كنوز ميديا

قرأت الخبر التالي وشاهدت الفلم المرفق: “مقطع مرفق .. تنظيم “دولة العراق الإسلامية” يعدم ثلاثة سائقي شاحنات في الأنبار” (1)
وإن صدقنا أن الفلم حقيقي، وأفترض انه كذلك حتى لو كانت الشخوص فيه تمثل دوراً مخططاً لها، فهو يمثل عصابة تقدم نفسها على أنها تمثل أهل السنة، وترفع علم ” الدولة الإسلامية في العراق والشام”، تقوم بإيقاف ثلاث شاحنات على الطريق السريع بين مدينة الرمادي والحدود السورية، ويحققون معهم بالبدء بالسؤال إن كانوا شيعة، ثم يسألونهم حول عدد ركعات الصلاة في الفجر والظهر والعشا. وحين يعجز هؤلاء عن إعطاء أجوبة مقنعة، يعترفون بأنهم “نصيرية” فقام شخص ناداه أحد أفراد العصابة بوضوح باسم “أبو عائشة” بإطلاق النار عليهم.

ليس هذا هو الفلم الأول من نوعه الذي شاهدناه على الإنترنت أو القنوات التلفزيونية، وكنت حتى اليوم أستبعد أن تكون تلك الأفلام حقيقية، وليس من الصعب أن تكون كلها تمثيل مقصود، أو تكون عملية قتل حقيقية يقوم القتلة فيها بإعطاء انطباع غير حقيقي عن دافعهم للقتل، فيصورون الأمر على أنه انتقام لطائفتهم، بينما يهدفون إلى العكس: إستثارة المقابل ضد السنة، وإشعال الفتنة والحرب الأهلية بين السنة والشيعة في العراق، كما في كل بلد عربي أو مسلم.

صحيح أنه ينبغي الحذر الشديد في عالم يسيطر فيه “أعداء الإنسان” حسب مفهومي، على الإعلام تماماً، لكن ما يجري في العراق يجعلني اتساءل إن لم يكن الخلل قد دخل عميقاً في الروح الإنسانية العراقية، وصارت تتصرف من ذاتها بوحشية، ولم تعد بحاجة إلى قيادة الموساد وتوجيهاتها، حتى وإن بقيت بلا شك بحاجة إلى مساعدتها العسكرية واللوجستية؟

قبل بضعة أيام صدمت في اتصال مع العراق، بشخص متعلم أعرفه شخصياً، ولم يكن حسب علمي جاهلاً بتعاليم الإسلام. كان يبرر الهجوم المسلح وحتى القتل، على المقاهي التي لا تلتزم بضوابط الإسلام! أصابني ذلك بالدوار، فمن الذي يلتزم حقاً بـ “ضوابط الإسلام”؟ ومن الذي يحدد تلك الضوابط؟ وحتى لو حددها واتفق عليها جميع المسلمين، فمن أين لهم الحق أن يفرضوا ضوابطهم على الآخرين غير المسلمين أو حتى غير المؤمنين، ويعاقبونهم بالقتل؟ إذا كانت “جريمة” مخالفة هذه الضوابط في أمر بسيط تبرر العنف والقتل، فيمكن إذن تبرير قتل الجميع بحجة ضوابط الإسلام عند مثل هذا الشخص. وربما يكتفي هذا الشخص بالتبرير، ولكن الجماعات الأكثر وحشية والأقل تعليماً منه، وهم ليسوا قلة في العراق، يمكن أن توفر جيشاً من المتوحشين الذين تنطلق منهم مثل هذه العصابات القبيحة، والنتجية؟ تحويل الإسلام إلى مجموعة من المهووسين بالقتل، وبلادهم إلى دولة رعب ومستشفى مجانين يجب تقييدهم لكي لا يقتلوا بعضهم البعض!

ولكي لا نخلط الأمور ونميعها، فنحن اليوم نتحدث عن السنة بالذات. فالذي تحدثت معه سني، والعصابة التي ظهرت في الفلم وغيره، إدعت على الأقل أنها من السنة، وتمثل السنة الطامحة إلى “دولة إسلامية” في العراق والشام، فهل يرضى السنة بهذه الصورة الوحشية المجنونة عن مذهبهم؟ هل يرضى إنسان غير مختل العقل والأخلاق أن ينتمي إلى مجموعة تمثلها هذه العصابة التي تسأل عن عدد الركعات في الصلاة ثم تقتلك على أساسها؟ أن ينتمي إلى مذهب أو دين يجيز قتل الناس إن أخطأت حسب تقدير اتباعه هو، حتى في المقهى؟ إنني لا أرضى لنفسي ذلك، وأعلن براءتي من صاحبي الذي ذكرته، وبراءتي واحتقاري الشديد واشمئزازي بلا حدود من القتلة من حملة الراية السوداء للدولة الإسلامية في العراق والشام!

هل الخلل في التعاليم الإسلامية وأن هذه ليست سوى ثمرات تلك البذور التي نمت مع الزمن لتظهر الآن؟
حينما انتج الهولندي العنصري خيرت ويلدرز فلم “فتنة”، الذي يعرض فيها الآيات القرآنية الأعنف ليظهر الإسلام كدين عنف، بادر عدد من الناشطين اليساريين الهولنديين إلى الرد عليه بإنتاج فلم “فتنة مسيحية”، وعرضوا فيها النصوص المسيحية الوحشية في كل من العهد الجديد والقديم، فكانت أقسى بما لا يقاس من وحشية بعض النصوص القرآنية الإسلامية! إذن فالمشكلة ليست في القرآن.
وحينما قال البابا كلمته سيئة الصيت بأن الإسلام انتشر بالسيف، فإنه تجاهل أن المسيحية انتشرت بالسيف بأكثر من الإسلام وبأشد قسوة، وأن أول قائد روماني اعتنق المسيحية، إنما فعل ذلك وهو يعد العدة للحرب، وأملاً في أن يسير تحت رايته الغازية الكثير من الجند. ولم يكن لدى الإسلام أمثلة تاريخية بقسوة إبادة الجنس البشري لقبائل الهنود الحمر المسالمين والمرحبين بالغزاة، في قارتي أميركا، ولا عرفت الجوامع أجهزة التعذيب التي اخترعتها الكنيسة!
إنني لا أسعى لإنكار العنف في الإسلام، لكننا إن نبشنا التاريخ أو التعاليم فلن نجد فيه ما يقول بأنه أكثر عنفاً من غيره، بل ربما كان الأقل، وقد قال مؤرخ غربي كبير أن المسلمين كانوا أرحم الفاتحين في التاريخ، فالمشكلة إذن ليست في الإسلام.

وإذا كان الخلل في المذهب السني، كما يحلو للكثير من الطائفيين من الشيعة التمتع بترديده، فلماذا لا نرى أثراً لذلك الخلل في ماليزيا؟ لماذا نرى هناك مذهباً سنياً يتحدث عن دستور أكثر تطور وحضارية حتى من الدساتير الغربية؟ لماذا يستمع السنة في ماليزيا إلى الشيخ عمران حسين ويستمع السنة في العراق والسعودية والإمارات إلى المعتوهين من القتلة؟

جاء في سورة النحل: “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين”، فهل سورة النحل في قرآن المسلمين السنة من “الدولة الإسلامية” ومؤيديهم، أم أنها سورة دخيلة عليه، وأنها لا تخصهم؟ وهل يعتقد “أبو عائشة” فعلاً أن ربه “أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين” أم أنه هو أعلم من ربه بذلك؟

أخوتي السنة… ألم تدركوا المؤامرة بعد؟ ألم تشعروا أن من يتآمر عليكم لتحطيم رمزكم وسمعتكم، ليس الشيعة ولا إيران، بل هذه العصابة وأمثالها، وأصحاب رضاعة الكبير وجوقة السخافات الدنيئة التي انطلقت من مؤسسات دينية في الدول التي يبلغ فيها السنة الأكثرية، إلا أن حكوماتها ارتضت الإنبطاح أمام أميركا وإسرائيل، فنخرت تلك المؤسسات وصارت مراكز إطلاق للسموم التي تستهدف السنة، وإن كانت تتظاهر باستهداف الشيعة. إن من يأتي بما يسيء إلى السنة لا يستهدف سوى السنة، وما يثير الشيعة ضد السنة ، يستهدف السنة وليس الشيعة، مهما حاول الكذب.

رغم أني أعتبر خسائر الشيعة خسائر سنية وبالعكس، وبالتالي لا يصح مقارنة الخسائر، لكن دعونا نتحدث بلغة من يرى أن الشيعة والسنة خندقان متعاديان، وأن خسائر كل منهما أرباح للآخر وبالعكس. وعندما نحسب الأرباح والخسائر لأية عملية، فإن علينا أن نسأل عما تتركه تلك العملية من تغيير ومن أثر على عالم الرابحين والخسرانين، ولنسأل هنا:
ما الذي أصاب الشيعة من هذه الجريمة على وحشيتها من خسائر؟ نقصوا ثلاثة نصيرية؟ وما الذي اصاب السنة من خسائر؟ رمز وحشي ومتخلف عن أهل السنة جميعاً، يتركز ليس فقط في لا وعي الشيعة وغيرهم، بل حتى في رؤوس ابناء السنة أنفسهم عن أنفسهم، وسيحتاج لسنين طويلة وجهود حثيثة لإزالته عنهم، فأيهما خسر أكثر؟

ما الذي ربحه السنة عندما أعلنت دولة العراق والشام تبنيها للتفجيرات الدامية، وعدتها “ثأراً لأهل السنة”، وراح ضحيتها 400 بين شهيد وجريح، وقالت المنظمة: ان الأرض أشتعلت تحت اقدام الرافضة، وهلك وجرح العشرات منهم بسيارات مفخخة دكت مناطقهم ثأرآ لأهل السنة ؟(2)
ثأر السنة ممن؟ من مئات الأبرياء في الشوارع اصطبغوا بدمائهم والملايين اصابهم الرعب، سنة وشيعة؟ هل تريد دولة العراق والشام حقاً الثأر للسنة، أم التحريض على قتل السنة وإعطاء المقابل الحجة لذلك وحثه عليه؟

في موقف مشابه جداً، يشرح المؤامرة التي تمد نفس أيديها الآثمة بالقتل والتحريض، قال الشيخ خالد الملا: “لقد استمعنا لخطيب الجمعة (سعد فياض) الذي ظهر على احد المنصات وهو يقول بكل جهل لقد هيأنا الله لأجل الدفاع عن رسول الله المظلوم عند الروافض!!!! قولوا الله اكبر !!!!…..انه يريد ان يقف امامه خطيب شيعي في مدينة من مدن العراق ذات الأغلبية الشيعية ليقول لقد هيأنا الله لأجل الدفاع عن رسول الله واله المظلومين عند النواصب.(3)

إذن، فضد من، ولصالح من تعمل جريمة الطريق السريع، وجرائم التفجير الدموية في مختلف مدن العراق، بغض النظر عن مرتكبها وعن من خطط له ووجهه؟ وإذن فحين تحصل مثل هذه الجريمة على استحسان بعض المتوحشين من السنة، أليست هذه هي الحماقة بعينها، إضافة إلى كونها موقفاً لا أخلاقياً؟ وإذا كان الأمر كذلك، واقتنعتم أن هذه الجريمة تصيب السنة قبل غيرهم بالضرر، فما هو موقفكم منها؟

في بادرة خيرة للدفاع عن سمعته وسمعة مذهبه قبل الدفاع عن الآخرين، قرر ديوان الوقف السني التحقيق مع، وعزل خطباء المنابر المحرضين على العنف في الفترة الأخيرة، مؤكدا أن “الوقف السني اتخذ هذه الاجراءات للحد من الخطب المحرضة على التفرقة بين ابناء الوطن والتي تضر بالسلم المجتمعي”..(4)

وكم يخسر الوطن من مثل ذلك الإضرار بـ “السلم المجتمعي”؟ هل هناك تحطيم للوطن أكثر من أن يفهم أحد نصفيه أن النصف الآخر مجنون في كراهيته له؟ إلى من يلتجئ إذن؟ إلى أميركا، بل وربما إلى إسرائيل! أوليس هذا أشد ما يرفضه أهل السنة في العراق ويتهمون الآخرين به؟ ما الذي يحدث في هذه الأيام؟ تمرر مشاريع لإعادة الجيش الأمريكي والسي آي أي، بعد ان أطلق زيباري بالونة الإختبار الإعلامية الأولى لها، ولا تجد هذه الجريمة بحق العراق الإستنكار الشعبي اللازم لها ولمسوقيها الأرذال، لأن الناس ملتهية بجرائم الطائفية والإرهاب! أنا كنت أهيء مقالاً عن هذه المؤامرة، لكني تركته لأني قدرت أن أحداً لن يهتم به ودم أبنائه يجري. إنها الطريقة الكلاسيكية لإقناع الناس بقبول الإنبطاح للإحتلال، حيث يجعلك ترى الموت فترضى بالصخونة. فهل ترضون أن تكونوا أنتم “الموت” لشعبكم، والذي يستخدم لإبتزازه وإجباره أن يقبل بالصخونة الأمريكية – والإسرائيلية لاحقاً بالتأكيد؟ من لا تحرضه الغيرة على المذهب وسمعته، ففي الأقل الغيرة على الوطن ومصيره؟ على الإنسان وكرامته؟

لا يكفي الإنسان أن يكون بريئاً ليحمي نفسه وسمعته ومقدساته. وكل إنسان، وكل سني بشكل خاص، مطالب اليوم وعلى وجه السرعة، باستنكار واستهجان والتبرؤ من هذه الجرائم البشعة وأمثالها، والمطالبة بإنزال أقصى العقوبات بمرتكبيها. ليس من أجل الضحايا فقط، بل من أجل نفسه ومقدساته قبل ذلك. هذا بالنسبة للجميع، أما من كان السنة، أصحاب المذهب المتهم، فهو مدعو أن يدافع عن مذهبه أمام هجمة التشويه الشرسة الموجهة ضده من مخططين أجانب، أو من جهلة ومتوحشي المذهب نفسه، وأن ينأى بمذهبه عن عصابات الإرهاب، قبل أن ينأى الناس بأنفسهم عن ذلك المذهب!

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here