والسلطة.

أما بالنسبة لمبرر حفظ وحقن الدماء، فلن يحدث
بكلتا المطالبتين الإصلاح أو التغيير الجذري الشامل وإقامة نظام سياسي
بديل نابع بالكامل من الإرادة الشعبية على حد سواء، وهذه هي الطامة الكبرى
حيث أن السلطة تنظر حتى الآن إلى مشروع “إصلاح” النظام وبالشكل الذي تبنته
بعض القوى السياسية في البحرين على أنه مشروع إسقاط للنظام السياسي.

فالمشروع
الإصلاحي ذاته والذي طرحت سقوفه القوى التي تبنّت خيار إصلاح النظام
السياسي في ميثاق المنامة تعاطت معه السلطة على أنه مشروع إسقاط للنظام ولم
تعره أي إهتمام، وتماما كما تعاطت مع كل الحراكات الشعبية المطالبة
بالإصلاح السياسي فيما مضى من الوقت.

والواقع الذي أغض الطرف عنه
متبنوا إطروحة إصلاح النظام هو أن السلطة الحالية لن تتوانى عن إرتكاب
المجازر أيضا منعًا لأي تغيير حقيقي وجاد من شأنه أن يؤثر على الإستئثار
المطلق بالحكم والموارد، وقد حدث أن أقدموا على سفك دماء العشرات خلال
القرنين الماضيين رغم التوجه الإصلاحي لكل الانتفاضات التي مرّت في تاريخنا
السياسي المعاصر، ولا زالت دماء شهداء إنتفاضة التسعينيات لم تجف بعد، وقد
سقط العشرات في ثورة الكرامة الحالية ولا يزال سيف السلطة مسلطًا على من
يفكر في الاقتراب من السلطة حتى ولو بالمطالبة بإصلاح جزئي، فهل لا زال
الإصلاحيون متمسكين بمسار الإصلاح خوفا من إرتكاب المجازر، وهل حسن النوايا
بإظهار الرغبة في حقن الدماء كافية لإقناع النظام الديكتاتوري الحاكم
بالتنازل عن جزء من الهيمنة والسيطرة على السلطة والموارد؟!

ثم
نتسائل هل يتوقع إزاحة طاغية متشبث بالحكم والسلطة بمعارضة تحمل أطواق
الياسمين، وهل يعقل إزاحة ديكتاتور من خلال إظهار حسن النوايا؟!

الحقيقة
والتي تمثل واقعا مرًّا في الثورة الراهنة هو أن النظام الديكتاتوري
الحاكم والممسك بزمام السلطة إستفاد من متبني مشروع إصلاحه في مواجهة الزخم
الجماهيري المطالب بالإسقاط، ووفّر له كل أسباب الرعاية، ولم يطله غضب
السلطة حتى أيام تفعيل قانون الطوارىء لما يقوم به من دور مجاني في مواجهة
زخم الثورة المطالب بإسقاط النظام، وعلى هذا الأساس تعاطى النظام مع الذي
وقفوا بقوة في مواجهة مشروع الثورة الهادف إلى إسقاط النظام بقوة من خلال
طرح رديف لشعارات الثورة الأساسية وبمطالب تنادي بإصلاح وترقيع النظام
السياسي على أنه هدية السماء خاصة، وإن من تبنى فكرة إصلاح النظام إجتهد
بقوة في كبح توجّهات الزخم الشعبي المطالب بإسقاط النظام، وبدا أن مشروعهم
ليس إصلاح النظام بقدر ما هو كبح جماح ثورة الشعب، أو لا أقل تعقيلها من
حالة الفوران والتهور، وإخراجها من حالة المقامرة بتعريض أرواح الناس من
خطر الإبادة والتصفية، ويأتي ذلك في وقت من هم في السلطة بأمس الحاجة إلى
مواجهة ثورة الشعب بأية وسيلة كانت، فكيف إذا كانت من رحم الشعب ذاته؟!

الملاحظة
الثانية: إن مشروع “إصلاح” النظام – وماعليه من إشكالات، أبرزها أنه لم
يأت ضمن سياق مواجهة الفساد السياسي والمالي والإداري، وإنما جاء كردة فعل
لأحداث الثورة الشعبية المطالبة بإسقاط ورحيل النظام ومحاكمة رموزه على
الفساد والجرائم والانتهاكات- إنه لم يقرأ الأحداث في سياقها التاريخي
لنضالات وكفاح شعب البحرين، حيث تكررت محاولات الآباء والأجداد لإصلاح
النظام، لكن لم يتحقق أي شيء من ذلك طيلة أكثر من قرنين ونيف من الزمن.

فقد
مرّت على تاريخ البحرين السياسي المعاصر ومنذ غزو وإستيلاء آل خليفة على
الحكم والسلطة فيها على حركة إحتجاجات شعبية متواصلة ومستمرة، وجميعها كانت
تطالب بتطوير النظام السياسي وإصلاحه وترقيعه ليكون نظاما مدنيا لائقا
ومقبولا، وقد تمت في المقابل مجابهتها جميعا بذات العقلية وبذات المنهجية
وبذات الفكر المنطوي على إعتبار أن البحرين غنيمة حرب، وأن الإحتفاظ
بالسلطة بشكل مطلق هو قضية جوهرية لدى النظام الحاكم لا يمكن التفريط بها
أو السماح حتى بمجرد الاقتراب منها.

لم يبد النظام أية مرونة تذكر
مع جميع الهبّات الشعبية التي حدثت في كل هذه الفترة والتي تجاوزت القرنين
ونيف من الزمن، بل أبدى كل رعونة ووحشية وصلافة في مواجهة أي حركة شعبية
مطالبة بالإصلاح السياسي، بل قام بسفك دماء المئات من الناس، خاصة عندما
تشتد حركة الاحتجاجات الشعبية، وقد تصبح تهديدا حقيقيا لبقاء الحكم والسلطة
بشكل مطلق في يد النظام.

ويأتي كل ذلك في مقابل أن يتجنب التعاطي
بإيجابية ولو لمرة واحدة مع مطالب تطوير النظام السياسي وإصلاحه وترقيعه،
والذي يعني فيما يعني أن يقدّم تنازلات ولو جزئية، ولكن أن تكون جادة من
إحتكار السلطة والنظام السياسي، وبحيث تنتقل بالبلاد من الدولة الإقطاعية
القبلية إلى الدولة المدنية.

ولقد خرج شعب البحرين بالتو من تجربة
معاصرة مريرة وهي تجربة إنتفاضة التسعينيات من القرن المنصرم، والتي على
الرغم من التضحيات الجسام التي قدّمها الشعب من أجل مطالب إصلاحية وترقيعية
لنظام الحكم متمثلة في المطالبة فقط ببرلمان تشريعي ورقابي ودستور يمثِّل
الإرادة الشعبية، فإنتفاضة التسعينيات والتي عرفت بالحركة الدستورية لم
تطالب قط بإسقاط النظام وتغييره كما حدث في ثورة الكرامة الراهنة، لكن
النظام جابهه تلك المطالب بالرصاص الحي والقوة المفرطة، وكالعادة قدّم
الشعب العشرات من أبنائه شهداء ثمنًا لإصرار النظام على الاستئثار المطلق
بالحكم والسلطة.

وأخيرًا وبعد كل التضحيات الجسام والتي لم تتجاوز
في أهدافها إصلاح وترقيع النظام لم تثمر هذه التجربة الأليمة كغيرها من
التجارب عن شيء يذكر، ولم يقدّم النظام الحاكم أي تنازل في سياق التنازل عن
ولو جزء يسير من السلطة والحكم للشعب.

أما الأكثر إيلاما في كل
تاريخ محاولات الشعب لإصلاح نظام آل خليفة هو ما تمخّصت عنه إنتفاضة
التسعينيات الإصلاحية من القرن المنصرم، حيث تمخّضت كل تضحيات الشعب ودماء
الشهداء الذين سقطوا من أجل إصلاح النظام عن مجرد ميثاق أقرّت عبره
المعارضة لأول مرة بشرعية حاكمية آل خليفة وتثبيت حمد ملكًا متوجًا على
البلاد والعباد، ثم إن النتيجة النهائية والمحصلة لانتفاضة التسعينيات
الإصلاحية، والتي حصل عليه الشعب من ذلك الميثاق وبعد كل العناء، لا تتعدى
التكريس السيء للإستبداد والديكتاتورية والذي قاد بدوره إلى تفجّر الأوضاع
من جديد، ولكن للمطالبة هذه المرة بإسقاط النظام وليس إصلاحه، فدماء الأمة
أغلى من أن تهدر في مجرد إصلاح وترقيع لنظام سياسي فاسد كل الفساد.

لقد
أخفق أصحاب مشروع “إصلاح” النظام في قراءة أحداث الثورة الشعبية الراهنة
على أنها إمتداد طبيعي لكل مسيرة الشعب الماضية والمطالبة بالتغيير
والإصلاح، والتي لم تثمر عن أي تغيير حقيقي، حتى لو كان بسيطا وترقيعيا،
فكيف يثق المشروع بقدرته على إصلاح نظام ظل عصيًّا على ذلك مع كل ما أبدته
القوى الوطنية والدينية سابقا، ولحد إندلاع هذه الثورة في 14 فبراير 2011
من حسن نوايا وصدق من أجل العيش المشترك وحفظ السلم الأهلي وكرامة هذا
الوطن.

أما عن الإشكاليات المتعلقة بمشروع “إصلاح” النظام فنوجزها في التالي:

الإشكالية الأولى:
الحديث عن حل مشكلة الاستبداد وليس عن حق الديمقراطية: فالخطاب الإصلاحي
إنطلق بقوة للحديث عن إصلاح العملية السياسية كمخرج مما لا زال يصر أن يطلق
عليه هذا الخطاب  بالأزمة السياسية والتي يلخصها في الاستبداد
والديكتاتورية، ولا يتحدث الخطاب الإصلاحي عن موضوع الديمقراطية كحق أصيل
للشعب، وإنه يجب إنتزاعه إنتزاعا من سلطة الأمر الواقع وليس توقعه، فخطاب
الإصلاح هنا لا يتحدث عن الديمقراطية كحق من الحقوق الثابتة غير القابلة
للتصرف، وإنما ينصرف إلى خطاب نقدي حول واقع النظام المستبد وضرورة إحداث
تغييرات ترقيعية إصلاحية فيه، بينما إنطلقت الثورة لتكريس مفاهيم تتعلق بحق
الحياة وحق الديمقراطية وحق الحرية والعدالة والمساواة وسائر الحقوق.

الإشكالية الثانية: الحديث
عن عودة الديمقراطية جزئيا وليس كليا: فخطاب إصلاح النظام قد تبرع
وبالمجان أن يطالب بجزء من الديمقراطية، بينما وهب جزؤها الأساسي للنظام
السياسي الحاكم، وقد تجاوز بحديثه المطلب الأساسي للشعب وهو إقامة نظام
ديمقراطي كامل وغير منقوص يمثل الإرادة الشعبية تمثيلا يغطي تمام العملية
السياسية وليس جزءا منها، كما أنه والحال هذه مارس حقا لا يمتلكه.

الإشكالية الثالثة:
الحديث عن ربط الديمقراطية بحق الملكية: يعتمد الخطاب الإصلاحي على
إستثناء طرف من أطراف العملية السياسية بإعطائه الحق دون غيره للبقاء على
قمة السلطة والهرم السياسي للدولة، على إن مطلب الديمقراطية كإستحقاق للأمة
لا يمكن أن يقوم مع إستثناء طرف من الأطراف بحق “الملكية” وهذا حتى لو تم
إفتراض القبول بالديمقراطية المنقوصة.

كما من الجانب الآخر لا يوجد
أي دليل على أن آل خليفة في البحرين قد يقبلون بحق ولو جزئي للشعب في
المشاركة السياسية الحقة في الحكم والسلطة، بل الشواهد الدامغة والتي تملأ
صفحات التاريخ المعاصر مليئة بما هو النقيض من ذلك، وهو إستعدادهم التام
لسفك دماء الناس مقابل أن يقبلوا بتقديم تنازل جاد يقدمونه للشعب من أجل
حقن الدماء، وتجنب تعريض الوطن إلى هزات إجتماعية تكلفه الكثير من أمنه
وإستقراره، فهذا لم يحدث طيلة فترة حكمهم الماضية.

وهذا ما لا نقرأ
بأنه سيحدث حتى مع ثورة الكرامة الراهنة، فالنظام الحاكم ومن خلال تجارب
طويلة ومريرة خاضها الشعب من أجل الإصلاح لا تهمه أية قيمة متعلقة بحفظ
الوطن والأمن الاجتماعي بقدر ما تتلخص كل أولوياته في عنوان عريض واحد هو
الاستئثار المطلق بالسلطة والثروة كإستحقاق تاريخي للغزو والسيطرة
والاستيلاء على الحكم سنة 1783، فالحديث عن الملكية الدستورية بمعنى جعل آل
خليفة يملكون ولا يحكمون هو بالنسبة لآل خليفة هلاك ودمار شامل، ولا يمكن
بأي حال أن يقبلوا به، وهو حديث سراب نتيجة للإرث القبلي وما تعودوا عليه
طيلة سنوات من الاستئثار الكامل بالسلطة والموارد.

الإشكالية الرابعة:
التنازل الطوعي والمسبق بقبول “الملكية”: إن خطاب الإصلاح دأب على التأكيد
إن “الإصلاح” لن يمس شرعية حكم آل خليفة في سياق الطرح الذي أكدته أيضا
وثيقة المنامة والتي أصبحت مرجعية الإصلاحيين في البحرين وهو تأكيد
“المملكة” الدستورية، وهذا يعد تقدمة مجانية لنظام إنتهج الديكتاتورية
والاستبداد بشكل فاحش وسافر، ولنظام قائم ومبني على تغييب الإرادة الشعبية
وإزاحتها بالكامل من الزمان والمكان.

إن خطاب الإصلاح يعد بتقديم
جوائز ترضية للنظام بشكل مستمر من خلال التأكيد المفرط على سلمية الحراك
الشعبي رغم عدم قيادة تيار الإصلاح لهذا الحراك أصلا، والتأكيد من جهة
ثانية وبشكل مفرط على بقاء شرعية نظام آل خليفة مع يقين أصحاب الخطاب
أنفسهم، وعلمنا جميعا بأنهم لا يمتلكون الحق ولا القدرة على مصادرة حق
الشعب في تقرير مصيره، ومنحها للنظام الحاكم من غير تفويض من الإرادة
الشعبية تفويضا تتاح فيه الفرصة الحقيقية لذلك.

وما يمكن الجزم به
هنا في هذه العجالة هو أن تثبيت شرعية نظام حكم آل خليفة من خلال مشروع
إصلاح النظام والمطروح في وثيقة المنامة يضر بمصالح الشعب ويذهب بكل
التضحيات أدراح الرياح، خاصة وأن الاستحقاقات الوطنية لن تتحقق أيا منها
بمجرد قيام شكلي لديمقراطية منقوصة ومحدودة، كما لا يمكن تحقيق قدر من
الديمقراطية وحتى المنقوصة منها بإبداء هذا القدر من حسن النوايا مع نظام
يبطش ويفتك بكل قسوة ضد أي مُطالب بالتغيير أو المشاركة السياسة الحقة.

الإشكالية الخامسة:
تجاوز الإرادة الشعبية والتعالي عليها: فالخطاب الإصلاحي المطروح بوثيقة
المنامة تجاوز الإرادة الشعبية التي أجمعت في دوار الكرامة على مشروع إسقاط
النظام والحل الجذري للعملية السياسية، وبالتالي فإن خطاب “إصلاح” النظام
لم يترجم إتجاهات الشعب، وهو خطاب حزب أو فئة أو جماعة أو فريق محدد فقط،
ولم يكن بحال المعبر عن الإرادة الشعبية وحقيقة ما جرى منذ 14 فبراير 2011
والتي من المفترض أنها مصدر الشرعية الوحيد والمعبر عنها، وكما أكدت بذلك
وثيقة المنامة ذاتها، بينما يتجاوز فريق الإصلاح من الناحية العملية هذه
الشرعية، ويتجاوز بذلك أيضا الجموع الهائلة التي شاركت في الثورة مطالبة
بإسقاط ورحيل نظام آل خليفة وإستعادة الشعب دوره الأساسي كمصدر للسلطة
ليكون فريقا ما بديلا للإجماع الشعبي والوطني.

الإشكالية السادسة: تجاهل
جرائم النظام المتصلة بالسيادة والدستور وإنتهاك الدماء والحرمات
والمقدسات: فخطاب الإصلاح يتحاشى توجيه اللائمة على سوء النظام السياسي
برمته مركزا الحديث عن السلطة التنفيذية، وتوجيه النقد بدرجة محورية على
نقد الجوانب الإجرائية لدى النظام، وليس تحميله المسؤولية بشكل كامل عن كل
الخروقات والانتهاكات، وعن مصادرة حق الشعب في تقرير مصيره وعدم شرعيته
وإغتصابه للسلطة بفرض الأمر الواقع وإستخدام القوة في ذلك.

كما لا
يتعرض الخطاب الإصلاحي أيضا إلى تجاوزات رمز النظام ورأسه والمسؤول الأول،
ولا يحمله مسؤولية الدماء والأعراض والحرمات والمقدسات التي أنتهكت لأول
مرة في تأريخ البلاد، ولا عن مسؤوليته المباشرة عن ما آلت إليه الأوضاع في
البلاد رغم ما يفترضه دوره المباشر حول كل ذلك، كما يتحاشى الخطاب الإصلاحي
الحديث عن دور رمز النظام في تدمير الهوية الوطنية وتخريب النسيج
الاجتماعي وكل معاناة الشعب وحرمانه من الحقوق والهوية والوطن.

الإشكالية السابعة:

التفرد وتجاهل القوى الوطنية الأخرى وممارسة دور الوصاية على الشعب
وتطلعاته: لقد تفرّد خطاب الإصلاح بروح متعالية ولم يقم وزنا لقامات دينية
ووطنية تبنّت خيار الثورة الشعبية لإسقاط النظام، ولم يحترم الإرادة
الشعبية التي خرجت للمطالبة بإسقاط النظام وتغييره، بل إنبرى لمواجهة
الحراك الشعبي المطالب بالإسقاط بكل طاقته وإمكاناته، وتم توظيف كل شيء
تطاله يده، ومنها القيام بالبرامج الرديفة التي تستهدف إضعاف الحراك الشعبي
المطالب بالإسقاط، والعمل على تشويه حقيقة المطالب الشعبية من خلال تحريف
وتزوير المطالبات برحيل وإسقاط النظام إلى حركة شعبية مطالبة بالإصلاح
السياسي والملكية الدستورية، ووصلت حالة الشعور بالوصاية على مطالب الشعب
وتطلعاته إلى تبني خطاب يطرح على أنه خطاب الشعب، وأنه الممثل الشرعي
الوحيد له من خلال إنتاج مفردات متصلة بالمعارضة الأكبر والأقوى، بينما قاد
الاستهتار بالإرادة الشعبية أحد قادة فكرة إصلاح النظام إلى حد الجرأة
بإعلان التنسيق مع السلطة وأجهزة القمع للنظام من أجل محاصرة ثورة إسقاط
النظام إعلانه عن الاستعداد لتسليم الثوار للسلطة في حال معرفته بهم، ووصلت
حالة الوصايا على الحراك الشعبي إلى حد إتهام الكثير من شباب الثورة
بالعمالة.

تلك كانت مجموعة من الإشكاليات التي يمكن ملاحظتها بوضوح
في خطاب “إصلاح” النظام، وتساؤلات عدة يمكن إثارتها حول تجربة إنشقاق فريق
“إصلاح” النظام عن التوجه الشعبي العام ومحاولته المستميتة لتصوير حركة
الشعب بأنها لم تخرج إلا لإصلاح النظام، بينما يرزح عدد من القيادات
الدينية والوطنية في غياهب سجون النظام لتبنّيهم خيار التغيير الجذري
للنظام ودعمهم ووقوفهم مع الإرادة الشعبية، وعلى الضفة الأخرى بحّت حناجر
جماهير الناس من الهتافات المطالبة بإسقاط النظام وحق تقرير المصير، وقدّمت
في سبيل ذلك كوكبة من الشهداء والتضحيات الجسام ولا زالت..

إننا
حينما نثير هذه الإشكاليات على خطاب “إصلاح” النظام، لا نثيرها لمطالبة
فريق الإصلاح بتغيير مساره وخياره من هدف إصلاح النظام إلى جهة الإسقاط،
فهذا ما لا نملك القدرة عليه وما لا نرى إمكانية حدوثه لا أقل لحفظ الكرامة
الذاتية وماء الوجه، ولكننا نتحدث عن إمكانية ضخمة لبناء خطاب يتعلق بدولة
المواطنة الواحدة والديمقراطية الكاملة، فالنظام ينتفض ويثور إلى حد سفك
الدماء والاستباحة الشاملة للإستئثار المطلق بالسلطة والموارد، فلم لا
نصارعه على كامل الديمقراطية، وبما يعيد الاعتبار ويعطي القيمة الأكبر
للعلاقة بين السلطة والشعب وقيم المواطنة والعدالة والمساواة، وتحقيق نظام
سياسي يرعى الحقوق والحريات، ويحقق تكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن دون
تمييز بين أحد بسبب الانتماء القبلي أو الطائفي أو العرقي أو الإثني أو
اللون أو الحزب والفئة والجماعة.

إن من دون الحقوق وقيم المساواة
والعدالة التي تفترضها المواطنة الحقة وإسترداد الهوية والعدالة الاجتماعية
يصعب مجرد تخّيل قيام أي شكل من أشكال النظم الديمقراطية وحتى المنقوصة
منها، مع أن أي تنازل عن الديمقراطية الكاملة هو تنازل عن جزء من الكرامة
الإنسانية، بل هو تنازل عن كل الكرامة، مع إننا نجزم بأن آل خليفة ومن خلال
التجربة الطويلة والمريرة التي خاضها شعبنا طيلة القرنين الماضين لإصلاح
نظامهم لن يقبلوا بأي مشاركة سياسية مهما كان حجمها أو نوعها لاعتبارهم
البحرين غنيمة حرب، ولطبيعتهم المتعالية على الشعب وإعتباره مجرد رعايا
وعبيد، ناهيك عن إنهم مستعدون للإستقواء بأي شيء وحتى بالصهاينة، على أن لا
تقوم ديمقراطية حتى ولو كانت على شاكلة “الملكية”.

حقًّا توجُّه
تراجيدي مؤلم وبإمتياز أن تقدّم تنازلات طوعية ومجانية بحجم ما طرحه خطاب
الإصلاح للنظام، وفي وقت تشهد الساحة غليانًا شعبيًا وتوجها عالميا نحو
قبول منطق الثورات وخطاب إقتلاع الأنظمة الديكتاتورية من جذورها، ويحدث
الحال هذا لواحدة من أكثر قضايا الثورات تراجيدية في العالم، حيث تبرّع طرف
من أطراف المعارضة لمواجهة الثورة المطالبة بالإسقاط لقناعة ذاتية تتصل
بعدم قدرة الشعب على تحقيق الديمقراطية الكاملة لنظام في غاية الوحشية
والدموية يخشى فيه الطرف الذي تبنّى خيار الإصلاح من أن يقوم النظام بمجزرة
حقيقية تحصد الآلاف من الناس، ولهذا فإن الأسباب التي دفعت الثورة
والمجاميع الثورية ومعها القوى السياسية وكذا الرموز الدينية والوطنية
والقابعة في سجون النظام لتبني مشروع الإسقاط هو القناعة التامة بإستحالة
إصلاح نظام لا زال مصرا على التعاطي مع البلاد على أنها غنيمة حرب، ولا زال
معتقدا بحقه التاريخي في إستملاك البلاد بأرضها وسمائها وعبادها وكل
ثرواتها، ولأنه مارس الاضطهاد والقهر السياسي بأبشع صوره، ولأنه مغتصب
للسلطة ولا شرعية له، ولأنه من حقوقنا الأساسية أن نعيش بكرامة وبعدل
وبدولة مدنية يعيش فيها الجميع على قدم المساواة أمام القانون والثروة، وفي
ذلك تفاصيل نتركها لمقال آخر

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here