لم يكن قرار المحكمة الاتحادية في نقضها لقانون تحديد الفترات الرئاسية الذي صوت عليه مجلس النواب غريبا ولا مفاجئا لكل حصيف خبر هذه المحكمة وانقيادها المطلق لرغبات رئيس الوزراء نوري المالكي, وخبر سلوكيات رئيس المحكمة الاتحادية مدحت المحمود وقابليته على قولبة المواد الدستورية لتتواءم تماما مع النطق الذي أدلى به المالكي حتى قبل ان يقدم طعنه, من ان المحكمة الإتحادية لن تمرر قانون تحديد ولاية الرئاسات الثلاث بدورتين، وان مجلس النواب لا يحق له إصدار التشريعات إلا بعد تقديمها من قبل الحكومة.

ففي دولة ذات نظام برلماني من المفترض أن تكون سلطتها التشريعية هي السلطة الأولى في الدولة, ومن أولى مهامها الدستورية هي تشريع القوانين, جردت المحكمة الاتحادية مجلس النواب من صلاحياته التشريعية بفعل قدرة المحمود في التلاعب بالمواد القانونية وتفسيراته الكيفية للنصوص الدستورية, ولم يعد لمجلس النواب غير اقتراح القوانين على الحكومة في مفارقة عجيبة تكمن في ان مجلس النواب هو اضعف من محاسبة الحكومة فيما لو تنصلت عن مهامها في انجاز القوانين المقترحة, وتغلب عليه صفات الانتهازية واللامبالاة والتسيب, وبهذا تحول مجلس النواب الى رهينة مزاجيات رئيس الوزراء وأهواءه, يقر ويعطل ويجمد ما يشاء من القوانين, وليس من المعقول انه يقر قانونا لا ينسجم مع اهواءه حتى وان اقترح من مجلس النواب.

قرار المحكمة الاتحادية يثبت مجددا ان استقلالية السلطة القضائية ما هي الا اكذوبة فجة لا تحمل من معناها اللغوي الا في استقلاليتها المالية والتخصيصات الهائلة التي تحظى بها هذه السلطة بعيدا عن الاجهزة الرقابية وحجم الامتيازات التي يتمتع بها رئيسها, وما هي في واقع الأمر الا دائرة صغيرة تتبع مكتب رئيس الوزراء خاضعة لاوامره, وان جل قراراتها سياسية بعيدة كل البعد عن النصوص الدستورية او البناء الديمقراطي للمؤسسات الدستورية, وتسعى الى تنمية ديكتاتورية جديدة مقنعة بمؤسسات ديمقراطية صورية, فليس غريبا ان يصدر قرارها بنقض قانون تحديد عدد الولايات الرئاسية في نفس اليوم الذي الغت فيه المادة 23 من قانون انتخابات مجالس المحافظات لسنة 2008 والخاصة بكركوك والمتضمن الغاء طلب تدقيق سجلات سكان المحافظة بعد احراق سجلات النفوس والتسجيل العقاري من قبل الاكراد ليكون ثمنا باهضا يدفعه سكان كركوك من العرب والتركمان لتحالفات المالكي لولايته الثالثة.

المالكي سعى لضمان تاييد القوى الدولية والاقليمية المؤثرة على الساحة السياسية العراقية ومنحه الضوء الاخضر لولاية ثالثة, من خلال المزيد من التنازلات بعضها ظهر سريعا الى العلن وبعضها الاخر ظل طي الكتمان, ورسمت هذه القوى خارطة تحالفاته الجديدة, فقد رمم تحالفه مع الاكراد بتنازلات لا يستطيع الوفاء بها من دون المساس بالنصوص الدستورية, وليمنحنا دليلا مضافا لكل مشكك بتسييس السلطة القضائية وتبعيتها حينما اسقط العشرات من التهم عن مشعان الجبوري مقابل التحالف معه, ومفاوضات اخرى اجريت مع المدان طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية ووزير المالية المستقيل رافع العيساوي المتهم ايضا بقضايا ارهاب لاسقاط التهم عنهما للغرض نفسه, وهنا تبرز توجسات مريبة لاستماتة المالكي للتشبث بالسلطة, فالرجل لم يقدم شيئا ليستحق ولاية ثالثة, فكل مؤشرات الفشل ارتفعت في ولايتيه مقابل انخفاض مؤشرات التطور والتنمية, وجوده في سدة الحكم يعني المزيد من الدمار والخراب تلحق بالدولة والشعب, ويبدو ان هذه الاسباب هي التي تحث دول الجوار والولايات المتحدة لابقاءه على راس السلطة, فهو افضل وسيلة فعالة لابقاء العراق مدمر محطم وبعيدا عن اخذ دوره الاقليمي والدولي الذي يستحقه.

احلام المالكي وطموحاته تحولت الى عوارض مرضية لداء الغطرسة (الهبرس) وهو اضطراب ونقص المناعة النفسي المكتسب, الذي يصيب من يتولون السلطة بانزلاق تدريجي من حالة الكاريزما، والثقة بالنفس، والطموح، إلى حالة من انعدام المناعة الذاتية ضد تضخم الذات، والتغطرس، واحتقار الآخرين, ويبدأ الشخص بالاستئثار بالرأي، والامتناع عن سماع النصح، والتصرف دونما روية أو اكتراث واتخاذ قرارات أحادية متسلطة متسرعة، وعدم الاكتراث لعواقبها, لهذا فان الانصياع لرغبات المالكي في ولاية ثالثة والتسليم بها كأمر واقع خطأ فادح تتحمله كل القوى الشعبية والسياسية, فقرار المحكمة الاتحادية لا يعني مطلقا إن الولاية الثالثة باتت قاب قوسين او أدنى من المالكي, فلا ولاية ثالثة اذا ما نبذه الناخب وعكفت بقية الكتل عن التحالف معه, وارتقى مجلس النواب بمسؤولياته التي تخلى عنها وانشغل بتوافه الأمور, والا فنحن مقبلون على كارثة أخرى مدمرة تتكالب فيها قوى الارهاب مع قوى الفساد في تحالف ابدي نما وترعرع في كنف المالكي لن يدفع ثمنها سوى الوطن والمواطن.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here