محمد غازي الاخرس /

 

 رائع هو الخبر الذي قرأته مؤخرا وعظيم الدلالة؛ السلطات النمساوية تقرر وضع نصب فني يمثل الهاربين من الجيش النازي أثناء الحرب العالمية الثانية، نصب يعيد إلى الأذهان جزءا من ذاكرة الماضي المنسي حين أجبر هتلر النمساويين على الالتحاق بجيوشه رغم أنوفهم فكان أن رفض الآلاف ذلك القرار وفروا من الحرب. كانوا “فراريه”، كما نسمي أمثالهم من بني جلدتنا ومقاومين لثقافة الموت المتفشية آنذاك حيث الهرب والمغامرة بتلقي أقسى العقوبات يعد نوعا من أنواع التمرد الاجتماعي التي عرفتها شعوب عديدة. والملاحظ هنا أن هذا الهرب يظهر دائما في الحروب الظالمة التي يوقدها الطغاة ليستعبدوا بها الشعوب الأخرى، في وقت يمكن أن نرى ظاهرة مناقضة في الشعوب التي تتعرض للعدوان فيتطوع الآلاف دفاعا عن وجودهم.

حين قرأت الخبر تخيلت نصبا مماثلا في بغداد يرمز لمن قاوم حروب صدام الكارثية وهرب من جبهاته، لا خوفا من الموت، ولكن رفضا لثقافة العنف العدمية التي لم تبق ولم تذر. كنا قد تحولنا في تلك السنوات إلى وقود يغذّي تنور الحرب الذي لا يشبع، وكان “الفراري” من آبائنا وأخوتنا يعدم فورا إذا أمسكوا به “قابضا”، وقد يخفف الحكم إذا سلّم نفسه “نادما”. والمصطلحان شاعا في عراق الثمانينيات حتى أنهما دخلا في لغتنا ككناية لطيفة عمن يغيب طويلا عن أنظارنا ثم يظهر برفقة أحدهم، وهنا يقول هذا الـ”أحدهم” – هذا فلان.. أخيرا جبناه قابضا! نعم، الظواهر التي ارتبطت بهذه الشريحة أكثر من أن تعد في مقالة كهذه، ومنها أن السلطة كانت تأخذ من ذوي المعدوم ثمن الرصاص الذي أطلق عليه تنكيلا بسمعته وسمعة أهله وإرهابا لكل من يحاول الاقتداء به. وتلك الممارسة لعمري غاية في القسوة والرعب ويماثلها منع الأهالي من إقامة العزاء على المعدومين إذ يكتفون بإقامة ما نسميه “الاستخلاف”، أي استقبال المعزين في البيت من دون أي طقوس اجتماعية أو دينية معتادة. أما في الجبهات فكانت ثمّة تشكيلات خاصة وظيفتها إعدام “الفارين” من القتال أثناء الهجومات، وكان أعضاء هذا التشكيل يضعون يشامغ حمراء فوق رؤوسهم وعادة ما يتواجدون في الخط الخلفي لاصطياد الهاربين. في هجوم هور الحويزة ١٩٨٥ مثلا، كنا قررنا الهرب، لكننا لم نرجع إلى الخلف بل هرعنا نركض في “سرسوحة” الساتر الترابي يسارا كون الهجوم كان من جهة واحدة. والنتيجة أننا نجونا من كتيبة الإعدامات المرعبة. غير أن تلك الكتائب اصطادت المئات بل ربما الألاف في سنوات الجمر تلك، ومن بين أولئك شاب أسمر وسيم اسمه منصورعرفناه كأشهر لاعب كرة قدم في منطقة جميلة الثانية، لذا ضجت المنطقة بخبره واسودّت الوجوه حزنا عليه.

ما أتذكره في تلك الفترة أيضا أن “الفرارية” أو “الفرار” كان يعمد للاختباء في بيت قريب لهم وعدم الخروج مطلقا، فالـ”علّاسة” كثر وتقارير الرفاق تحتاج لمثل تلك الاخباريات دائما. لذا كان صاحبنا يحرص على البقاء داخل غرفة معينة كالسجين، فإن أراد الخروج لأمر ما تدبّر ورقة إجازة مزوّرة تسمّى “نموذج” أو “عدم تعرض” ثم انسل في الليل لشأنه كي لا يراه الجيران. كان من المعتاد في تلك الحالة أن يقضي يومين أو ثلاثة عند أهله بوصفه مجازا قبل أن يعود لمخبئه حاملا معه “كلوس جكاير” مثلا أو أي حاجات أخرى. الطريف أن العارفين بأمر هذا “الفرار”، من الدائرة القريبة، قد يتبرعون له بسجائره أو بعض مصروفاته كونه شبه سجين في ملاذه الآمن. أما الأهل فكانوا يتصرفون وكأنه في الجبهة ويشيعون ذلك إبعادا لأي شبهة لدرجة أنهم قد يتصنعون القلق عليه أمام الجيران.

ذكريات لا تنسى لعلي أعود لاستكمالها لاحقا، فانتظروني لا بارك الله بتلك الأيام.

1 تعليقك

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here