كنوز ميديا
فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (80) سورة القصص
مضى قارون في غيه ولم يستمع لنصيحة الناصحين، فخرج في استعراض لافت في موكب حاشد يدل على انغماسه التام (فِي زِينَتِهِ) التي استولت عليه وأخذت بمجامعه حتى أصبح هو فيها وليس عليها. خرج (عَلى‏ قَوْمِهِ) مستعليا، متباهيا عليهم بما هو مملوك وعبد له، وإن كان في ظاهره مالكا وسيدا.
انقسم الناس في موقفهم تجاه ما شاهدوه إلى فريقين: الأول – وهم الغالبية العظمى – أصحاب الموقف الانبهاري الذين هالهم ما رأوا بأعينهم الحسية من مظاهر مادية تستخف النفوس الراكنة للحياة الدنيا وزخرفها وزبرجها. الثاني: أصحاب الموقف الاحتقاري الذين ينظرون بعين القلب الناظر بنور الله المشغول ببهائه. هؤلاء يرون غير المرئي ويشهدون غير المشهود. هؤلاء الذين وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خير وصف، فقال:
“لَوْلَا الْآجَال الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ. عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ. فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ‏ فِيهَا مُنَعَّمُونَ‏ وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ”
أصحاب الموقف الانبهاري تمنوا أن تكون لديهم ثروة قارونية، ليكونوا مثله، لأنه – في رأيهم – وبكل تأكيد ذو حظ عظيم، فأي سعادة يريدونها أكثر من هذا؟ وأي بخت يبحثون عنه أعظم من بخته؟
أما أصحاب الموقف الاحتقاري فقد نظروا للأمر نظرة تجاوزت الظاهر للباطن والسطح للعمق والملك للملكوت، فرأوا كل ذلك متاع الغرور، لأنه شيء عارض زائل. والحصيف من يقدم الآجل الباقي على العاجل الفاني. لذا حذروا المنبهرين من انفعالهم وتفاعلهم المبالغ فيه مع المظاهر الخادعة الكاذبة، ولفتوا أنظارهم إلى ما هو خير وأبقى من ثواب الله الذي أعده للمؤمنين الذين يعملون الصالحات.
وقفات:
1- الطغاة يسعون دائما لجذب أنظار الآخرين إليهم حتى يُحدِثوا في أنفسهم الصغار ويصيبوهم بعقدة الحقارة، ليتمكنوا من إذلالهم واستعبادهم. قال السيد علي خان المدني الشيرازي في كتابه القيم (رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين) عند شرحه قول الإمام السجاد في دعاء مكارم الأخلاق: (ولا تفتني بالنظر) ، قال رحمه الله:
“لا تفتنّي بالنظر والالتفات إلى ما في أيدي الناس من متاع الدنيا ، كما قال تعالى : « ولا تمُدّنَّ عَيْنَكَ إلى ما مَتّعنا بهِ أزواجا مِنْهُمْ زَهْرةَ الحياةِ الدُنيا لِنَفْتِنَهم فيهِ ورِزق رَبّكَ خَيرٌ وأبْقى » نهى سبحانه نبيّه عن النظر بطريق الرغبة والميل إلى ما متّع به أصنافا من الكفرة ، من زهرة الحياة الدنيا وزينتها وزخارفها ، تحذيرا من الميل إلى الزخارف الدنيويّة ، ولقد شدّد العلماء المتّقون في وجوب غضّ البصر عن أبنية الظلمة وملابسهم ومراكبهم ، لأنّهم اتخذوها لعيون النّظارة ، فالناظر إليها محصّل لغرضهم ، فيكون إغراء لهم على اتّخاذها” .
2- في قوله تعالى (فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ) العديد من النكات واللطائف القرآنية. فحرف العطف (الفاء) يدل على تماديه في الغي وعدم اكتراثه بالنصائح المقدمة له، وعدم إمهاله نفسه ولو زمنا يسيرا للتفكير فيها. كما إن (خرج على) تدل على الخروج من مكان أو موقع عالٍ يشرف على الآخرين مصحوبا بهيبة أو إبهار. ألا ترى إلى قول امرأة العزيز ليوسف عليه السلام حين أرادت إبهار النسوة بجمال وهيبة يوسف فقالت (اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ)؟! وكذلك قوله تعالى في شأن زكريا حين أطل على قومه في مهابة حقيقية غير مصطنعة: (فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى‏ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) مريم:11 . وفي قوله (على قومه) تعريض بالخروج المقيت لقارون بهيبته الزائفة، والذي يزداد سوءا لأنه على قومه وبني جلدته. إذ كلما كانت المشتركات أكثر كان الجرم أكبر. ولذا قال الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهندِ
فالظلم من أي كان قبيح، ومن القريب أقبح.

فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (80) سورة القصص
في المقال السابق ، تكلمنا عن مضي قارون في غيه و استعراضه موقفه و انقسام الناس في موقفهم تجاه ما شاهدوه إلى فريقين : الأول – وهم الغالبية العظمى – أصحاب الموقف الانبهاري ، الثاني: و هم أصحاب الموقف الاحتقاري الذين ينظرون بعين القلب الناظر بنور الله المشغول ببهائه ، واختتمنا المقال بوقفتين في هذا المقام لنكمل اليوم ما تبقى من وقفات
3- الزينة زينتان؛ مادية ومعنوية. الأولى هي المقصودة في قوله تعالى (فِي زِينَتِهِ)، والثانية هي التي فصلها الإمام السجاد في دعاء مكارم الأخلاق داعيا بقوله: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِه ، وحَلِّنِي بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ ، وأَلْبِسْنِي زِينَةَ الْمُتَّقِينَ ، فِي بَسْطِ الْعَدْلِ ، وكَظْمِ الغَيْظِ ، وإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ ، وضَمِّ أَهْلِ الْفُرْقَةِ ، وإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، وإِفْشَاءِ الْعَارِفَةِ ، وسَتْرِ الْعَائِبَةِ ، ولِينِ الْعَرِيكَةِ ، وخَفْضِ الْجَنَاحِ ، وحُسْنِ السِّيرَةِ ، وسُكُونِ الرِّيحِ ، وطِيبِ الْمُخَالَقَةِ ، والسَّبْقِ إِلَى الْفَضِيلَةِ ، وإِيثَارِ التَّفَضُّلِ ، وتَرْكِ التَّعْيِيرِ ، والإِفْضَالِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ ، والْقَوْلِ بِالْحَقِّ وإِنْ عَزَّ ، واسْتِقْلَالِ الْخَيْرِ وإِنْ كَثُرَ مِنْ قَوْلِي وفِعْلِي ، واسْتِكْثَارِ الشَّرِّ وإِنْ قَلَّ مِنْ قَوْلِي وفِعْلِي ، وأَكْمِلْ ذَلِكَ لِي بِدَوَامِ الطَّاعَةِ ، ولُزُومِ الْجَمَاعَةِ ، ورَفْضِ أَهْلِ الْبِدَعِ ، ومُسْتَعْمِلِ الرَّأْيِ الْمُخْتَرَعِ .
4- روي عن الإمام الصادق قوله: حب الدنيا رأس كل خطيئة . هكذا نرى الذين يريدون الحياة الدنيا يرتكبون خطيئة فكرية وعقائدية خطيرة، حيث تمنوا أن تكون لهم ثروة كثروة قارون لأنهم اعتقدوا أن الحظ العظيم هو في حيازة الثروات الطائلة، ونسوا أن الحظ العظيم يكمن في الانتصار على النفس وليس في الانقياد لشهواتها وأهوائها. نقرأ ذلك في قوله تعالى في سورة فصلت: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) .
5- العلم الحقيقي هو العلم الذي يغير نظرة الإنسان للكون، فلا يرى في الحياة الدنيا سوى ممر إلى عالم آخر هو عالم الحياة الحقيقية أو (الحيوان) بتعبير القرآن الكريم. يقول تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) العنكبوت: 64 ، ومن هنا يظهر أن المراد من العلم هو علم المعارف الإلهية الحقة. أما العلم الذي عند قارون فهو مساوق للا علم.
هذا ما نستفيده من قوله تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) حيث (العلم) معرفة بلام الاستغراق.
6- على حملة العلم التصدي للانحرافات الفكرية والعقائدية والسلوكية وغيرها في مجتمعاتهم، وتنبيه الأمة لها وتحذيرها من العواقب الوخيمة. هذا ما فعله الذين أوتوا العلم حين رأوا انبهار الأكثرية الساحقة بالنموذج القاروني، فحذروهم من العذاب بقولهم لهم: (وَيْلَكُمْ)، ونبهوهم وأرشدوهم إلى البديل الأفضل بقولهم: (ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً)
7- على حملة العلم إرشاد الأمة للبدائل الأفضل وسبل الوصول إليها وبيان الملكات اللازم توفرها في هذا السبيل. وقد بين هنا حملة العلم لقومهم أن البديل الأفضل عن ثروة قارون هو ثواب الله، وأن الطريق متاح للجميع في الوصول إلى ذلك، وأن هذا المطلب لا يُنال بالتمني، بل بالإيمان والعمل الصالح، وتلك حالة تحتاج إلى حيازة ملكة الصبر، كما قال تعالى: (وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ).
8- قد يستظهر من قوله تعالى (لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً) بدلا من قوله (لكم) أو (للمؤمنين العاملين الصالحات) مثلا، أن الأساس في الثواب هو الفعل (آمن، عمل) وأن هذه قاعدة مضطردة ليس خاصة بالمخاطبين، بل بكل من تنطبق عليه الشروط.
9- ينبغي السعي لتحصيل ملكة الصبر لأهميتها في ثبات الإنسان في النوائب والابتلاءات. وقد ورد عن الإمام الصادق : “الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان”.
10- على المرء أن يتطلع دائما لما هو خير، وعلى المجتمعات أن تتنافس فيما هو خير أيضا.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here