إنني أحاور هذه الأيام الكثير من أهلنا وأحبابنا، الحانقين على البرلمان، وعلى كل الأوضاع السيئة المميتة، والشاتمين للديمقراطية التي جاءت متزامنة مع أسوأ حالات المنطقة. وأهلنا على حق، فقد تعبوا. وأنا مثلهم، أتمنى ان يكون هناك حل سحري يتيح لنا الشعور بالأمان ويفسح المجال للتنمية، ومستعد لتسليم زمام الأمور لمستبد، والتنازل عن كل حقوقي في التعبير عن الرأي والمشاركة السياسية، والكف عن تأييد مبدأ تكافؤ الفرص، مقابل ان نتيح لمعالي الدكتاتور ان يعيد توحيد البلاد، ويتخلص من “ضجيج البرلمان” و”تفاهات” التوافق السياسي، بأمل ان يؤدي ذلك إلى توفير “الظروف الملائمة” لهذا الدكتاتور، كي يحرك عجلة التنمية ويدخلنا في عصر ذهبي، على غرار دول الخليج مثلا، التي تحقق نموا علميا وعمرانيا واستقرارا كبيرا، “ولا ديمقراطية ولا بطيخ”.
نعم، ربما سأوافق على هذا، مثل كثير من العراقيين الذين تعبوا وضجروا من أسوأ الظروف المحيطة بنا. ولكن ألم يفكر غيرنا بهذا من قبل؟ ألم تحاول شعوب أوروبا ان تبحث عن “مستبد عادل” يكفيها شر “التحول السياسي”؟ فلاسفتنا في الشرق، ألم يحلموا بمدينة فاضلة يسودها العدل؟ ألم تفكر الأديان الإبراهيمية واللاإبراهيمية، بهذا؟ انه سؤال عمره مئة ألف عام، طرحه الجميع، ومشكلته الوحيدة إنه اصطدم بحقيقة صماء، هي ان الاستبداد مثل القمار، يجعلك تربح سلطانا عادلا بقلب رحيم وحكمة عميقة، مرة.. ثم يخلفه أنواع المجانين وقساة الأفئدة، الذين يجعلهم الملك والمال والجيش، مستعدين لإحراق الدنيا، في لعبة صبيان حقيرة.
حين أصيب الحاكم بالجنون في السبعينات والثمانينات والتسعينات، كانت جثث احلى شبابنا تعود بتوابيت محاطة بكذب البطولة، أو تبقى أشلاؤهم الغضة وأحلامهم الممزقة، طعاما للضواري في ساحات الحروب النكراء. ونحن اليوم نموت أيضا بسبب حماقات ونقص في الحكمة لدى الكثير من النافذين. ولكن في عهد الاستبداد المطلق لم يكن أمامنا سوى ان ننتحب سرا، تحت السماء الزرقاء ونأمل ان يسمع إله ما، صرخاتنا ويأتي بالخلاص. أما اليوم فإن هناك على الأقل، أملا محاطا بوقائع تعززه، بأن ننجح كأمة في التعلم من أخطائنا، وان تنجح محاولات المراجعة والتصحيح، وأن يؤدي احتجاج الناس في كل المدن، إلى تغيير وجهة مراكز القوى، وتشجيع النواب المنتخبين للقيام بدور شجاع وإكمال حزمة إصلاحات تشريعية بدأت منذ شهور ولن تتوقف، ومن شأن كل هذه العوامل ان تقوم بردع الأوهام المتبقية من حقبة مكوثنا الطويل في قبر الدكتاتور وأمراضه ورعونته.
إن العقل السياسي البشري لم يعثر لكم على حل سوى هذا. وكان على جدنا النياندرتال ان يعمل بأحد خيارين: البقاء جائعا في الكهف الرطب خشية من وحوش الغابة. أو القبول بالمخاطرة وخوض مواجهة مع الطبيعة والاستفادة من كل الأخطاء لإثبات انه كائن متحضر قادر على تطوير دفاعاته، واستخدام اللسان في تصميم خطط النجاة. وليس أمام الأمة العراقية أيضا، سوى هذين الخيارين، كهف الدكتاتور، أو الخروج إلى الشمس وخوض المواجهة واختبار الفروسية والحكمة، داخل نظام تعددي يحترم تنوعنا، ونقوم بتصحيحه، ودفع ثمن ذلك عن طيب خاطر.
وبمناسبة النظام التعددي، فإن أي محاولة لإلغاء البرلمان اليوم، وإعلان الحكم المستبد، ستنتهي برمشة عين إلى تقسيم البلاد. سيقول البصراوي: ان كان ولا بد ان نخضع لدكتاتور، فمن الأفضل لي ان أتحالف مع عملاق نفطي وأعلن نفسي دولة يحكمها دكتاتور من البصرة. ومثله ستقول كل المدن والطوائف والملل.
إسقاط العملية السياسية ليس حلا، لأنها ستنتهي بعملية سياسية جديدة وبرلمان جديد ودستور جديد، لابد ان يراعي التوافقات نفسها، لإقناع العراقيين بأن يظلوا جزءا من العراق. أما إذا انتهت بدكتاتور شيعي أو سني أو كردي أو تركماني، فستنقسم البلاد في أقل من رمشة عين.
إن التصحيح سيتأخر طالما انشغل الناشطون بأفكار الإلغاء المطلق للنظام، تحت تأثير يأس أو وجع أو فقد لأخ أو صديق داخل دوامة العنف. العقلانية وحدها، والانخراط في الشكل المتقدم للقيم البشرية، وتحمل كل أخطاء الانتقال هذا، هي التي تستكمل عبورنا المؤلم، من كهف أو قبر رطب ومظلم، إلى مكان ما، تحت الشمس، مخصص للأكثر شجاعة وحكمة وإنسانية.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here