سالم مشكور
منذ صغري وانا أسمع والدي يدعو في صلاته: “اللهم اناّ نرغب اليك في دولة كريمة “. عندما كبرت ودرست العلوم السياسية تعلمت ان الدولة هي أكبر من السلطة. هي مجموع السلطة والشعب والارض والسيادة، وان السلطة الناجحة هي التي تؤمن الاستقرار والرخاء والامن للناس ليعيشوا في دولة كريمة. وحتى تستطيع السلطة ان تؤمّن كل ذلك عليها ان تكون منسجمة متماسكة قوية ، اي حكومة تعيش حالة استقرار سياسي .
في حديث له بث مؤخرا ، تحدث رئيس الوزراء عن واقع العراق اليوم، وقال عن الامن بأنه مرتبك بسبب غياب الاستقرار السياسي وهذا صحيح، فكلما توترت الساحة السياسية، واشتد التجاذب بين الفرقاء السياسيين ، ارتفعت وتيرة العمليات الارهابية. تحدث عن الثقافة وتراجعها فعزا ذلك أيضا الى غياب الاستقرار السياسي . الاستثمار أيضا متعثر والمستثمرون لا يثقون بالوضع بسبب غياب الاستقرار السياسي . ومن تابع حديث رئيس الوزراء لابد وانه خرج بإحباط كبير ويأس من تحسن الاوضاع .
الاحباط عندما يأتي بسبب غياب الاستقرار لا تبدو معه أية بارقة أمل. الاستقرار السياسي غائب بسبب طبيعة النظام السياسي المشوّه. نظام سموّه ديمقراطيا وما هو بالديمقراطي . قالوا ديمقراطية توافقية فابتدعوا في علم السياسة ما ليس موجودا. يوجد نظام توافقي وهو في الغالب فاشل ومقترن بالاضطراب السياسي الذي يعني غياب الاستقرار، فينعكس توقفا في عجلة التنمية وسوءا في الخدمات. التوافقية السياسية في بلد من لون قومي او طائفي واحد هي صعبة فكيف بها في بلد منقسم على ذاته بشدة. بلد جرى تلزيقه بالقوة في “سايكس- بيكو” ليلبي مصلحة بريطانيا حينها وليظل متفجرا لا يلجم تناقضاته الا دكتاتور، فيبقيها نارا تحت الرماد الى ان يزول فتنفجر في أبشع صورها. هذا لبنان الذي يعاني من الصراع الداخلي في ظل حكم “توافقي” منذ سبعين عاما . لم يشهد التوافق يوما بل الصراعات السياسية التي تنفجر أمنيا كل حين. حينما أطيح بصدام وبشّرونا بالتوافقية ، استشعرت الخطر ورأيته تكرارا لمأساة لبنان المستمرة . وهكذا كان .
عشر سنوات ونحن نفتقد الاستقرار. انقسام على كافة المستويات. لا بناء ولا إعمار بسبب غياب الاستقرار السياسي. لا أمن ولا أمان لان التوافق مفقود. وكيف يحصل توافق بين اطراف شديدة التباعد بينها، وسياسيون مستعدون للتضحية بكل العراق ارضاء لطرف اقليمي وسعيا وراء مصلحة شخصية؟. كيف يستقر بلد وصل فيه الجشع والطمع والحقد الى حد التعاون مع القاتل والمجرم نكاية بمسؤول يختلفون معه؟ اي عراق يمكن ان يستقر وسياسيوه بين قاتل ومخبول وفاسد وقلّة مخلصة لكنها لا تستطيع فعل شيء؟.
اي عراق يمكن ان يستقر والميليشات أقوى من السلطة ، تفرض اتاواتها وتقتل وتنهب وتهاجم الاماكن العامة . والانكى : تهاجم السجون وتطلق سراح المئات من المجرمين؟.
غابت الدولة بمعناها الاوسع . لاسلطة موحدة ومنسجمة ، بل “توافقية ” تمزيقية للسلطة ، فغاب الامن والبناء وحل الخراب والاحباط.
ونحن ما زلنا ندعو:”اللهمّ إنّا نرغب إليك في دولة كريمة..”.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here