علاء الرضائي /

التراكمات التاريخية والتقليد وفقدان مشروع ادارة الدولة والحياة، جعلتنا بين خيارين في تناول قضية الامام الحسين (عليه السلام) وعاشوراء، بأعتبارها أهم قضية في وجداننا الديني وحراكنا الاسلامي، فأما أن تقتصر في نظرتك الى الجانب المأساوي في الواقعة، بكل مصائبه وآلامه وتتعبد بالحزن والبكاء، واظهارهما بصنوف الوسائل والطرق، او تجعل الحدث منطلقاً للتحرك الذي يترك الجانب المأساوي ويركز على الأبعاد الفكرية والسياسية والحياتية لصياغة بيئة فكرية عقلانية تحقق اهداف التحرك الاسلامي..

والقراءتان لاتسمحان بخط ثالث يجمع بين مفرداتهما ويوالف بين الحزن المقدس من أجل التحرك الواعي، المنفتح على الآخر في سبيل انقاذه وانقاذ الأنا من براثن الانحطاط القيمي الذي سعت ثورة سيد الشهداء (عليه السلام) الى النهوض منه والخلاص من مستوجباته.. فدعاة المنهج الأول انغمسوا في الحزن والاقتصار على جلد الذات والنفور من البيئة العامة حتى راحوا يشككون بولاء خطاب التقريب ولم الشمل والتغيير، بل تحول هذا الجهد عند بعضهم الى خروج عن ثوابت المذهب في الاقتصاص من الأمة بسبب صمت اسلافها وتبانيهم مع الحاكم الجائر في صناعة الفاجعة.. أما المنهج الثاني فقد استغرق في نخبويته ومعالجاته العلمية والفكرية المجردة، حتى نسي ان هناك بعداً شعورياً وعاطفياً للحدث، هذا البعد الذي عمل على تحصين قيم ومثل الخط الذي يمثله صاحب الثورة وصانعها من الاندراس والاهمال، بل ضرب حولها طوقاً من التعاطف..

وكلاهما حسب اعتقادي لايمثلان الحالة الحسينية بشكلها الكامل وصورتها الناصعة.. لأن الشعور المأساوي سيعزز ويركز قبول الفاجعة والاستسلام أمام قدرها مالم يتحول الى فعل يمكنه ان يستجمع القوى الناهضة في كل الامة ويصيرها تياراً يجعل السيادة للقيم والمثل التي قتل من أجلها الحسين (عليه السلام) وصحبه الأبرار في أكبر مجزرة وفاجعة شهدها تاريخنا الاسلامي.

كما ان الغاء الجانب العاطفي سينتهي الى نوع من التحجر والصلف الفكري الذي يقطع الانسان عن جانب مهم في حقيقته الوجودية وهي المشاعر والعواطف التي تعتبر من أهم ركائز الارتباط والتواصل مع الآخر مهما كان الاختلاف معه في الفكر والعقيدة، وفق نظرية ” إما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق” او كما يقول الامام سيد الشهداء: إن لم يكن لكم دين فكونوا احراراً في دنياكم.

الأمة الاسلامية الغارقة اليوم في تطرفها وانغلاقها وتضييق دائرة التواصل بين ابناءها ومع الاخرين، ضمن أكثر من دائرة ومنظومة داخلية وخارجية، في أمس الحاجة الى استلهام الفكرة التي انطلق منها الامام الحسين (عليه السلام) في حركته الاصلاحية لواقع القيم التي سادت المجتمع آنذاك بعد مسيرة التحريف والانحراف التي اشتدت بعيد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتي بلغت ذروتها مع استيلاء بني أمية على الخلافة..

أكثر من ذلك، اننا اليوم في أمس الحاجة الى استعادة وعي ثورة كربلاء في أنفسنا وبيئتنا وعلاقاتنا.. بحاجة الى وعي الانفتاح والانفتاح الواعي على الآخر، مذهبياً ودينياً مسياسياً والبحث الدائم عن نقاط الالتقاء والتواصل معه والسعي لحل عقد التنافر التي راكمتها سنوات التصارع والتطاحن والتظافر المذهبي.. نحن بحاجة الى:

  1. التركيز على حرمة الانسان، اي كان انتماءه العقدي والفكري واتجاهه السياسي.. ووضع خطوط حمراء مقدسة يصعب تجاوزها تحت عناوين براغماتية زائفة.

  2. نبذ العنف وارجاع السيوف الى اغمادها في العلاقة بين المكونات والافراد، والى تقليل منسوب التعبئة والعسكرة والحلول الأمنية التي تنتهي الى مواجهات دموية.

  3. إظهار العلم النافع وعدم كتمان الشهادة في قول الحق وعدم السكوت عن الظلم في قراءة النصوص الدينية او السلوك والفعل القائم على تلك القراءات المتزمتة والمنحرفة.

  4. حل مشكلة الاستبداد والدكتاتورية في منظومة الحكم والسلطة بأعتبارها أساس ما ابتلينا به من قهر وفساد وتخلف وتبعية…

  5. اطلاق الحوار مع الخصوم والبحث عن نقاط اشتراك بدل التركيز على نقاط الاختلاف ومسببات التنافر والتباعد.. فالحسين (عليه السلام) سبق القوم الذين هبوا الى قتاله وقتله بأكثر من مشروع وخارطة طريق لحل الأزمة التي أصر أصحاب القراءة الواحدة أن يكون لها مسار واحد وهو النزول على حكم الأمير والبيعة للطاغية… فكان رد الحسين (عليه السلام) مدوياً: ومثلي لا يبايع مثله!

  6. التعامل العلمي مع المرجعيات الفكرية والعلمية والروحية التي تتحرك في دائرة النص الديني والموروث المقدس، لكي لاتتحول الى سلطة مطلقة ترتكز على الماضي وتمنع الامة من التواصل مع الحاضر والمستقبل، كما في القراءة السلفية.

الحسين (عليه السلام) نهج في الحياة، فلو كانت هناك أمة تؤمن بالمثل التي قاتل من أجلها وقدم روحه وارواح أهل بيته واصحابه فداء لها، لما ابتلينا اليوم بعصابة تمثل نهاية التخلف والانحطاط الفكري والروحي والاخلاقي في تاريخ الأمم.. لما ابتلينا بـ”داعش” هذه البضاعة البائسة التي قدمناها للبشرية في عصر غزو الفضاء والتواصل المجتمعي والقرية الكونية..

كان علينا ان ننشر الحسين (عليه السلام) لا أن ننغلق اكثر على انفسنا بممارسات تزيد من النطواء، لأن عاشوراء ليست ملكاً لأحد ولا لطائفة دون أخرى..

الحسين (عليه السلام) صوت الفطرة والحق وأنشودة الاحرار وأغنية الثوار من المعيب أن نحاصره ببضعة طقوس ونحجب انواره عن العالمين وهو الذي يمثل طموح التحرر والانفتاح.. “والله لا أعطيكم بيدي أعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد” ..

الحسين الذي تعتبر الصحوة الاسلامية المعاصرة واحدة من تجليات وعي واستفهام ثورته، كما عبر الخميني الكبير(رض): ” كل ما لدينا من عاشوراء”.. يمكن أن يشكل الحل لواقعنا، بشرط استعادة وعي الحدث والفكرة والغوص الى اعماقها لا الاكتفاء بالدوران على السطح وبين رغوة الزبد!

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here