لم يتسن لي الاطلاع على نص المقابلة التلفزيونية التي أجرتها قناة السومرية
مع النائب عن كتلة دولة القانون السيدة حنان الفتلاوي لأتمكن من معرفة
السياق الذي جاء فيه حديثها حول الفيدرالية الشيعية (الوسط والجنوب)*
من اجل أن لا نسيء فهمها ولكن يمكن القول ضمن السياق العام للتطورات التي
تشهدها الساحة العراقية في ضوء عملية الجيش العراقي ضد مجرمي القاعدة وداعش
والتي عبرت عن قرارا سياسي شجاع وصحيح من طرف رئيس الوزراء أن حديث
السيدة حنان عن فيدرالية شيعية لم يكن في وقته المناسب. لماذا؟ لأن مثل
هذه التصريحات تأتي عادة لتعبر عن حالة يأس أو فشل او اندحار بينما ما يحدث
هو عكس ذلك تماما ورأينا كيف أن من اندحر أو لنقل بلغة مخففة انكشف زيفه
أمام جماهيره هو الذي صار يدعو إلى تأسيس كيان سني كما سمعناها على لسان
أسامة اثيل النجيفي و لا فرق هنا بينه وبين أخيه اسامة…
لقد أنتجت عمليات الجيش العراقي في الأنبار اصطفافا مذهلا لم يسبق له مثيل
في الساحة العراقية الشيعية والسنية على حد سواء وكذلك في صفوف المثقفين
(وهو أمر لم يحدث من قبل) من كتاب وصحفيين وفنانين ممن كانوا يتخذون موقفا
سلبيا مطبقا من العملية السياسية ولم يروا فيها إلا ما هو خطأ انطلاقا من
موقف إيديولوجي (ليس بالضرورة يساريا) مسبق مما يسمونه الأحزاب الدينية
وقدرتها على إدارة البلد بل يمكن القول أن الحدود الفاصلة (المصطنعة
بالطبع) بين السنة والشيعة لم تضق من قبل كما ضاقت اليوم بفعل تلك العمليات
لأن المعركة لم تكن معركة شخص أو حزب بل معركة العراق كله ضد الجهل
والعصبية والقتل الأعمى وكل ما يمت بصلة بثقافة عراقية متخلفة كانت على خط
التراجع السريع بعد ثورة 14 تموز المجيدة لولا أن قوى الارتداد المتمثلة
بالبعث وحلفائه من الرجعية المحلية والإقليمية أعادتها وغذتها في مناسبتين
ألأولى بعد انقلاب تشرين 1963 وامتدادها حكم الأخوين عارف والثانية بعد
انقلاب 17 تموز 1968 وفي هذه المرة لم تنتعش ثقافة التخلف هذه وحسب بل
وأضيف لها الكثير من ترسانة واسعة تحوي أسوا ما في تجارب حكم الحزب الواحد
على
الطريقة الستالينية وفاشية فرانكو وأساليب مخابرات ألمانيا الشرقية وتقنيات
المخابرات الغربية في تعذيب الضحية وإذلالها مضافا إليها كل عقد النقص
والشعور بالضآلة والاحتقار التي كان يعاني منها صدام والمقربون منه قبل أن
يصلوا إلى السلطة.
وهذه المعركة التي يروق لي ان أصفها بأنها “حضارية” لأنها تقع بين من
يريد للعراق ان يخطوا بخطوات سريعة نحو المدنية ومن يريده أن يبقى امتدادا
لثقافة الصحراء التي مثل البعث البارحة والوهابية اليوم اصدق تعبيراتها
ليست ساحتها الأنبار فقط بل هي تدور في كل مكان رغم أن الأنبار تمثل ساحة
المواجهة العسكرية وبالتالي الخط الأول للدفاع والهجوم في آن واحد…
فعلى الساحة الشيعية هي معركة ضد جهلة التيار الصدري الذين اضروا بالعملية
السياسية بقدر ما اضر بها علاوي أو النجيفي وعشرات مثلهم ممن ادعوا
تمثيل السنة وقد كشفت المعركة حتى للبسطاء الذين لا يزالوا متأثرين بالجانب
الرمزي لقيادة الشهيد محمد صادق الصدر أن من ادعى وراثته إنما ورث
امتيازات لم تكن تأتي للشهيد حتى في أحلامه (في أحد أفلام الفيديو أحصيت
ستة عشر سيارة لاند كروزر تسير في موكب مقتدى الصدر). ويعرف الصدريون
المترددون بين التأييد المنافق (من اجل أن لا يخسروا أصواتهم الشيعية) وبين
إعطاء إشارات “طمأنة” لبعض الأطراف السنية بأن تأييدهم للعملية
العسكرية لا تعني أنهم غيروا موقفهم من المالكي (تأييد المالكي لا يعني
تأييد الولاية الثالثة) ان وضعهم على الساحة الشيعية أصبح في غاية الحرج
بما يهدهم بخسران مواقعهم في الانتخابات القادمة. وليس توقعات الصدريين في
ان العمليات العسكرية قد عززت موقع المالكي في أعين الجماهير العراقية
خاطئة غير أن ما زاد في فضيحتهم هو ضياعهم وعدم قدرتهم على رؤية الحد
الفاصل بين من يفكر في مصير الوطن ومن يفكر في عدد ألأصوات التي سيحصل
عليها في الانتخابات وبالتالي
استمرار او زوال الامتيازات…وما لم تكن ذاكرة الجماهير قصيرة فإن
الانتخابات البرلمانية القادمة ولسبب وطني صرف سوف تؤشر تضائل حجم التيار
ليصبح رقما غير ذي قيمة في الوسط الشيعي مع احتمال ان يشهد تشرذما كما حصل
للقائمة العراقية ولن يكون لأمنيات البعض في أن يصحح التيار مساره حظ
كثير في التحقق في رأيي…
وليس وضع المجلس الأعلى بأفضل حال رغم موقفهم الذي يبدو أكثر ثباتا في دعم
العملية العسكرية ففي اللحظات الحاسمة كما يحدث اليوم يدفع الخاطئون إن لم
نقل مرتكبو الخطايا ثمن كل فواتيرهم القديمة دفعة واحدة…و لا استبعد أن
يكون المجلسيون في حيرة من أمرهم حول كيفية منع تحول التأييد الجماهيري
للعلميات العسكرية إلى تأييد المالكي ولدولة القانون يترجم نفسه بمكاسب
انتخابية في الانتخابات القادمة المقررة نهاية شهر نيسان. و لا استبعد أيضا
أن يكون المصابون بفوبيا المالكي من مختلف الاتجاهات ومنها اليسارية
التقليدية التي “ضيعت المشيتين” يتمنون أن لا تنته معركة الأنبار
بانتصار واضح للجيش العراقي الذي سيعتبرونه انتصارا للمالكي وليس للوطن….
وعلى الطرف السني بات واضحا أن كل من لا ينظر إلى الوضع من منظار الربح
والخسارة الانتخابية يؤيد دون تحفظ عمليات الجيش العراقي ويتمنى أن ينتهي
الأمر بانتصار حاسم ينعكس بتغير استراتيجي في الوضع الأمني. إن تغيرا كهذا
سوف يعني أن الأمن سيبطل أن يكون عاملا في الصراع السياسي تعتمد عليه بعض
القوى كوسيلة لعرقلة التقدم او كحجة على الفشل وهذا من شأنه ان يضع معالم
شبة ثابتة للمعادلة السياسية العراقية بحيث تجد قوى التخريب والعرقلة
المحلية أن أمامها خيارين أما الزوال بسبب انكشاف لا وطنيتها أو القبول
بدون تحفظ او تردد بعملية سياسية طبيعية يكون فيها أصحاب مشاريع البناء هم
القادة بحيث تتوقف معادلة سني شيعي أن تكون هي الحاسمة في الاختيار
الجماهيري…
في الأنبار وفي سنوات 2006 وما بعدها عندما كان عود الجيش والشرطة لم يشتد
بعد وكانت الحكومة لا تزال في بداية مشوارها لعبت الصحوات (التي ينسب
الإعلام زورا تأسيسها إلى الأمريكيين) بقيادة الشهيد البطل عبد الستار أبو
ريشة دورا حاسما في القضاء على مجرمي القاعدة وقد بدا لنا وقتها أن الطريق
أصبحت سالكة أمام نمو نخبة سنية وطنية جديدة تلتقي مع الطبقة السياسية
الشيعية في بناء تجربة ديمقراطية جديدة غير أن الهجوم المعاكس الذي بدا
باغتيال عبد الستار أبو ريشة وثم تنصيب حفنة من السنة المرائين بترتيب
سعودي أمريكي على مصائر السنة دفع الأمور إلى الخلف فأنتجت انتخابات 2010
قيادة سنية منافقة ومنتفعة لا مفهوم للمصلحة الوطنية لديها تجد في
التأليب والتوتير وسطها الذي لا تحيا دونه….
وبمرور الأيام وبحكومة منشغلة في إدارة الأزمات المتتالية تارة يخلقها
“حلفاؤها” وأخرى أعداءها يتجمع مجرمو القاعدة مرة أخرى وباسم جديد في نفس
الثغر وهذه المرة بتأييد بعض القيادات السنية وانكفاء وجبن البعض منها مثل
أحمد ابو ريشة لتخاض المعركة من جديد وبجيش متمكن رغم ضعف تجهيزه
وباستعداد جديد من لدن أهل الأنبار لوضع نهاية للمأساة التي طال أمدها….
في هذه اللحظة وبالتوازي مع المعركة العسكرية تجري معركة لا تقل أهمية
عنها بين إرادة سنية وطنية اغتيبت عندما فرضوا عليها ممثلين مزيفين وبين
هؤلاء المزيفين الذين تقترب نهايتهم باقتراب نهاية المعركة العسكرية..في
هذه اللحظات حيث يرتفع سلم التفاؤل بصفحة جديدة تنفتح أمام الجميع وينتصر
العراقيون من كل الأطياف على مزيفي إرادتهم يتحدث المنتصرون والممثلون
الحقيقيون للناس عن الفيدرالية !!!
ليس غائبا على السيدة حنان مدى التفاف أهل الأنبار حول هذه العمليات وهي
التي حيتهم على مواقفهم مرات عدة وربما يغيب على الكثيرين منا مواقف أخرى
لا تقل أهمية عن مواقف العشائر في الأنبار وهو موقف من يسمون بالأغلبية
الصامتة فالأنبار ومدنها وكذلك بقية المدن ذات الغالبية السنية فيها الكثير
من التكنوقراط والمثقفين وطلبة الجامعات واصحاب المهن الحرة الذين يرون في
استقرار الوضع الأمني وسيادة سلطة القانون هو الوسط الذي تنمو فيه مواهبهم
وتعبر عن نفسها إمكاناتهم التقنية والفكرية والعلمية وتزدهر فيها أعمالهم
وتجارتهم وهؤلاء عادة ما يكونوا من النوع الذي ينسحب أمام القتلة
والمجرمين وينتظر لحظة تحرره من الخوف منهم ليعبر عن موقفه الحقيقي الذي
يتفق ومصلحته وانتمائه الثقافي والمهني. كل هؤلاء يتطلعون إلى انتصار الجيش
العراقي لتبدأ اللحظة الحقيقية لانعتاقهم….
لذلك استطيع القول أن عمليات الجيش العراقي في الأنبار، خاصة إذا ما أدت
إلى حدوث انعطافة حادة في الوضع الأمني يقلل إلى الحد ألأدنى الخروق
الأمنية في بغداد والمدن الأخرى ويحرر جماهير السنة من خوف القاعدة بعد ان
أبلاهم الخوف من سلطة البعث وصدام فإن ذلك سوف يمهد الطريق لتقارب جماهيري
شيعي سني غير مسبوق سوف يشكل ثقلا هائلا على الطبقة السياسية ويهدد بمحو
من يعتمد الخطاب الطائفي وسيلة للوصول إلى مطامحه السياسية.
إن من يعتقد –وهنا لا أقصد السيدة حنان –أن الجيش العراقي لا يخوض معركة
وطنية بل معركة جزء من السنة في مواجهة الجزء الآخر ينسى دماء الآلاف
المؤلفة من الشيعة ويحتاج لأن نذكره أن عصابات الوهابية كانت تقوم بغارات
منتظمة على المراقد المقدسة في النجف وكربلاء قبل خضوع العراق للاحتلال
البريطاني واستمرت بعده عندما كان البريطانيون يريدون إرسال رسائل معينة
للقادة السياسيين الشيعة المناوئين لهم. حدث ذلك في زمن لم يكن فيه ممثلو
الشيعة هم من يحكم العراق وليس هناك من يضمن لهم أن الفيدرالية الشيعية
سوف توقف عداء الوهابية لهم فهذه إيران بعيدة عنهم ولم تهددهم يوما وهذا
حزب الله الذي لم يجعل سوى من إسرائيل عدوة له فهل سلموا من حقد الوهابية؟
لهذا كله وما فاتني أجد الكلام عن الفيدرالية الشيعية في هذه اللحظة في غير
محله وقد يكون الكلام عنها مجد إذا ما –لا سامح الله- فشل الجيش العراقي
في فرض سيطرته وخرجت الحكومة من المواجهة وقد خسرت أكثر مما كسبت وهذا ما
يعمل أعداء المالكي على تحقيقه إدراكا منهم أن فشله يعني نهايته
السياسية….
ويرد في كلام السيدة حنان عبارات تستوقف المرء وتثير لديه تساؤلات: ممن
تطلب السيدة حنان “ضمانات” وعلى أي شئ؟هل تقصد ان يتقدم السياسيون الذين
يمثلون السنة حاليا وبالاتفاق مع السعودية بضمانات أن الشيعة لو قرروا
تكوين كيان (إقليم) خاص بهم سوف يضمن أمنهم المستقبلي؟ وهل يمكن الوثوق
بضمانات من مثل هؤلاء؟
أما الحديث عن بقاء الشيعة “كبقرة” حلوب ففيه إشارة واضحة إلى موضوع
النفط ويقصد به أن الإقليم الشيعي إذا ما قام فسوف يحتفظ بوارداته ا لنفطية
لنفسه وهذا يعني من الناحية المنطقية (لا الدستورية) أن مطالب القيادة
الكردية بالاحتفاظ بواردات نفط الإقليم حق مشروع وان كل معارك الشهرستاني
معهم والتي اعتبرناها معركة وطنية إنما كانت هواء في شبك….
أما الحديث عن نفاذ صبر الشيعة لما يرونه من قتل بحقهم فهو إقرار بالفشل
السياسي والأمني وبالقدرة على قيادة العراق وإبقاءه موحدا وبكلمة واحدة
اندحار التجربة السياسية للعراق الجديد وانتصار للهجمة الهمجية الوهابية.
أقول ذلك متمنيا أن لا يكون الأمر أكثر من نجاح محطة خبيثة في اللعب على
مشاعر المرارة لدى امرأة عاقلة ومحبوبة خانتها حصافتها في لحظة حرج…
رغم ذلك ستظل السيدة حنان شمعة في ليل السياسة العراقية المدلهم….

*http://www.alsumaria.tv/news/89851

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here