عبد الزهرة زكي /

 

 كنت في أربيل الأسبوع الماضي حين بقيت أتابع ليومين أخبار ثلاثة شبان هم أصدقاء لي في الفيس بوك.

  • (إسلام ميري) شاب عمل في الإعلام قبل أن يكون متطوعاً في القتال ضد “داعش”. كان كثير الحرص على طمأنة أصدقائه خلال فترة وجوده في المعارك، متفائل ومشرق كما لو أنه في نزهة نادرة.. إسلام جاء مجازاً فطمأن قلقاً في داخلي عليه وأنا أتابع ما يكتب من هناك، من الحرب ضد الوحوش.

  • (حيدر شكور) مراسل قناة العراقية وبطلها في الميادين الساخنة. شجاعته ذكرتني بعشرات المراسلين الحربيين في الثمانينيات، ممن كانوا يبعثون بتقاريرهم من المعسكرات الخلفية أو كانوا يكتبونها بفعل الخبرة الأدبية في القطار الصاعد من البصرة وعلى أنها مشاهدات من الأرض الحرام.

تألمت كثيراً الأسبوع الماضي لجرح حيدر، إنه جرح سيظل وسام فخر لحيدر ويتشرف به الصحفيون العراقيون.

قبل الفيس بوك أعرف حيدر شكور فقد بدأ حياته المهنية مع ولدي حيدر زكي. التقيته أكثر من مرة فبقيت صورته في ذهني كمثال لحسن التربية والتهذيب ورفعة الأخلاق.

  • (علي رشم)، هو أيضا يمارس عملاً إعلامياً (مراسل قناة العهد) بالإضافة إلى كونه شاعراً. صديق في الفيس بوك. زارني مرةً مع عدد من فنانين وشعراء شباب في بيتي. ترك خبر استشهاده أثراً بالغاً في نفسي، فكتبت عنه مباشرةً، لكني في أول لحظة دخولي البيت عائداً من أربيل، صعقت حين عرفت من أم حيدر أنه ابن عائلة صديقة لنا منذ السبعينيات. أدبه وثقته بنفسه وبموهبته هما ما منعاه ربما من أن يعرّفني وليتقرّب لي بهذه الصلة العائلية. هذه من سمات الشخصية الواثقة والشجاعة التي اختارت مقاتلة الوحوش من أجل عراق نظيف فاختارته الشهادة بطلاً حياً في ضمير شعبه.هؤلاء الشبان نماذج اخترتهم بفعل مناسباتهم الثلاث. إنهم ثلاثة من بين عشرات النماذج الذين أفخر بصداقتهم عبر الفيس بوك وبمحبتهم في الحياة، وهؤلاء العشرات هم تعبير عن كثيرين مثلهم ممن يحق لنا أن نسعد بهم وأن نبقي نوافذ الأمل والرجاء مفتوحة على مستقبل سيصنعه هؤلاء الذين لا نريد أن نراهم إلا شباناً صغاراً تمنينا لهم حياةَ رفاه ومسرات فإذا بهم يكبرون في غفلة منا ويتكفلون عنا بعبء النهوض بأحمال ثقلت علينا بفعل ما راكمته فينا الحروب والدمار وحرمان السنين.

إنهم النواة الحية لجيل لا أدري كيف كبر وكيف اختطف لنفسه واحتفظ بهذه البطولة وهذه القدرة على مواجهة الصعاب والقدرة الأكبر منها على صنع الأمل والثقة والاطمئنان.

سيكون صعباً على مَن هو بعمري وبما مرت به من ظروف نحسٍ وابتلاء أن يضع هذه الجيل موضعه الحق.

جيل محظوظ بتفتّح عينيه على أفق الحرية لكنه منكود بما تفتحت عليه حياته من محن العنف والتهديد التي تهز البلد وأهله منذ سنين.لا شيء أقدر من الحرية على صنع العقول، وليس ما هو أثمن من العقل في صنع الرجال.

بفعل عملي وتخصصي في الصحافة والأدب أتعرّف يومياً على ما يدهش في هذا الجيل.. وبفعل حياتي وحياتنا معاً ها أنا أتعرف على جانب حيٍّ في تشكّل هذا الجيل.

إنه جيل من أبناء يفاجؤوننا ببطولاتهم وشجاعتهم.

البطولة والشجاعة بالنسبة إليهم ليست مجالاً للإدعاء والاستعراض، وإنما هما فعل حياة وممارسة واعتياد عليهما، على البطولة والشجاعة.لا تخافوا على بلد يحيا بنوه أحراراً ويموتون أبطالاً.

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here