كان ذلك في سبتمبر من العام الماضي، حين زرت القاهرة، وهي ليست المرة الأولى لي بالطبع فقد سبق وأن زرتها يوم كنت رئيساً لمجلس النواب في دورته الأولى والتقيت بالمسؤولين في نظام مبارك آنذاك.

ولكن في تلك المرة كانت الزيارة مختلفة، فانا في قاهرة الربيع العربي، والتقي رجال أول حكومة منتخبة بحق من قبل الشعب، ولذا حرصت كل الحرص على أن أعيش أجواء المرحلة الجديدة مع صناعها، ومتابعة الجوانب كافة وما يطرأ عليها من تغييرات أو تشهده من انجازات، وتقديم ما أراه مفيداً من نصيحة وفكرة تكونت لدي من التجربة العراقية المرّة!.

فلمست فيمن التقيتهم ـ بصدق ـ روحاً جديدة، ورغبة بالعمل، وإخلاص قل نظيره، وإرادة تتحدى كل الصعاب، مما ملأ النفس فرحة وغبطة وقتها للشقيقة مصر أنها تسير في طريق التقدم والازدهار والريادة من جديد.

مثلما وجدت روح المصالحة بأقصى درجاتها حاضرة لدى رموز النظام الجديد، فهم حريصون بشدة على الشرعية الدستورية والمحافظة على مؤسسات الدولة وعدم المس بها، وكلنا يتذكر آنذاك كيف أن الرئيس مرسي لم يجعل لنفسه حرسا من أعوانه بل من قبل عناصر الحرس الجمهوري السابق الذي شكله الرئيس مبارك ولم يتعرض بالتغيير لمؤسسة الجيش أو الشرطة ولم يغير في مؤسسات الإعلام على الرغم من كونهم ينتمون لتشكيلات النظام السابق، وكل ذلك احتراما منه للديمقراطية ولمؤسسة القضاء رغم اتضاح انحيازها إلى رب نعمتها مبارك ومراكز القوى المتحالفة معه.

وهذه المصالحة والمسامحة التي أقصدها هي حجر الزاوية لبناء أي دولة من جديد، وركن مهم في النظام السياسي الذي تقوم عليه.

لماذا إذن جاءت الأحداث التالية بهذه الصورة وما تبعها من تطورات مفزعة؟!

الجواب يمكن اختصاره بكلمات قليلة، إن الرئيس مرسي ومن معه واجهوا طوفان من العقبات الصعبة، وورثوا تركة ثقيلة جداً، ووقت أقصر فلم يمنحوا الفرصة الكافية للعمل، ولعبت الدولة العميقة (ولنحفظ هذا المصطلح جيداً) دوراً سلبياً في منع خطوات الإصلاح التي لا تصب في صالحها بالتأكيد، هذا فضلاً عن ماكينة الإعلام الممولة ببذخ عجيب والمأجورة من الديكتاتوريات البائدة والموجودة لإفشال الربيع العربي دولة بعد أخرى!.

ونتذكر جميعاً كيف أن الكراهية زرعت زرعاً، والأكاذيب والتلفيقات بدأت تترى على الجمهور ليل نهار، والقنوات المختلفة تبث مادة واحدة في مضمونها وهدفها وهي إجهاض الحكم الجديد والقضاء على رجالاته!.

ويحزنني القول إن ما خطط له تم، وما أريد من الانقلاب على الشرعية حصل فعلاً، يحزنني هذا القول ليس لأنني أؤيد مرسي أو قنديل أبداً ولكنني لأني أرى اليوم دولة كاملة تنهار، ووطن يستلب، ودوامة الفوضى والعنف تعلو وتعلو، والدماء تسفك في مشهد مؤلم!.

والمشكلة الأكبر أن الانقلابيين لم يدخروا صورة سلبية إلا وظهروا بها ولم يتركوا فعلاً خاطئاً إلا ووقعوا فيه، وهل هناك أكثر من ذبح الآلاف في يوم واحد؟! حتى بدأنا نشك أنهم قد جيء بهم لإبقاء مصر تعيش في دوامة الفوضى وعدم الاستقرار للسنوات القادمة.

ليس هذا فحسب وإنما هم يعمدون اليوم لإعادة تشكيل نظام مبارك مرة أخرى بشكل واضح وبوجوه جديدة لكنها تحمل ذات الروح القديمة وتحت عنوان ثوري مزيف ، وينضم لذلك قرار الإفراج عن مبارك وتبرئته من كل القضايا المتهم فيها.. وفي كل ذلك خراب ودمار سيعم الجميع.. دون شك!

ويخطئ من يظن أن الربيع العربي لو تم نجاحه للنهاية سيصب في صالح الإسلاميين وحسب، فإن النجاح لو حالف من كان يحكم لكان الخير قد عم مصر كلها، وهو ما لمسه المواطن البسيط حقيقة في الأشهر الأولى من احتضان الحكومات الجديدة ـ وهي خياره أولاً وآخراً ـ والحرص على تغيير حاله إلى الأفضل.

دعكم مما تقوله القنوات الفضائية فهي (مثلما الكثير عندنا) تتعامل بمهنية متدنية مع الأحداث، وتتاجر بدماء وأرواح المواطنين بانتقائية، إذ تشوه الحقائق، وتتباكى على بلطجي هنا، وترقص يوم يسقط الآلاف في رابعة مضرجين بدمائهم!.

إذن.. استعدوا، وارتدوا معاطفكم! فالشتاء العربي قادم اليوم! وسيكون قارصاً، شديد البرود، مفقود فيه الأمان ورغيف الخبز، مليء بالاعتقالات والمؤامرات الكاذبة التي ترمي بالمئات من الأبرياء إلى ساحات الإعدام! ولن يحس الجميع بطعم الاستقرار ربما لسنوات قادمة!

يحصل هذا في مصر، وقبله العراق، وسوريا التي تدمر آلة الحرب اليوم كل صور الحياة وتؤسس لما بعد سقوط النظام (إن تم) ليكون عنوانه التقاتل والنزاع والسقوط في بئر التطرف!

وأعلم أن البعض لن يروق له هذا الكلام وسيحاول تفسيره مثلما يريد ولاسيما مع اضطراب المواقف وحدة التجاذبات الحاصلة، ولذا ترددت طويلاً في دفع هذا المقال إلى المطبعة، ولكن ما يحصل اليوم يدفعني كانسان للانتصار لإخوتي في مصر ممن بات جيش الانقلاب يقتلهم كل يوم بدم بارد ويسير بالبلد نحو الهاوية!.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here