في أواخر تسعينات القرن الماضي أقام ( ديوان الكوفة ) في لندن ندوة علمية , إستضاف فيها أستاذ الدراسات الفرعونية في جامعة ( سَوَسْ ) لندن , كلية الدراسات الشرقية والأفريقية , الدكتور المصري عُكاشة الدالي , للحديث عن آخر إكتشافاته الفرعونية .
حضر الندوة نخبة من العلماء والأساتذة والمثقفين والأكاديميين والأدباء والكتّاب والإعلاميين المصريين والعراقيين على حد سواء , من المقيمين في بريطانيا . وقد إستمرت زهاء ساعتين . أثارت لغطاً وجدلاً عنيفاً , ليس بين العراقيين والمصريين كما قد يتبادر إلى الذهن – أول وهلة – وإنما بين المصريين والأستاذ المصري المحاضر .
كانت عادة الدكتور الدالي زيارة بلده الأم ( مصر ) بين فترة وأخرى , مبعوثاً من جامعته البريطانية , للإطلاع على ما تجود به الرُقُم والمنحوتات واللُقى والأحجار الفرعونية القديمة , وتصويرها لأغراض البحث والدراسة العلمية المجردة . ولعل أجمل ما يتحدث به الدالي , هو ليس باللغتين الإنكليزية والعربية , إنما باللغة الفرعونية القديمة , لغة رمسيس الثاني وأمنحَوْتِب وتوت عنخ آمون وخفرع .
ألقى الرجل محاضرته معززة بسلايدات ( مصوّرات ) عرضها على الشاشة أمامنا , هي آخر ما صوّره هو بنفسه في رحلته الأخيرة إلى مصر . تحدّث عن إن هجرة عراقية سومرية حصلت قبل خمسة آلاف عام , من جنوب العراق إلى صعيد مصر , ذلك أثر جفاف وجوع وقحط إجتاح العراق السومري في ذلك الوقت , ما أدى إلى نزوح جماعي سومري من بلدهم .
عرض الدالي ثلاثة أدلة معززة بالصور الحديثة – وقتها – تؤكد صحة زعمه .
الدليل الأول : لم تكن مصر تعرف بناء الإهرامات , وأول مَنْ بناها على أرض مصر هم العراقيون النازحون , حيث شرعوا ببناء المقابر لموتاهم ,تلك المقابر المعروفة في جنوب العراق , المتكوِّنة من عدة طبقات على هيئة الزقورة في أور .
ثم صار الفراعنة يطالبون ببناء مقابر خاصة بهم أكبر وأفخم وأعلى من المقابر العراقية .. وهكذا بدأوا يشيدون الطوابق فبُنِيَت الإهرامات .
الدليل الثاني : لم يعرف المصريون خلال تاريخهم – ما قبل الهجرة السومرية – زراعة الحبوب ( الحنطة والشعير والرز ) ولكن خلال هجرتهم نقلوا معهم الحبوب العراقية , ليزرعوها في أرض مصر , فنبتت وأنتجت .. وهكذا إستمرت أرض مصر معطاءً للحبوب .
الدليل الثالث : حين إستوطن السومريون أرض الكنانة حول نهر النيل , شرعوا ببناء مراكبهم النهرية – على غرار مشاحيفهم المستخدمة في الأهوار – وتوّجوا مقدِّماتها وواجهاتها بنحت رؤوس الأسود والثيران الخشبيّة .. تلك التي لم يكن الفراعنة يستخدمونها في منحوتاتهم من قبل .
لقد كان قدماء المصريين يستخدمون في مراكبهم الإشارة إلى الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب وغيرها , بينما إستخدم العراقيون رموز القوة والشجاعة والقدرة على المبارزة والنزال .
كانت تلك أدلة الدكتور عكاشة الدالي المصوّرة على أصول الشعب المصري القديم , ولعله هناك دراسات أخرى مهمة نُشرت باللغتين العربية والإنكليزية تؤكد ما ذهب إليه الدكتور الدالي , وتزيد عليها موضوعات من قبيل ملامح المصريين , وعاداتهم وتقاليدهم , وتلفظهم لبعض الحروف ( في الصعيد ) التي تتطابق مع العراقيين .. ولكننا نعرض عنها لننتقل إلى أوجه إختلاف ما بين الشعبين ( المصري والعراقي ) تخدم مقالنا هذا .
إذ كتب مرة قبل سنوات الأستاذ خالد القشطيني , مقارناً بين الشعبين , فقال ما معناه : يحرث الفلاح المصري أرضه , وينثر بذوره , ويسقيها , فيخرج الزرع , وينمو , ويثمر , فيحلّ موسم الحصاد , فيحصد الفلاّح زرعه , ويعبئه , ويرسله إلى السوق ليبيعه , ويقبض ثمنه , ويضعه في جيبه , فيشتري إحتياجاته ومتطلبات حياته المعيشية , ثم يذهب ليغني ويرقص فرحا بما جنى .. بعدها يفيض النيل وليس لدى الفلاّح المصري ما يخسره .
الدورة نصفها تتكرر في العراق , ولكن قبل أن يشرع الفلاّح العراقي بالحصاد , يفيض دجلة والفرات وشط العرب فيُغرِق الزرع , ويذهب جهد الفلاّح سدىً , فيغضب الإنسان العراقي كغضب الطبيعة , وبدلاً من أن يذهب الفلاّح العراقي ليغني ويرقص كما الفلاّح المصري , يذهب العراقي لينتقم من زوجته وأطفاله . ثم يقضي سنته فقيراً معدماً يقترض من الآخرين .
كل ما تقدّم من إستشهادات حاكت جذور الإنسان وتوافق الطبيعة معه . أما نحن من ناحيتنا فسنذهب لمحاكاة الإنسان والوطن .
فمصر دولة تختلف عن العراق أرضاً وشعباً . وبسبب قلة مواردها ( عدا الزراعة ) وثرواتها الطبيعية من بترول ومعادن وغيرها , يقابلها كثافة سكّانيّة عالية مقارنة بالعراق , عاشت مصر منذ عهود من الزمن على المساعدات الماليّة الأجنبيّة , الأميركية والأوربيّة تحديداً , بالإضافة إلى العربيّة , من دون تعفف أو تردد أو ممانعة , أو حتى مجرد التفكير في الإساءة إلى كرامتها وهيبتها ومكانتها ..
بل إن أكثر الأنظمة الوطنيّة والقوميّة التي مرّت في تاريخها , كنظام الرئيس جمال عبد الناصر كان يعتاش على المساعدات الدولية والتمويل الأجنبي . فما بالك بالأنظمة التي تلته ؟
لا يتحرج الشعب المصري من قبول المساعدات , نتيجة لحالة الفقر التي يعيشها , بل يطالب بها المجتمع الدولي إن تأخرت أو توقفت . كما لا يمانع من إستقدام المدارس والجامعات الأجنبية في بلادهم , والدراسة فيها , كالجامعة الأميركية , والكليات والمعاهد والمدارس الفرنسية والإيطالية .
ولعل كل النهضة الفكرية والثقافية التي شهدتها مصر , وقادت العالم العربي وراءها , تعزى إلى رجالها الدارسين في تلك الجامعات الأجنبية , أو المبتعثين إلى الخارج . ففي الوقت الذي سافر فيه رفاعة رافع الطهطاوي , الأزهري من صعيد مصر إلى باريس , لأغراض الدراسة فيها بالقرن التاسع عشر الميلادي , كان العراق يغطُّ في سبات عميق من التخلّف والجهل والأمية في ظل الدولة العثمانية العلية .
العيش على المساعدات الأجنبية , جعل من الإنسان المصري طيِّباً ليِّناً سهل التعامل , بعيدا عن التشنّج والحِدّة والتصلُّب في المواقف . أما الإنفتاح على الخارج وقبول ثقافته , جعل منه متفهما لتفكير الآخرين , متقبلاًّ للآخر , يجيد ثقافته .. وبالتالي فن التعامل معه .
العراق – كبلد – غني , فيه الكثير من الخيرات والثروات منذ قديم الزمان , يتصوّر إنسانه أنه لا يحتاج أحداً , وهو لا يدري بأن خيرات بلده وثرواته هي لغيره من الأجانب .. لذا يرفض العراقي المساعدات الأجنبية , فينشأ أنِفاً متكبراً لا يلين , إلاّ إذا حطَّ منه الدهر , وعاش مغترباً , فراراً من ظلم أو جوع .
والعراقي لا يسمح لجامعة أجنبية أن تدرِّسه في داخل بلده , ولا يسمح لها أصلاً أن تفتح لها فرعاً في بلده , كما إنه يتردد في إرسال إبنه أو إبنته إلى الخارج لأغراض الدراسة , إلاّ إضطراراً , نتيجة لسبب سياسي أو إجتماعي قاهر .. ولهذا ينشأ العراقي ويتربى على سماع الرأي الواحد المفروض عليه بالقوة , فيكون أحادي الرأي والنظرة , وإن كان الأكثر جدلاً وعناداً من بين بني البشر كافة , نتيجة تربيته القسرية !
بناءً على كل ما تقدّم فإن الإنسان المصري يعرف ماذا يريد ,وإنه يحدد هدفه ويعمل بجد على تحقيقه .. وقد ينجح في أغلب الأحيان . ولكن الإنسان العراقي لا يعرف ماذا يريد , وإلى أين هو سائر , ومن أجل ماذا هو يعيش .. لهذا فهو لا يعمل , وإن عمل فلا يدري من أجل ماذا يعمل , فيفشل في أغلب الأحيان .

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here