كنوز ميديا / متابعة  – قبل ان ندخل في تفاصيل موضوعنا عن خطف الأطفال والاتجار بالبشر لابد لنا من تعريف الاتجار بالبشر والذي يعني عملية توظيف أو انتقال أو نقل أو تقديم ملاذ لأناس بغرض استغلالهم. والاتجار بالبشر عملية تتضمن أعمالاً غير مشروعة كالتهديد أو استخدام القوة وغيرها من أشكال الإكراه أو الغش، كما يتم هذا الاستغلال من خلال إجبار الضحية على أعمال غير مشروعة كالبغاءأو على أي شكل من الأشكال المقاربة للعبودية.

واتذكر تصريحا لضابط كبير في العام 2011 قال “لقد قبضنا على 12 عصابة تتاجر بالبشر وتبين انه يتم بيع وتهريب نحو 150 طفلا سنويا” ، هذا كان في العام 2011 فكيف الحال الآن بعد زيادة الفوضى في العراق وارتفاع خط الفقر .

حسنا ، لندخل في تفاصيل موضوعنا ونقول ان الإحصائيات تشير إلى أن تجارة الأطفال على مستوى العالم تصل إلى 1.2 مليون طفل، وهم يشكلون مادة تجارة الرقيق سواء باستخدامهم للتبني أو في أعمال السخرة والاستغلال الجنسي، وتجارة الأعضاء البشرية، وتؤكد الإحصائيات أن شبكات التجارة بالأعضاء البشرية تزهق سنويا أرواح آلاف الأطفال سواء بالقتل العمد أو خلال إجراء عمليات جراحية لنزع بعض أعضائهم في ظروف لا تتوفر فيها الشروط الدنيا للسلامة.

ويدرّ الاتجار بالبشر مبلغًا يقدر بـ 9.5 بلايين دولار في السنة، ما يجتذب عصابات الجريمة المنظمة، ويؤدي إلى تفشي الفساد على نطاق عالمي، والأرباح المتأتية من الاتجار تغذّي أنشطة جنائية أخرى.

ومن بلد إلى بلد تختلف شروط الظاهرة وتتشعب حسب مقتضيات الواقع الاجتماعي، فالفقر وانتشار مافيات الدعارة والتهريب والفساد الإداري كلها عوامل مساعدة لتفاقم هذه المأساة، بل إن بعض الشبكات تستفيد من الظروف القاسية في بعض الدول وتقوم بتوسيع نشاطها، في ظل غياب القانون أو ضعفه، كما أنه على المستوى العربي لا تكاد توجد أية سياسة جماعية لمحاربة تهريب الأطفال والاتجار بهم، باستثناء بعض الاتفاقيات الثنائية التي تبقى في العموم حبرا على ورق.

لجنة حقوق الإنسان :

الدكتورة سلامة الخفاجي، عضو مجلس المفوضية العليا لحقوق الانسان قالت : صدر قانون عراقي يمنع الاتجار بالبشر تماشيا مع مبادئ حقوق الانسان . ولقد منع القانون الاتجار بالأطفال او استغلالهم جنسيا . وكذلك فان الشرائع السماوية حرمت ذلك . اما بالنسبة للعراق فقد شكلت لجنة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء قامت بتوزيع المسؤوليات على الجهات المعنية للتصدي لهذه الانتهاكات في حال حصولها او العمل على منع حدوثها في المجتمع . ان بيع الأطفال عادة مايكون بسبب العوز المادي ، وهنا يبرز دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية بضرورة توفير مأوى لمثل هؤلاء الأطفال وانتشالهم من ذويهم . كذلك لابد ان يكون هناك مورد كاف للعائلة يساعد على سد رمقها كما نحتاج الى تثقيف المجتمع بالعقوبات الصارمة لهذه الظاهرة.

 

وفي العراق فإن ظاهرة بيع الأطفال واحدة من أفظع الظواهر الطارئة ، وتنتعش عصابات الاتجار بالوضع العاصف الذي يمر به المجتمع العراقي، ونجد في ارتفاع نسبة الأيتام والأرامل في العوائل الفقيرة أرضية خصبة للانتشار على نطاق واسع، يساعدها في ذلك تفشي ظاهرة الفساد الإداري في أغلب مؤسسات الدولة.

ويبدأ التغرير بالأطفال، وتجنيدهم للعمل، عبر طرق مختلفة، وتتراوح أساليب شرائهم بين الاختطاف المباشر وبين الحصول على موافقة الطفل، أو أهله، وعدد كبير من الأطفال هم ضحايا الخداع.

وكانت منظمة اليونيسيف قد قدرت عدد الأيتام في العراق بين 4 – 5 ملايين طفل وأكثر من مليون ونصف المليون أرملة. وذكرت المنظمة أن أغلب هؤلاء الأطفال الأيتام يعيشون في مستوى متردٍ يصل إلى الحد الأدنى من مستوى المعيشة. ومع استمرار دوامة العنف في البلاد تتزايد أعداد الأيتام يوماً بعد آخر.

لكن … تعالوا نستمع الى بعض حكايات الأُسر العراقية عن هذه الظاهرة :-

ففي حادث مأسوي، تخلصت انوار “18سنة ” من طفلها ذي العشرة ايام ، تركته في الشارع لأنها جلبته عن طريق غير شرعي من شخص تخلى عنها بعد حملها. انوار تزوجت رجلا هجرها بعد اشهرعدة بعدما اكتشف أنها ليست عذراء ثم أنجبت طفلها في غياب الأب ، وبعد أن بحثت عن فرصة عمل في الكثير من المحافظات ،كان الفشل هو نصيبها بسبب وجود الطفل معها ، وتضيف “البحث عن عمل بوجود طفل صعب لان الذي يريدني للعمل يرفض اصطحابه معي ويخبرني ان العمل لايحتاج الى اطفال ” فألقيته بجوار احد المستشفيات “!

ضاقت بها الدنيا :

ربما لم تكن أنوار افضل من غيرها ، ولا أكثر رحمة بابنها من ابتسام ، فبعدما ضاقت بها الحال وتعبت من رعاية ابنها الذي لم تستطع الاهتمام به ألقته على باب احد المستشفيات وراحت إلي حال سبيلها . وحسبما أشار المعاون القضائي علي صالح في تصريح قائلاً: ان طرقنا القانونية في العراق معقدة وتحتاج الى جهود حثيثة لتغييرها لان هذا الطفل سيحتاج الى امر قضائي ومركز شرطة لإيداع الطفل في دور الدولة للأيتام وحتى اذا طبقت القوانين الجديدة لمحاسبة من يقوم بهذه التجارة فان هناك مع الاسف من يتعاون مع هؤلاء السماسرة مقابل الحصول على المال كما ان الوضع الأمني والمشاكل التي يمر بها العراقيون كانت حافزا لبعض العوائل لبيع أطفالهم خوفا عليهم من الموت او حتى القتل .

نموذج آخر من الأمهات ذوات القلوب الحجرية ، فكيف يمكن ان تقوم من حملت طفلها في أحشائها بعرضه للبيع من اجل شراء بيت تجاوزعشوائي بـ 3 ملايين دينار لاحد المتجاوزين ايضا في منطقة الحسينية لإيواء إخوته ولم تكن تبالي بكل صرخاته عندما اخذ منها ليكون مشروعا استثماريا للشخص الذي قام بشرائه .حكايات مؤلمة ضحاياها أطفال أبرياء لم يكن ذنبهم إلا أنهم جاؤوا الى حياة يجهلون مصيرهم فيها بسبب ذويهم ليروا انفسهم عندما يكبرون فاقدي الأهل والنسب وحتى الاستقرار العائلي .ففي بعض المناطق خصوصا التي يقطنها المتجاوزون تكثر ظاهرة بيع الأطفال وحتى يوجد سماسرة لها فكيف يمكن ان يقوم الذي يحاول عقد صفقة بيع طفل رضيع لسيدة عاقر فارشد عن الأم التي هي تبيع أطفالها من اجل الحصول على المال لأنها فقدت زوجها قبل سنوات عدة في تفجير انتحاري في منطقة الصدرية فقد كان يبيع الخضار والفاكهة ولم يكن هذا الطفل الاول الذي تبيعه انما قامت ببيع بنت عمرها 4 سنوات لأسرة تريد تربيتها مع أولادها الذكور .

لايوجد أب ولا شهادة ميلاد :

اما سعاد ‏البالغة‏ ‏من‏ ‏العمر‏ 32 ‏عاما‏ ‏فتحكي‏ ‏قصتها‏ ‏قائلة‏: ‏حملت ‏من شخص ‏وهو‏ ‏في‏ ‏نفس‏ ‏عمري‏ ‏تقريبا‏ ‏وكان‏ ‏يسكن‏ ‏بالقرب من بيتنا ‏ ‏وبعد‏ ‏ان علم باني حامل ‏بشهر‏ ‏واحد‏ ‏ تركني‏ ‏. وبعد‏ ‏أن‏ ‏أنجبت‏ ‏‏ ‏لم‏ ‏أستطع‏ ‏استخراج‏ ‏شهادة ‏ميلاده ‏لعدم‏ ‏وجود‏ ‏الأب‏, ‏فاقترح‏ ‏علي‏ ‏زوج‏ ‏اختي ‏ ‏بيعه ‏ووعدني‏ ‏أن‏ ‏من‏ ‏يشتريه‏ ‏سيستخرج‏ ‏له‏ ‏شهادة‏ ‏ميلاد‏. ‏ ‏ولسوء‏ ‏أحوالي‏ ‏المادية‏ ‏بعته ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏وعدني‏ ‏السمسار‏ ‏الذي‏ ‏اشتراه‏ ‏بأنني‏ ‏سأراه‏ ‏في‏ ‏الوقت‏ ‏الذي‏ ‏أريده‏, ‏لكنه ‏لم‏ ‏يف‏ ‏بوعده‏ ‏.

ويؤكد أحد المتورطين في تجارة تهريب الأطفال العراقيين في تصريح سابق أن “تهريب الأطفال من العراق هو أرخص وأسهل من أي مكان آخر بسبب استعداد بعض الموظفين للمساعدة في تزوير الوثائق مقابل المال ، ونقوم بدراسة الظروف المعيشية لأية عائلة قبل أن نتفاوض معها وحين نشعر أنها تعاني من البطالة ولا تقوى على إطعام أطفالها نتصل بها على أساس أننا عمال إغاثة ونعرض عليها شراء أطفالها بعد أن نحظى على ثقتها ونقدم لها بعض الطعام والملابس”.

علماء الاجتماع :

ويرى علماء ‏الاجتماع‏ ‏ ‏أن‏ ‏”هذه‏ ‏الظاهرة‏ ‏نتيجة‏ ‏لأمرين‏ ‏أولهما‏ ‏يرجع‏ ‏للمناخ‏ ‏الاقتصادي‏ ‏بشكل‏ ‏عام‏ ‏ووجود‏ ‏الكثير ‏من‏ ‏السكان‏ ‏تحت‏ ‏خط‏ ‏الفقر‏ ‏ ،‏ فالجوع‏ ‏القاتل‏ ‏وظروف‏ ‏الحياة‏ الصعبة ‏ ‏‏للأسر‏ ‏قد‏ ‏تدفعها‏ ‏للتخلي‏ ‏عن‏ ‏أي‏ ‏شيء‏، ‏وتقوم‏ ‏حتى‏ ‏ببيع‏ ‏أبنائها ‏وقد‏ ‏تنظر‏ ‏الأم‏ ‏الى‏ ‏راحة‏ ‏ابنها‏ ‏وأنه‏ ‏ستتم‏ ‏تربيته‏ ‏بشكل‏ ‏أفضل‏ ‏وفي‏ ‏جو‏ ‏آمن‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏شبح‏ ‏الفقر.

حيث أشار عبد الزهرة الـ(ماجد) في تصريح ان الظروف الاجتماعية والاقتصادية أسباب كافية تجعل بعض العوائل او حتى النساء يقمن ببيع أطفالهم من اجل الحصول على المال لإنفاقه في شراء ارض او حتى سيارة وهناك من قام ببيع أطفاله لتجار التسول مقابل الحصول على راتب شهري لكن الإقامة تكون عند التاجر . أمور كثيرة وصعبة تخلق وضعا خطيرا وكبيرا اذا لم يعالج الفقر والعوز .

ويقول مسؤولون وهيئات إغاثة إن الفساد المالي والتهاون في تطبيق القانون وسهولة اختراق الحدود العراقية تظافرت كلها لتفاقم أزمة الاتجار بالأطفال العراقيين ما يؤدي إلى خطف أعداد كبيرة منهم سنويا وبيعهم خارج العراق أو داخله، وإن العصابات الإجرامية تحقق أرباحا كبيرة رغم الأسعار الرخيصة للأطفال وسهولة نقلهم خارج البلاد وهو أمر يصفونه بالسهل نسبيا .

وهيئات الإغاثة تقول انه من الصعب تحديد الحجم الحقيقي لهذه التجارة لغياب نظام مركزي لجمع البيانات حول هذا الموضوع، أما البلدان التي يباع فيها هؤلاء فهي في بعض دول الجوار وكذلك بعض البلدان الأوروبية كسويسرا وأيرلندا وبريطانيا والبرتغال والسويد.

وخلال مفاوضات هذه العصابات المتخصصة بخطف الأطفال مع العائلات يقوم أعضاء عصابة التهريب بإعداد الوثائق الثبوتية من شهادات للميلاد وتغيير للأسماء والعناوين وإضافة للطفل إلى جواز الوسيط أو أي شخص آخر يتم التعامل معه لأخذ الطفل إلى خارج العراق, خصوصا إلى دول الجوار ومن هناك إلى أوروبا وبعض دول الشرق الأوسط.

يوفرون لهم كل مايحتاجون :

احدى الأمهات كانت تذرف الدموع وهي تحاول ان تسرد حكايتها عن بيعها طفلين ، لأنها أرادت الزواج وستر حالها على حد تعبيرها لان زوجها الثاني كان الشرط الذي فرضه عليها ان يبيع أولادها او ان يستغلهم في التسول فوافقت هي على ان تبقى على مقربة منهم . وأكدت أنها ليست نادمة على فعلتها رغم تقاضيها مالا أقل مما وعدها به الوسيط لتؤمن لزوجها الثاني كشكا لبيع المأكولات ولم تستطع الحفاظ عليهم او الاهتمام بهم لان ظروف الحياة صعبة .

واخيرا وحسبما تناقلته المنظمات الدولية والأبحاث والتقارير حول مايمكن ان يسبب الضجة التي تنفجر من حين إلى آخر حول ظاهرة بيع الأطفال سرعان ما تخبو لتتراكم آلاف القضايا سنويا يضيع خلالها مصير مئات الآلاف من الأطفال عبر العالم ، جانب كبير منهم في الدول العربية، ورغم ما يزعم من اتخاذ إجراءات للردع أو حملات للتوعية، فإن شيئا من التحسن لم يتحقق، بل ازداد الأمر سوءا خلال الفترة الأخيرة، ولم يعد خطف طفل بالإكراه أو التحايل من طرف شبكات التهريب المنظمة تمهيداً لبيع أو استغلال، أمرا مثيرا، كما لم يسفر انكشاف أكثر من فضيحة أي انحباس فعلي للظاهرة، أو حتى التقليل منها ولملمة جراح ضحاياها.

نقول … مثلما انتشرت هذه الظاهرة في البلدان الاخرى كذلك كان وما يزال الحال في العراق حيث ازدادت هذه الظاهرة مع فقدان الأمن ومع زيادة حالات الفقر ومع انعدام الرقابة في الحدود التي يسهل من خلالها تهريب الأطفال والاتجار بهم ، واذا ما سأل بعضكم عن الحل المناسب لهذه الظاهرة نقول انها تكمن في تحسين الوضع المعيشي للعائلة العراقية وفي تشديد العقوبات على تجار البشر وايضا على تشديد الرقابة على منافذنا الحدودية ، وبدون ذلك سيرتفع عدد تجار البشر كما سيرتفع عدد الأطفال الذين يتم تهريبهم الى الخارج بكل سهولة.

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here