كنوز ميديا
كان غاليري حوار في نيسان 2003 مكاناً للمشاعر والأحلام بينما كان (الفعل) يجري هناك، في طرف آخر من الرصافة، بعيد نسبياً، هناك في فندق ميريديان، المكان الذي شهد آخر مؤتمر صحفي للوزير الصحاف، ثم أضحى مكاناً للباحثين عن أي شيء في المشهد الذي كان يجري تصنيعه لنا، لبغداد، للعراق.

المرة الوحيدة التي ذهبت فيها إلى الفندق في تلك الظروف كانت بقصد الحصول على هاتف (ثريا) لدى أيٍّ من المراسلين الصحفيين الذين كانوا يتجمهرون كل يوم هناك مع سياسيين جدد وفدوا إلى العراق بعد 9 نيسان ومعارضين من داخل البلد وجدوا أخيراً حرية الكشف عن هوياتهم المعارضة أو ادعاءها وموظفين بسطاء جاؤوا يبحثون عن حلٍّ لمشاكلهم مع دوائرهم التي تفككت، خصوصاً بعدما أعلن شخص نفسه في ذلك الفندق على أنه حاكم بغداد، (هل كان اسمه محمد الزبيدي؟)، وبدأ باصدار (قرارات) من خلال مؤتمرات صحفية ومقابلات تلفزيونية، ولا تعدم أن تصادف هناك بعضاً من مسؤولي الحكومة المنهارة (في الأقل شاهدت عن بعد في مرّتي الوحيدة في الفندق وكيلَ وزير معروفاً) ليشكل وجودهم الغريب في مثل تلك الظروف علامةً على فانتازيا ما كان يجري في هذا الفندق.

كان من أغرب ما صادفت في الفندق شيخ هرم يكاد يكون أعمى ويقوده صبي ذاهل.. كان الشيخ يتعثر مصطدماً بين حين وآخر بأكتاف كثيرين منشغلين عنه بأهداف لا تقوى العيون على اخفاء بريقها الذي يشي برغبات مبهمة من أجل الإمساك بفرصة ما في هذا الفندق الذي بدا كما لو أنه يوزع الفرص بالمجان ولمن يسبق سواه، كان الرجل منصرفاً تماماً عمّا حواليه وعن تعثراته وهو يبحث عن القادمين من خارج البلد، من أية دولة، غير مهم ذلك، ليسألهم عن ابن له اختفى عام 1980، وكان واحداً من احتمالات نجاة الابن، بل ربما الاحتمال الوحيد للنجاة، هو أن يكون قد نجح في الهروب، كان يسأل كلَّ من يصادفه من العراقيين القادمين عما إذا كان يعرف ولده، وبالتأكيد لم يحظ الرجل القريب من العمى بقميص يوسف الذي كان قد حظي به النبي يعقوب فاستعاد معه بصره وولده.

تيسّر الهاتف لدى مراسل عراقي لراديو سوا حال وصولي، وكان من المفارقات المؤسفة أن ذلك اليوم الذي التقيت به هذا الزميل كان يومه الأخير من العمل مع الراديو الذي غطى له الأحداث قبل وأثناء الحرب، فمرحلة ما بعد الحرب، بالنسبة لراديو أمريكي، كانت في ما يبدو تتطلب تغيير كل شيء.. حين اتصالي عبر هاتف المراسل قبل إقالته بساعة بقريبٍ في أوربا لطمأنته على الأوضاع لم أجد ما أقوله سوى: نأمل أن تكون الحال أفضل. كنت ضجراً هناك، فرصة لقاء صديقات وأصدقاء، كانت من بينهم الصديقة الشاعرة أمل الجبوري، تبددت سريعاً في ذلك الزحام الذي لا أشدّ منه سوى ما رافقه من صخب آراء وتعليقات ومعلومات حقيقية وأخرى ملفقة كانت تنطّ من هنا وهناك بمناسبة ومن دونها. كانت أمل تريد أن تسألني وكنت أنا أيضاً أريد أن اسألها، لقد جمعتنا أيام عمل مشترك في جريدة الجمهورية قبل أن نفترق مع بقائي في بغداد وسفرها هي إلى عمان فاليمن فأوربا. لم أسمعها ولم تسمعني، لقد ضاعت اسئلتنا في ذلك الضجيج.

تراجيديا مشهد الرجل العجوز دفعت بي لأن أترك المكان وأغادره، مأساة ذلك الرجل ووجوده في الفندق عادا بي إلى حرب 1991. فما إن انتهت الحرب وعاد من رمادها جنود وضباط اختلطت على ملامحهم مشاعر الإنكسار والخيبة بسعادة الإحساس بالسلام والعودة إلى بيوتهم، وهي سعادة كان الجميع يريد اخفاءها، حتى كنت يومياً عند باب (كراج النهضة) منتظراً أولئك العائدين من الكويت عن طريق البصرة لأسأل ما إذا كان أحدهم من فوج لمقاومة الطائرات كان أخي عبدالجبار، الجندي الاحتياط، قد نقل إليها ولم يعد منها منذ التحاقه بالخدمة قبل أكثر من شهرين، لم أصادف حينها أحداً من جنود ذلك الفوج ولا ممن يعرفون شيئاً عن القوج نفسه، لقد كان الفوج بجنوده وقيادته، في ما تبين بعد ذلك، جميعاً أسرى القوات الأمريكية.

عند مغادرتي الفندق، صادفني عند بابه صديق ليخبرني أن السيد سعد البزاز رئيس تحرير جريدة الزمان سأل أكثر من زميل عني من أجل فتح مكتب للجريدة في بغداد وتسلُّمه، كنت فعلاً راغباً في لقاء سعد ولكن لم تكن حينها لي أية رغبة في أي عمل، فتفاديت اللقاء به لتفادي إحراج العرض والاعتذار عنه في أول لقاء مع سعد البزاز الذي لم ألتق به حتى اللحظة.

في ما أظن فإن البزاز تعرّف عليَّ من خلال الصديق الشاعر وسام هاشم عام 1991، كان سعد حينها رئيساً لتحرير الجمهورية، وكان وسام قد أنيطت به مهمة تحرير صفحة ثقافية أراد لها رئيس التحرير، كما نقل لي ذلك وسام، أن تكون صفحة ثقافية رديفة للصفحة الثقافية الأساسية للجريدة، ولكن بشيء من الطليعية و (المشاكسة) الممكنة، طلب مني وسام قصيدة، فزودته بها، ونشرت، وصرفت لي مكافأة كانت أكثر مما هو معتاد في تلك السنوات، وفي إثرها نقل لي وسام أن سعد البزاز كان متحمّساً للقصيدة، حيث طلب من وسام مواصلة استكتابي للصفحة، لكن الكسل واليأس والشعور باللا جدوى في تلك الأيام كان له أثره الحاسم في عدم التواصل، كنت موقناً أن وسام سيغادر البلد حتماً، لكن تكرس انطباع آخر في داخلي أن سعد البزاز سيغادر البلد يوماً ما.

كانت بعض الصحف قد صدرت في بغداد بعد دخول جريدة الزمان إليها في الأيام الأولى، حيث وصلت إلى بغداد وانتظم وصولها في العاصمة بعد أيام من دخولها البصرة وتوزيعها المجاني هناك، ولعل صحيفة (الساعة) التي أسسها الشيخ أحمد الكبيسي وأدارها الزميل محمد الشمري هي الصحيفة الأولى في الصدور في بغداد ما بعد 2003، كانت صحيفة واعدة، لكن الشيخ الأكثر اعتدالاً وتوفيقاً بين المذاهب سرعان ما أغلقها وربما سافر إلى خارج البلاد.

عروض عمل كثيرة أتيحت في أثناء الوجود اليومي في (حوار).. فكرت وسهيل سامي نادر وقاسم محمد عباس بالعمل على تأسيس جريدة، كان الدافع هو رغبة بعمل شيء ما في ظرف عاصف، كان التفكير يمضي إلى أن العمل بمشروع خاص يضمن قدراً من الحرية والاستقلال لن يتاح ربما في سواه. حرية المرء واستقلاله ربما يكونان الحصيلة الوحيدة التي لا ينبغي التفريط بها وسط طوفان الفوضى الذي نراه يتسع كلما تقدمنا يوماً.. الغريب أننا لم نفكر بالمال اللازم لمشروع الصحيفة، كانت الرغبة بعمل شيء يناسبنا ويتناسب مع ما يمكن أن نفعله أكبر من الانشغال بفقرنا نحن الثلاثة، لكن ذهابنا من أجل الشروع بتنفيذ الفكرة إلى مكتب طباعي لاحد الأصدقاء ومصادفتنا هناك لعشرات من الطامحين بمثل هذا المشروع سخّف الفكرة والغاها للأبد.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here