عبد الزهرة زكي

ما حدث في (أبو غريب) والتاجي وسجنيهما حدث مفصلي وجذري صادم، حدث لا يقل في هول صدمته عما كان قد حدث عام 1980 وحربنا مع إيران وعام 1990 ودخولنا الكويت وعام 2003 ودخول الأمريكان البلاد.

مهما كانت الأسباب، ومهما كانت المبررات، ومهما كانت التسهيلات (لا نعرف شيئاً عنها طبعاً)، لا بد من الإقرار بانتصار تنظيم القاعدة في هذه العملية المفصلية.

قد يكون هذا الإقرار صادماً.. وقد يتطلّب من كاتب مؤدلج أن يصمت عنه، إن لم يعمد للتهوين منه، ولكني لست كاتبا سياسيا، لست مؤدلجاً، وها أنا اقول بوضوح كافٍ إن القاعدة انتصرت بعمليتها النوعية، وقد يكون هذا الإقرار صادما لقارئ مؤدلج، ولكن يا سيدي، يا قارئي، ما حدث يوجب تقبّل الصدمة.

في أحيان كثيرة تتفادى الناس الصدمات وتميّعها، بينما العلاج بالصدمة هو من أقسى الحلول الاضطرارية حين لا يكون من حل سواها.

لقد عرفنا نحن الصدمات من كثرة ما مرت بنا، وكان من فرط ما ألفناها فقد أدمناها.. والإدمان، في كل حالاته، هو وضع مرضي له نتائجه المرضية الأخرى، ونحن مرضى يا قارئي الكريم.

نحن مرضى لأننا ضحايا خوف جعلنا دائماً نعصب أعيننا ونسد آذاننا ونعطل شمَّنا عن كثير كان يوجب أن نُصدَم به وأن نرجّ خوفنا ونحرّك سكوننا ونغير قناعات الخوف، ولكن لم نفعل لأننا مرضى.

كنا دائما نخاف من ماضٍ أسود فاضطررنا إلى القبول بيوميات أكثر سواداً وأشد حلكة.

كنا دائما نخاف من أن تتسع دائرة العنف فأُرغمنا على التعايش مع تنامي العنف وتوسع دوائره.

وكنا دائماً نخاف على ما أتيح لنا من حريات، وها نحن نحيا على قضم متواصل لما تبدى لنا على أنه حريات.

نحن نحيا في أوهام الحرية، والوهم سجن للعقل والمشاعر والعواطف.. نحن في سجن الحرية، يا قارئي الحر.

لقد قبلنا بالفساد أو صمتنا عليه. حسِبنا أن الفساد سلوك يتجه فقط نحو الأموال لنهبها، وحسبنا أن التهاون معه، مع هذه الوفرة المادية التي طمأنت حاجاتنا الصغيرة وتركت المليارات للحيتان، هو مما لا بد منه ليستمر هؤلاء في (حمايتنا) من إرهاب لا يرحم ولمواصلة بناء ديمقراطية بدأت شوهاء، حتى صدمنا في الرابع عشر من رمضان بما فعله الفساد، نعم الفساد لا القاعدة، في سجني التاجي وأبي غريب، لم يصدمنا الفساد وها نحن نُصدَم بنتائجه. إنه الخوف، خوفنا، يا قارئي، الذي نميناه لنحافظ على الأوهام، فرحين بالقليل الذي أُلهينا به ووجلين من أن نفقده، هذا هو الخوف الذي يسوّغ كل شيء ويبرره.

كان كل شيء فاسداً، من بناء مجلس الحكم إلى أربعة انتخابات مرت من دون قانون للأحزاب، إلى برلمان يشرع امتيازاته بنفسه بلا خجل ولا وجل ولا حياء، إلى سلطات تحصن نفسها وتحمي عوائلها وتترك شعباً كاملاً عاري الصدر أمام الرصاص والمفخخات والنيران، إلى جيش وشرطة يقبض الرواتب ويتمتع قادته بأعظم الامتيازات في ظرف السلام، ويتركوننا ويرمون بأسلحتهم في لحظات المواجهة التي كانوا قد قبضوا كل شيء من أجلها، إلى وزراء ينهبون المليارات ثم يختفون اعتماداً على امتياز الجنسية الثانية، إلى….

الحرية شرط متكامل لا يقبل التجزئة. لا يمكن أن تكون حراً لمجرد قدرتك على شتم الحكومة، بينما أنت تهان حين تسهو وتواصل مكالمتك الهاتفية عند نقطة تفتيش، لا عمل لجنودها وشرطتها سوى مواصلة مكالماتهم الهاتفية، مكالمات لا تنتهي.

أنت لست حراً، أيها القارئ الكريم، ما دامت شتائمك لم تحرك شيئاً، وما دامت الحكومة والبرلمان وكل رجال العملية السياسية لهم القدرة على مسح شتائمك كما يمسح سكير جبان بصقة عن جبينه، إنهم يواصلون بعدها الضحك على الباصق، عليك وعليَّ وعلى شتائمنا العاجزة.

أنا مثلك، يا قارئي، عاجز، وكلانا مثل سوانا بهذا العجز. نحن تربية خوف.

نحن يا عزيزي، ومعنا شتائمنا وأمننا وخوفنا وحريتنا والإرهاب والموالون والبعث والمعارضون والفساد ومدننا وثرواتنا وبلدنا، رهائن.

نحن رهائن إرادات نتقابل بموجبها، أنت وحريتك الموهومة، وأنا وخوفي، والأمن والقاعدة، والفساد والشتائم..، من أجل إدامة حال لا تدوم من دون هذه التقابلات.

بموجب هذه التقابلات المريعة نحن نمنحهم ثقتنا، لا خيار لخائفين سوى القبول بهذه المقايضة.

وحده حادث التاجي وأبي غريب قد يدفع بنا إلى التساؤل عن مبرر هذه المقايضة، عن مبرر الثقة الخائفة، عن مسوِّغ الحرية في سجن، سجننا لعقلنا ومشاعرنا وعواطفنا في دائرة ضيقة سوداء، دائرة الثقة بمن لا يستحق الثقة.

ولكن..

هي ليست إلا أيام ستمر، لننسى بعدها كل شيء، فنعود مطمئنين وواثقين وحالمين بغدٍ ربما يكون أكثر سلاما وحرية وأماناً.

نحن أسارى الخوف، يا قارئي الشجاع.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here