كنوز ميديا – متابعة

ليس من قناع يطول لبسه، هذه هي القاعدة العامة التي نساها رجل، لا يحرص على لون واحد للحيته وشاربه، ولم يستطع ذات يوم من الامساك بأطراف مواقفه السياسية المائلة مع اتجاهات الرياح السياسية، فما زالت اظافره تنشب في نسيج عباءة هذا الطرف أو ذاك، بحسب حجم الغنيمة، والمنفعة، فما زال يتلبس الخداع في اشتداد الازمات كوصولية عمرو بن العاص في واقعة مشهورة، تكشف لجوئه الى الوضيع من الوسائل للوصول الى الأهداف، حيث الغاية تبرر الوسيلة.

انه “حسن السنيد”، في البطاقة السياسية، أو “جواد جميل” في نادي الذين يقرضون شعراً هجره الى التجارة في السياسة والمركز السياسي اللامع في لجنة الامن والدفاع في البرلمان، أو “ابو عمار المهندس”، اللقب الجهادي العاطل عن العمل من قبل رجل نسي الثبات على المبدأ وحمل أقنعة التملّق في جيبه، يتقمصها وقت يشاء وحسب الظروف، ليدير بها ازمة، او يشعل فتيل فتنة، وهو يتخفّى خلف ألف وجْه ووجْه.

على انّ مقرباً من السنيد، يقول انّ القناع المفضل لدي هذا “الحرباوي”، هو قناع الاحتيال و إكسسواراته من صباغة وجوه، و “تبويس” لحى، وتملق على أبواب الأقوياء، وإدارة الظهْر للضعفاء، حتى لو كانوا من رفاق الدرب الطويل.

ولعل ذلك سبباً قوياً في نعته من رفاق الدرب الطويل بأنه “بنكيو” من طراز استثنائي وخطير، لكنه وضيع، فكلما أوغل في الكذب، تمادى في حشْر أنفه في الازمات، وقصرت رجله عن الثبات على المبدأ والموقف النزيه.

ولعله حديث يقودنا الى التمعّن في صفات متسابقين على المناصب، يصوّرون للناس أنفسهم بانه “فلْتة” زمانهم، وانّ الكرسي هو الذي يسْتَعْجَلَ وراءهم، وليس العكس، ولا مفر من تصنيف السنيد على انه واحد منهم.

وفي أمواج متلاطمة في بحر السياسة العراقي، بات كل حدث على غير إِتِّفَاق، لا ينفع معه الحدس، ولا يفيد التخمين، مَنْ يتَسَلَّقَ على أكتاف مَنْ، ومن أَنَاخَ الى الحضيض بعد رفعةٍ وعلو، ومن سيتَرَسَّخَ ويقاوم أمام المؤامرات والفضائح وحروب التسقيط، ومن ستكشفُ الأيام زيفه، وبطولاته المُخَاتِلة.

وفي سياق هذا التشابَكَ والجدل، ينكَشَفَ حسن السنيد، سياسياً، “طحْلبياً”، يستطيع الغَزَارَة والنَمَاء في الجحور “الحزبية” والبراكين السياسية، لقدرته على “التكيّف” مع أقسى الظروف، ما يتعلّق منها بـ”درجة حرارة” علاقاته مع رفاق الحزب، و”ضغوط” المصالح مع الآخرين.

وليس هذا التَشْبِيب، سوى كلمات جرت على لسان معارض “اسلاموي” قديم، خَبَرَ السنيد ورفاقه من أيام “الجهاد السري” في ايران.

ومن دون ألقاء الكلامَ على عواهنه، كاد السنيد ان يضحى ورقة “يابسة”، صُلْبة، تذروها الرياح على الرصيف السياسي، حيث يستقر بها المقام في حفرة، لكن مقعداً نيابياً مُنح له كبديل لنائب رئيس الجمهورية نوري المالكي، حال دون طمره مع النباتات الميّتة.

ويقول مصدر قريب من النخب السياسية، انّ الرجل لم يحصل على هذا الاستحقاق الا بـ”المداهنة” و”الوصولية”، لا بأصوات ابناء المدينة التي انحدر منها وهي الناصرية، التي لفظته في الانتخابات، وعدّته ولداً عاقاً، عَاصٍيا، ومتنكرا لها.

فيما يتحدّث أحد أبناء المدينة لـ”المسلة” عن ان “السنيد حينما كان نائباً عن أهالي ذي قار، لم يحقّق فيها انجازاً، أو مطلباً سوى مصالحه الشخصية، وبناء الأمجاد السياسية له، على حساب الذين انتخبوه”.

لكن السنيد الذي أضحى رمزاً لمسؤولين ترفّعوا عن الناس، فأسقطهم الشعب من حساباته، يعتقد العكس، كما يقول أحد الذين خَبَروه، ذلك انّ نرجسيته الطافحة، وغروره، بانه أُوتُوقْرَاطيّ، صاحب “مؤهلات”، ومتفرّد في المواهب، تجعله يرى نفسه في المرآة بالمقلوب، في وقت لا يشير فيه تأريخه السياسي لاسيما بعد 2003 الى انه صاحب بصمة بارزة في الحياة السياسية العراقية، على حد قول المتحدث، الذي رفض الكشف عن هويته.

لكن السنيد، صاحب الشوارب المَتينة، واللحية الكثّة، كان لهيئته مدلولات سياسية، فتلكم الشوارب ليست الاّ بقايا ارهاصات “قومية” من فترة حماس الشباب، أما اللحية لم يتبقّ من رمزها “الاسلاموي” غير الشكْل، بعدما تغيّر السنيد قلباً وقالباً، في ظل حياة الرفاهية والترف منذ 2003.

بل ان “حرباوية” و تلوّن السنيد، كما أسرّ لـ”المسلة” عارفٌ به من سنين طويلة، “كانت تجعلنا نتوقع انه سيرتدي العمامة يوماً ما، وانْ يتحوّل الى يساري علماني، في يوم آخر”.

ولكي لا يختلط الحابل بالنابل، فانّ الإيجَاب في شخصية السنيد، هو في تحوّلها الى “دمية صمّاء”، لا تتحسّس الطعنات، بحكم المناعة التي اكتسبها من الصدمات السياسية والشخصية، بل ان السنيد، كما يقول سياسي لـ”المسلة” عاصر معه حقبة “النضال السري”، انه “لم يعد يعبأ لما يقال عنه، بعدما تمترس خلف تلّ من العلاقات مع النخب واصحاب القرار، متعاليا على الشعب، مقابل التواضع المذلّ امام اصحاب السطوة وسياسيي الصفوة، لكي يضمن البقاء في المنصب الذي يرتاح اليه أطول فترة ممكنة، أما اصوات الناس امام هذه الشبكة من المصالح، فلا تنفع في شيء.

وربما كان السنيد على حق في ذلك، فهو َيَعْلَمُ من أين تؤكل الكتف، لان ثعلب الغابة يعرف سبل الوصول الى الغنيمة بالحيلة، و “تبويس” لحى الوحوش، وهو ديدن الكثير من المتملّقين في الوسط السياسي.

ويعتقد هذا السياسي أيضا، انً السنيد كان على حق في أسلوبه الوصولي هذا، فقد قطف ثمار ذلك، حين صعد الى البرلمان العراقي في انتخابات 2010 بفعل قانون الانتخابات، من خلال أصوات القائمة التي رشّح من خلالها، لا من خلال الاصوات الحقيقية.

لكن مقابل الحصول على الجاه السياسي، خسر السنيد، الجماهير التي عوّلت عليه، بعدما تخندق في برجه العاجي، غير عابئ بأصوات الفقراء، ولا نقص الخدمات، ولا انتشار الفساد، في المدينة التي ترعرع فيها.

وُلد حسن حميد حسن هادي السنيد في مدينة سوق الشيوخ في الناصرية، العام 1965، وترعرع في أحضان عائلة ذات توجهّات سياسية متناقضة، خرج منها المتديّن والشيوعي والقومي، على حد سواء، وهو ما انعكس على توجهات أفراد الأسرة فيما بعد، ويشير أحد مجايليه في الناصرية ان السنيد اختار اسم “جواد جميل” للتستر على تاريخ اسرته، فقد قطع علاقته مع كل من كان على معرفة بوضعه العائلي، حتى لا يفقد ثقته بالزعماء الاسلاميين المعارضين، وقتذاك.

وتسرد مقتطفات من سيرته انه كان في خلال دراسته الثانوية ناشطاً سياسياً، يهتف بالقصائد التي تمجّد الحروب القومية.

وبعد تخرجه من الجامعة التكنولوجية، عمل مهندسا للري في مدينة سوق الشيوخ، في القطاع الخاص، وبسبب معارضته للنظام السياسي في ذلك الوقت، هرب الى الأهوار ملتحقاً بالثوار، ثم هاجر الى إيران.

وفي خلال تلك الفترة لم يُعرف عنه “مجاهداً” و”معارِضاً”، بقدر كونه “شاعرا مدّاحا” ينظم القصائد “الاسلامية” و”القومية” التي ألقاها في مناسبات في المدن التي تنقّل بينها، أو أقام فيها، مثل دمشق وبيروت ولندن والكويت.

وعلى ذِكْر سيرته يروي، صادق احمد العيسى، الذي يقول انه يعرف السنيد “شخصيا”، ان “الرجل عمد الى تزوير مواليده، فانا اعرف انه من مواليد 1954، وبحثت عن العلّة في هذا التزوير، فوجدت ان السنيد فعل ذلك لكي يؤهله سنّه الجديد للقبول في الدراسات العليا، بما يتلاءم وقوانين وزارة التعليم العالي”.

لم يشكّل السنيد استثناءً في قائمة الساسة “الفاسدين”، كما يقول متابع للشأن العراقي لـ”المسلة”، فقد وضعته الاخبار على رأسها، ليتُّهم بالتحايل المالي في العشرات من قضايا “السرقات” اثناء ترأسه لجنة الامن والدفاع في البرلمان.

يقول المتابع “قلّبوا صفات الانترنت ستجدون انّ صحفاً خليجية اكدت شراء السنيد (فيلا) في الامارات بسبعة ملايين دولار، بعدما فتح له حسابات بنكية أودع فيها ملايين الدولارات”. ووسط هذه الانباء، بحثت “المسلة” عن الدليل دون جدوى.

لكن في الجانب الاخر، فان القاعدة تقول انّ “لا دخان بلا نار”، فقد اتّهمت نائبة، السنيد، حينما كان رئيسا للجنة الامن والدفاع النيابية باستلام رشوة من الجانب الكويتي قيمتها خمسمائة مليون دولار، وان أسرة السنيد شوهدت في حفلة عائلية، محمّلة بالألماس والدروع الذهبية، وحين سُألِ  عن مصدرها، كان الجواب”هدايا من زوجات شيوخ الكويت”، على حد قول النائبة.

وفي صدد لجنة الامن والدفاع التي ترأسها، توقّع كثيرون ان وجود السنيد على رأس لجنة برلمانية مهمة، سيسهّل على رئيس الحكومة تشريعات برلمانية متعثرة، لكن ما حدث هو العكس بعدما اقتصر عمل اللجنة على الترشيحات للمناصب القيادية في الوزارات الامنية وسط أجواء من شبهات فساد، ما يجعل من السنيد احد اسباب الإخفاقات الأمنية في تلك الحقبة.

وفي 2014، أفاد مصدر مقرب من أحد شيوخ عشائر بني تميم في بغداد، ان وليمة عشاء اقامها النائب المرشح في ائتلاف “دولة القانون”، حسن السنيد، على شرف رؤساء وشيوخ العشائر، في المنطقة الخضراء، كلّفت نحو خمسين مليون دينار.

كما تسرّبت معلومات، تابعتها “المسلة” على المواقع الرقمية، عن ان صفقة السلاح الروسي التي شابها الفساد كان للسنيد دور فيها، لكن تعتيما جرى على اسمه.

وتتناقل مواقع التواصل الاجتماعي، فيلماً للسنيد بدا فيه كحاطب ليْلٍ، وهو يهْرِفَ بما لا يعْرِف في اجتماع يضم قادة عسكريين، قائلا ان “الارهاب عجز عن الوصول الى الاماكن الحساسة” ما اضحى نكتة يتداولها العراقيون بسبب الاوضاع الامنية المضطربة التي تتنافى مع تصريح السنيد.

ولعل هذا جعل من الرجل الذي يحرص على ربطة عنق، تضيق على رقبته، يتعرّض لسهام نائب من كتلة “التحالف الوطني”، قال ان “السنيد يخصّص وقتا لتهذيب محاسنه وصبغ شواربه، أكثر من الوقت الذي يخصّصه لمتابعة قضايا القوات المسلحة”.

وفي اكتوبر 2013، أحدث السنيد اختراقاً في رتابة التصريحات، في خبط عشواء، حين قال ان “ان العراق الدولة الاكثر استقراراً بالمنطقة”، ليصبح مرة اخرى موضوعا ساخنا للدعابة السياسية”.

وبرز السنيد الحرباء ومواقفه “الالتوائية” اثناء الازمات الحزبية، خصوصا، ففي خلال أزمة التداولات العسيرة للسلطة، اخفى السنيد انفه عن التدخل، لحين انبلاج الخيط الابيض من الخيط الاسود حفاظا على مصالحه، وفي حين ثبت الرئيس المالكي على استحقاقه الانتخابي رافضا التنازل عن رئاسة الحكومة، كان السنيد من أوائل الذين تسربوا عن مؤازرة رئيس الحكومة، و خلعوا ولائهم فجأة، خوفا على المستقبل السياسي، غير ان السنيد التحق بركب المالكي فيما بعد، حين كشفت له حساباته الماكرة ان موقفه المنحاز للولاية الثالثة لن يجعل منه خاسرا، فاذا كسب المالكي الجولة فسوف يتفرد بالمكاسب، واذا خسر الجولة سوف يحصل على مقعده النيابي بديلا للمالكي الذي لن يخرج من المعركة بلا موقع سيادي حسب استشراف السنيد لمبادئ لعبة تقاسم السلطة.

وبعيدا عن السياسة، لكن ليس كثيراً، يشير ناقد ادبي متابع لتأريخ الشعر العراقي، الى ان قصائد السنيد، تفصح عن قدرة على النظم الكلاسيكي، وهو ما جعل السنيد يفتتن بقدراته على قرض الشعر فيصف نفسه في مقطع فيديو بـ”نبي الشعراء”.

لكنه شعرٌ، غرضه، سياسي بحث، او مدائحي، في الكثير مما قرأه للسنيد. ويقول ايضا “السنيد الشاعر، افضل منه السياسي، في القدرة على التعبير، لكنه في الحالين، متقلّب، سياسياً، وعقائدياً، بين الافكار القومية، والتوجهات الاسلاموية، والأغراض المصالحية، وهي تُحسَب -على اقل تقدير- بانها انتهازية مُفرطة، تتطابق الى حد كبير مع موهبة السنيد الخارقة في استغلال الآخرين والتخلي عنهم في اللحظة المناسبة.

وانسجاماً مع هذا التحليل تنقل “المسلة” رأي داعية قديم على معرفة بالسنيد منذ ايام إيران، اذ يقول ان “السنيد الذي صعد على اكتاف حزب الدعوة باعتباره، شاعر المعارضة الاسلامية، تخلّى عن الدعوة عندما ساءت علاقة الحزب مع النظام الايراني ايام حرب العراق، حين رفض الحزب، انخراط قواته في الحرب العراقية الايرانية في ثمانينيات القرن الماضي”.

ان الخلاصة في سيرة السنيد، تحوله الى تاجر “متكسب” في المبادئ، بعدما وضعها في سوق السياسة، يبيع ويشتري في المواقف، فيما يمعن في ان يكون “اللا منتمي” الى أهله وناسه، ويبرز الفوقية، والتعالي على الجذور، ويجهد في نسج العلاقات العاجية مع الرؤساء وكبار القوم.

مثل هذا الرجل، لن يستطيع ترك بصمة في الحياة السياسية عبر منجز او منفعة، مثلما ضاعت اغلب قصائده في غياهب التجاهل لها من قبل الناس، وفي كلا الحالين يحتاج الرجل الى المصداقية مع نفسه اولا، ومع مدينته، ومع العراقيين، لكي يظل عزيزاً كريماً حين تزول المناصب والكراسي، التي هي “زائلة” كسحابة صيف، مهما تشبّث السنيد، وغيره بها.

ومن دون ألقاء الكلامَ على عواهنه، بات السنيد ورقة “يابسة”، صُلْبة، تذروها الرياح على الرصيف السياسي، حيث يستقر بها المقام في حفرة، لكن مقعداً نيابياً مُنح له كبديل لنائب رئيس الجمهورية نوري المالكي، أجّل طمره مع النباتات الميّتة الى بعد حين.

المسلة

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here