كثيراً ما نظم الشعر ونُثر في مدح السيد موسى الصدر.. وكثيراً ما تغنوا بأقواله وحُسن فعاله…
طويلاً إعتقد الناس أن معمر القذافي يحتفظ في جعبته بسر إخفاء الإمام ورفيقيه، وأن الدولة عاجزة بسبب ذاك عن فك شيفرات هذا اللغز.. وأن الوقت كفيل بتبيان الحقيقة..
خمسة وثلاثون من الأعوام الطويلة، وموت للقذافي واعتقال لنجله وأزلامه.. ألم يكن كافياً لمعرفة السر ـ اللغز، وأن تكتب للقصة نهايتها..

الصدر.. هَامَةٌ وعمامة

من جعبة حكاياه يُخرج المستشار الإعلامي السابق للسيد موسى الصدر وحركة المحرومين وخازن الكثيرٍ من أسرارهما بعضاً من سطور الحكاية التي ما آن لها أن تكتمل وما حان لها ختام؛ حكاية تعود إلى زمنٍ قد نقول عنه جميل، إذ يكفيه أن عاش فيه إمام عظيم وأسس فيه حركة للمحرومين وقلب كثيراً من الموازين.. عسى أن يُفك بعض من سر تلك العمامة ولغز تلك العباءة التي أسرت الوطن بحبها وظللته بفيئها.. وإذ اعتدنا واعتاد الناس أن تروي الألسن عن الإمام، فإن السيد محمد سعد يستذكر بعضاً من حكايا ومزايا رفاق الإمام وشركاء درب جهاده.. إلى سبعينيات القرن الماضي تعود بداية قيامة “حركة المحرومين” التي كان على رأسها الامام السيد الصدر، وعن يمينه الشيخ محمد يعقوب وعن شماله الدكتور مصطفى شمران، والسيد محمد سعد كان رابعهم.. ولكل منهم كان دور ومهام وتقع عليه واجبات ومسؤوليات.

السيد موسى الصدر

كان الإمام الصدر عالماً ومعلماً، ثورياً مجدداً، منقلباً على كل تقليدٍ بالٍ أو عادةٍ منسية، كان وحدوياً داعياً إلى كلمةٍ سواء، وإلى فهم الدين فهماً عميقاً يتجاوز حدود النص، وإلى فهم القرآن ومعرفته كمعرفة السيد به، هو الذي أصر على جعل مركز المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في قلب منطقة الجمهور المسيحية، متجاوزاً بذلك خطوط التماس التي رسمتها الحرب اللبنانية، فهو المحبوب من الجميع والمحب للجميع.
متواضعاً كان يعيش مع الناس وهمهم ومثلهم، ففي جلسات كثيرة كانت المقاعد تضيق على المحبين ما يضطر بعضهم إلى القعود على الأرض فما يكون من الإمام إلا أن يبادر إلى القعود مثلهم وبجانبهم، لم يكن يقبل بتمييزه عمن سواه، ولو بصحنٍ لفنجان شاي! وهو الذي كثيراً ما ردد عبارة “أنا مثلي مثلكم، يسواني ما يسواكن”.

كان يجمع في مجلسه المتناقضات على امتداد مساحة الوطن، شبابٌ من مختلف الطوائف والتيارات والاتجاهات، ولو قدر للمرء أن يتفحص في خلفية وانتماء كل منهم لوجد التناقض كبيراً عندهم والبون شاسعاً فيما بينهم، كان في علاقاته ما يشبه “مِسْبَحة الدرويش”؛ تلك السُبْحَة التي تُجمع حباتها مختلفة الألوان والأشكال والأحجام منظومةً في خيط واحدٍ يرصها إلى بعضها حبة تلو أخرى، وكأن الإمام هو ذاك الخيط لتلك السُبْحَة وذاك الجامع الناظم لحباتها، التي سرعان ما ينفرط عقدها وتتناثر حباتها إن سحبناه أو قطعناه، لينقلب كلٌ على عقبيه! كان الإمام يملك “إعجازاً” في جمع المتناقض والمتضاد ووصل المتفرق والمنقطع، وليس أدل على ذلك جمعه في حركته لثمانية عشر شاباً من مختلف مشارب الوطن وطوائفه ومذاهبه، وهم المختلفون والمتناقضون حتى العظم!

الامام موسى الصدر

رؤيوياً بعيد النظر، كان الإمام، ذا نظرة استشرافية ثاقبة. شكى إليه سعد ذات يوم الضيق وفقر الحال وقلة المال، متسائلاً إلى متى سنبقى جماعة ضعيفة الإمكانات فيما تُفرض علينا تحديات ومواجهات كالدول الكبرى؟ متى سيكون الفرج ويتبدل الحال؟. لا تخف ولا تحزن.. أجاب الإمام؛ إن الله لم يجعل مجدنا بالمال! وقريباً سيتبدل هذا الحال عند سقوط شاه إيران. ظنه يقولها بسخرية، يعلّق على رؤياه: عندما يسقط الشاه؟ يعني عندما يصير للدجاجة أسنان! بحزم وثقة يرد الإمام: بالتأكيد لا، وسترى أننا سنقف سريعاً ونحصد نتائج زرعنا، ويضيف: “نحن وضعنا اللقاح في بطن الزمان، ورغم مهاجمتنا ستتم الولادة، وليس هناك من عودة إلى الوراء، وقريباً ترى”. وفعلاً تحققت رؤيته وأصابت نظرته بعد بضع سنين!

كان الداعية والداعي لفهم القرآن والسنة النبوية وتطبيقهما فعلاً معاشاً وبث الروح فيهما بعيداً عن جمود النص الإنشائي والبلاغي. جمع في مجالسه جموع المسلمين على اختلاف طوائفهم، رافضاً ربط الإسلام بما ليس له به صلة أو تحميله ما لا يطيق. سأله عالم دين ذات مجلس، نحن معشر المسلمين مع اليمين. تعجب الإمام وسأله عن سبب هذا الربط. رد الشيخ بأن اليمين هم من أصحاب اليمين الوارد مدحهم في القرآن! فسأله الإمام كيف يمكن أن تحمّل الإسلام مجازر هيروشيما وغيرها، وكثيراً من سوء فعال اليمين. وهل نكون مع اليسار إذاً؟ انظر لجرائم الإتحاد السوفياتي ومساوئه، تساءل الشيخ. رد الإمام بل اقرأ فاتحة الكتاب “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ”؛ ونحن الصراط المستقيم، وإذ أردت الفاتحة في زماننا، فإن اليمين هم “الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ” واليسار هم “الضَّالِّين” ونحن علينا دائما البقاء على “الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ”!

كان الإمام يرفض الخضوع ليأس أو الاستسلام لضعف، فكان يرى في عاشوراء مناسبة للتعبير عن الغضب للانتصار على الظالم رغم قلة الحيلة وضعف الإمكانات، فليست كربلاء معبراً للجزع أو ميقاتاً للبكاء على الأطلال. فكثير من كان يسخر من سوء الحال ويتحداه للتقليل من وطأته ولإمراره بأقل التبعات. كان دائم الحراك نحو الكمال ونحو الأفضل، كان عنوان الإسلام الحقيقي والأصيل، وتجسيداً للعقيدة الشيعية بالثورة على الحاكم الظالم، ولو كان بلبوسٍ شيعي.

يعقوب رفيق الجهاد… والإخفاء

إلى زمنٍ بعيد كان يعود الصراع مع علماء الدين، فالعلماء قادة الأمة وقدوتها، ولهذا كانوا دائماً موضع هجوم وهدفاً له. وعن تلك القاعدة لم يخرج السيد موسى الصدر، فبعيد استقراره في جنوب لبنان تعرض السيد لحملات معارضة لسياساته وتوجهاته، سرعان ما تصدى لها الشيخ محمد يعقوب فوقف مدافعاً عنه في غير محفلٍ وموقف، يرد عنه سهام المعادين وكيدهم.

كان الشيخ يعقوب الحليف والرفيق الحقيقي للإمام الصدر في مسار نضاله والداعم الأول له في جميع تحركاته والمرافق له في تنقلاته، حتى زمان إخفائه. ولأن الشيخ كان يرى في الإمام أكثر من عالم دين وأكبر من رجل سياسة، إذ اعتبره صوت المرجعية وامتدادها التاريخي، والعامل على تصفية الحالة العلمائية من ما فُرض عليها وعلق فيها من شوائب ورواسب في سنين ماضية خلت، والمقدر أن يعيد إليها مجدها وصفاءها كان الشيخ مستعداً لتقديم روحه رخيصة لدعم خط الإمام الصدر وإنجاحاً لنهجه ومساره في وجه معارضيه ومن عاداه.

من أهل الدار، ومن أبناء جلدته، كان بعض أولئك الذين عارضوا الإمام في نهجه ومساره، إضافة إلى آخرين؛ بينهم كان “رواد” للحركة الوطنية اللبنانية ممن رأوا في مشروع الإمام الوحدوي سباحةً عكس التيار الإسلامي منه والمسيحي آنذاك على حد سواء، فلا حديث عن وحدة في ذاك الزمن ولا المطلوب كان اجتماعا للكلمة أو اجماعاً على موقف؛ فلكل فريق أهداف وله سلّم أولويات. اعتمدوا الشيخ قناة لإيصال الرسالة إلى السيد. بحسمٍ قاطع رد الشيخ بأن السيد لا يخضع لتيار ولا يماشي هواه، بل على المؤمنين اتباع إمامهم وسلوك نهجه بعيداً عن الفتنة ونبذاً للشقاق والفرقة.

الامام موسى الصدر

الشيخ يعقوب الذي استمر – مع سعد – يلقى المحاضرات ويعقد الندوات في مختلف المناطق لرأب الصدع داعياً للانفتاح مؤكداً على الوحدة لصلاح حال الوطن والأمة، كان أول من قاد – مع زعيم مسيحي – عملية وقف إطلاق نار بين خطوط تماس الشياح وفرن الشباك في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية درءاً للفتنة وخوفاً من الوقوع في آتونها. ولم يتوان في كثير من المراحل والمحطات على سلوك دروبٍ محفوفة بالمخاطر مضحياً بنفسه سعياً لحفظ أرواح أناس ومدنيين. حين وصل خبر اعتقال أحد المقاتلين “الأعداء” إلى الشيخ يعقوب وهو في اجتماع، أصر على ترك اجتماعه والانتقال إلى مكان توقيفه للعمل على إطلاق سراحه، رغم معرفته بعدائه له ووقوفه في المقلب الآخر، لأنه كان يرى أن هذا المقاتل قد يكون مضللاً أو مدفوعاً بحقدٍ أعمى ويمكن أن يساهم إطلاقه في كشف الغشاوة عن عينه، وعودة إلى جادة صوابه، مع علمه بأن ذلك المقاتل يمكن أن يكون سبباً في قتله شخصياً؛ وقد أطلق سراحه فعلاً.

الشيخ يعقوب الذي كان يتولى شؤون التثقيف وإنعاش العمل الإعلامي في الحركة – بالتنسيق مع الإمام ومساعدة سعد – لم يكن يحب الظهور الإعلامي، لذا كان يوقّع كثيراً من كتاباته ومقالاته باسم “أبو حسن”، مخفياً ذلك السر عن كثير من الناس وحتى عائلته. نجله حسن لم يكن يعلم بأن كل الكتابات التي كانت تجمع بين الفكر العميق والكتابة الرياضية التي تحتاج إلى مفكرين لفك شفراتها كانت لوالده، إلى أن أبلغه سعد بأمرها وسلمه نسخاً عنها بعد اختفاء والده.

الشيخ القادم من البقاع كان من قلة نادرة تحظى بمقبولية لدى عشائر المنطقة، وهي المعروفة بحساسيتها العالية. كان دائم الحركة والنشاط، جامعاً للكل، منفتحاً على الجميع، يحظى بطيف واسع من العلاقات مع جميع الأطراف على اختلاف تلاوينها.

في واقع القضية اليوم…

التلاعب والمماطلة والابتزاز وإمرار الوقت وتضييعه هو ما تخضع له الحقيقة في قضية إخفاء السيد موسى الصدر ورفيقيه اليوم، بحزنٍ وغضب يقولها النائب السابق حسن يعقوب. يؤكد أن كل الأخبار والروايات التي سُرسب عن المخفيين تمت متابعتها بعد سقوط حكم القذافي. بعيد ذلك السقوط تحرك الأهالي وكشفوا كثيراً من المعلومات والحقائق من خلال الإتصال برجال الثورة والقذافي على السواء. بعد وقتٍ طويلٍ تحركت الدولة لحصر المتابعة فيها وحدها وإقصاء الآخرين، وهو ما طرح لدى الأهالي علامات استفهام كبرى، خصوصاً أن اللجنة المكلفة من الدولة اللبنانية تقوم على شخص قاضٍ إداري واحد، فيما لم تستجب السلطات لمطلب توسيع عمل اللجنة وإضافة قضاة جنائيين إليها أو تكليف من لهم باع في العمل الاستخباراتي، فيما القضية تقوم على عملية استخباراتية أكيدة، وبعد عامين من تشكيل اللجنة لا نتائج، ولا تحقيق للمطالب، بل مماطلة واضحة وتقصير أكيد.

النائب حسن يعقوب

لا يعتب النائب السابق على لا جدية الدولة اللبنانية التي تجاهلت قضية إخفاء الإمام ورفيقيه طيلة 27 سنة من دون أن تأتي على ذكرها في بيانات حكوماتها المتعاقبة، إلى أن تم انتخابه نائباً في العام 2005 حيث تم ذكرها للمرة الأولى في بيانٍ وزاري، بل يشكو من تمييع القضية في السنوات الأخيرة، فذريعة الدولة بحصرية متابعة القضية باللجنة والمجلس العدلي غير مقبولة، وحجة المجلس العدلي بعدم تبلغه الرسمي من السلطات الليبية موت القذافي غير مفهومة، وبالتالي تعليقه للقضية ربطاً بذلك غير مبرر. تطلب العائلات تصويب الخصومة باتجاه المتورطين في الجريمة وتجديد الإدعاء عليهم، وفي السجل – برأيها- أكثر من متورط، أما برأي الدولة فالمتهم كان القذافي، وبعد موته فإن القضية قد تسقط مع وفاة المدعى عليه، وبذلك تصبح الدولة اليوم عائقاً في القضية بعدما لم تكن مساعدةً فيها فيما مضى، يرى يعقوب.

خطيرة هي المعلومات التي تم التوصل إليها، وطمس الحقيقة والعمل على تضييعها هو هم كثر، في الداخل اللبناني والليبي (ليس أقلهم السنوسي وسيف الإسلام القذافي هناك). أما الأخبار عن تأكيد الوفاة ووجود الرفات فلا تعدو أكثر من شائعة يطلقها متورط هنا أو هناك، يقول يعقوب.

برأي يعقوب، من كان مستفيداً من جريمة الإخفاء هو القذافي أولاً والعدو الصهيوني ثانياً. مات الأول ولذا فإن الأخير هو من لا يريد إظهار الحقيقة ولو عن طريق أدواته. نحاول أن نتحاشى الفضيحة ونتمنى أن تصحو الضمائر وتتحرك، فيكفي رقادها 35 عاماً، ومشتبهٌ ومخطئ من يظن أنه قادر على طمس الحقائق وإدارة الامور كما كانت عليه في السابق. فالمعركة الأساس هي بتدمير نهج الإمام الذي نحن أحوج ما نكون إليه اليوم، بالإبقاء على العناوين وإفراغه من المضامين، فما أحوجنا لكل تلك الشعارات التي أطلقها الإمام من معادلة “إسرائيل شرٌ مطلق” والتمسك بنعمة الطوائف والمقاومة والوحدة إلى تصويب الوجهة والبوصلة نحو فلسطين وقدسها، فالعدوان الذي يجري على سوريا اليوم هو لكونها مفصلاً في الصراع العربي ـ الاسرائيلي و للقضاء على إحدى قلاع الممانعة، ومن غدر بسوريا في الماضي هو نفسه يغدر بها في الحاضر، وهناك من همه حرف البوصلة وإراحة العدو وحرف الأمور عن نصابها الصحيح.

وفي الرد الرسمي..

“لم ولن نوقف التواصل يوماً للكشف عن الحقيقة في قضية الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه، ولكن التباطؤ هو من الجانب الليبي، وسنفعّل الموضوع قريباً مع الجهات المعنية فيها. نحن أخذنا بالاعتبار الظروف التي تمر بها ليبيا منذ انتقال الحكومة والمشاكل الداخلية”… بهذا يرد وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية الوزير عدنان منصور. يؤكد منصور أنه سيغتنم فرصة انعقاد مجلس وزراء الخارجية العرب في الجامعة العربية للقاء وزير الخارجية الليبي ليبحث معه الموضوع ويعرف آخر مستجداته.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here