تشير إحصاءات لجهات حكومية عراقية أن قضاء طوزخورماتو، التابع لمحافظة صلاح الدين الواقعة شمال بغداد، تعرض لثلاث وعشرين عملية ارهابية بسيارات مفخخة خلال الاعوام الستة الماضية خلفت اكثر من ثلاثة الاف شهيد وجريح.
ووفق مبدأ النسبة والتناسب بين عدد سكان القضاء ومساحته من جانب، وعدد العمليات الارهابية والخسائر الناجمة عنها من جانب اخر، يتضح أن هذه المدينة هي الاكثر تعرضا للهجمات التفجيرية والمسلحة من بين مدن العراق الاخرى، وقد تزايد معدل العمليات التي ضربت “طوزخورماتو”، بحيث لم يعد يمر شهر إلا ويفجع أهالي القضاء بسقوط عدد من الضحايا في هذه العمليات، التي كان آخرها، الخميس، حيث انفجرت سيارة مفخخة من نوع (كيا) كانت مركونة أمام مبنى المحكمة في القضاء، ما تسببت باستشهاد عشرة أشخاص، وإصابة خمسة وثلاثين.
وقبل أسبوعين وتحديداً في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، انفجرت سيارة مفخخة وسط حشد من المشيعين لضحايا من أبناء المدينة سقطوا بفعل عمليات سابقة، في ذات الوقت الذي فجر “انتحاري” نفسه وسط جمع من المحتجين على تكرار حصول تفجيرات في المدينة، وكان من بين الأهداف نائب رئيس الجبهة التركمانية علي هاشم ومعاون محافظ صلاح الدين احمد قوجه اللذين قضيا في التفجير، وفي الحادي والعشرين من شهر أيار/مايو الماضي وقع تفجير مزدوج بسيارتين مفخختين، استهدف حسينية النور وسط القضاء، ليوقع خمسين ضحية وجريح إضافة إلى الخسائر المادية التي طالت مبنى الحسينية والمنازل المجاورة لها.
ويعد قضاء طوزخورماتو الذي يتألف من اربع وحدات ادارية تسمى نواحي، وهي (آمرلى – بسطاملي – سليمان بك – قادر كرم) من المدن ذات الاغلبية التركمانية قومياً، والشيعية مذهبياً، وكانت حتى بداية عام 1976 تابعة لمحافظة كركوك، وفي التاسع والعشرين من شهر كانون الثاني-يناير من عام 1976 ألحقت بمحافظة صلاح الدين بموجب مرسوم جمهوري، بعد تحويل الاخيرة من قضاء الى محافظة.
ويرى البعض ان طبيعة الهوية القومية والمذهبية للمدينة، وموقعها الجغرافي، جعلها عرضة للاستهداف أكثر من غيرها، فالنائب المستقل في البرلمان العراقي عبد الهادي الحكيم يقول إن “توالي استهداف التركمان الشيعة يأتي محاولة لتهجيرهم من مناطقهم ولتأجيج الفتنة الطائفية في العراق”، ويشدد الحكيم “على ضرورة فتح تحقيق عاجل لمعرفة أسباب الاستهداف المتكرر وإعلان نتائجه للشعب العراقي”.
وكانت الحكومة العراقية قد اعتبرت أواخر الشهر الماضي، عقب وقوع التفجير ما قبل الأخير، أن قضاء طوزخورماتو “منطقة منكوبة”، وجاء هذا القرار بعد تشكيل لجنة وزارية برئاسة نائب رئيس الوزراء حسين الشهرستاني وعضوية عدد من الوزراء لمتابعة تداعيات الأوضاع هناك، والوقوف على أسباب ومكامن الخلل، وكان من بين الإجراءات الفورية “منح القضاء أولوية في توفير الخدمات، وإعداد البنية التحتية لها تمهيداً لتحويلها إلى محافظة”، كما أشار إلى ذلك عضو مجلس محافظة صلاح الدين عن المكون التركماني نيازي معمار اوغلو.
وعلى الصعيد الميداني، أرسلت السلطات العراقية فوجين من قوات التدخل السريع لتأمين الحماية لها، والشروع في ذات الوقت بتشكيل مجلس شبه عسكري من أبناء المدينة قوامه 700 شخص يتولى إدارة شؤونها الأمنية تحت إشراف وتنسيق الإدارة المحلية وقيادة العمليات العسكرية التي يقع القضاء ضمن ميدان مسؤوليتها، فضلاً عن قوة طوارئ من الشرطة من كل المكونات، إلى جانب تشكيل “سرية لمكافحة الإرهاب”.
ولعل الإعلان عن هذه الإجراءات كان كفيلاً بإنهاء الاعتصامات في المدينة وإن بشكل جزئي، وساهم في رفع مؤشر التفاؤل لدى الكثير من أبناء المدينة رغم الفواجع التي تتابعت عليهم، في وقت لم تخل أجواء التفاؤل من مخاوف عدم التطبيق، وفي ذلك يقول النائب السابق في البرلمان العراقي، وأحد الشخصيات السياسية البارزة في المدينة محمد مهدي البياتي أن “ما تم الاتفاق عليه بين اللجنة الوزارية وممثلي القضاء يعتبر أمراً جيداً في حال تم تطبيقه على أرض الواقع”، بيد انه يستدرك قائلاً إن “طوزخورماتو مدينة حساسة، وهي من المناطق المتنازع عليها، وبالتالي فإن أي تحشيدات من قبل قوات البيشمركة الكردية تخلق مشكلات ونزاعات نحن في غنى عنها”، وأضاف أننا “كتركمان لا نريد صدامات مع شركائنا الأساسيين في القضاء وبالتالي فإننا لجأنا إلى الحكومة المركزية لإيجاد حل لمأساة هذا القضاء”.
وبينما يصر الأكراد على ضرورة تواجد قوات البيشمركة في قضاء طوخورماتو، يشدد رئيس مجلس محافظة صلاح الدين احمد علي الكريم على أن “وجود قوات البيشمركة في القضاء من شأنه أن يعقد الحلول التي يمكن التوصل إليها، وكذلك الأمر بالنسبة لقيادة قوات دجلة”، ويرى أن “مفتاح الحل الحقيقي للكوارث التي يتعرض لها قضاء طوزخورماتو يكمن في سحب قوات البيشمركة وقيادة عمليات دجلة منها لتحل محلها قوات من شرطة صلاح الدين، والفوج الذي تمت الموافقة عليه المشكل من أبناء القضاء فقط، بالإضافة إلى الفرقة الرابعة للجيش العراقي”، ويرفض الكريم السماح “بعد الآن بأن تتسلم قوة جديدة الملف الأمني في القضاء، ونحن نحمل قيادة عمليات دجلة مسؤولية الخروق الأمنية لأنها من تدير الملف الأمني في المدينة”.
في المقابل، يقول الأمين العام لقوات البيشمركة الفريق جبار ياور أن “تشكيل فوج صحوة من المواطنين التركمان وحدهم لحماية قضاء طوزخرماتو المتنازع عليه عمل غير دستوري، لأن تشكيل أية قوة غير نظامية لأية قومية ودين وطائفة بهذا الشكل يتعارض أصلاً مع الفقرة “ب” أولاً من المادة التاسعة من دستور دولة العراق الفيدرالية”، ويؤكد ياور أن “قضاء طوزخورماتو هو من المناطق المتنازع عليها ويجب أن تكون إدارته بصورة مشتركة بين إدارتي إلاقليم والحكومة الاتحادية”، ويرى ان “الحل الأمثل للأوضاع الحالية في القضاء هو زيادة الخدمات الإجتماعية لمواطنيه وتمتين العلاقات الأخوية بين القوميات والديانات والطوائف المختلفة فيه والتأكيد على العمل المشترك بين الوحدات الإدارية والعسكرية والأمنية المختلفة والموجودة حالياً في المدينة”.
وفي خضم هذه التقاطعات والاتهامات المتبادلة، فإنه “لاتوجد في الأفق معالم وملامح لحلول ومعالجات واقعية وعملية تكفل وضع حد لنزيف الدماء في طوزخورماتو، ومن الصعب بمكان التوافق على صيغ واجراءات تثمر عن نتائج ومعطيات ايجابية، تنعكس على ارض الواقع ويلمسها ابناء المدينة الذين نزفوا من الدماء وخسروا من الارواح ما فيه الكفاية”.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here