ماجد حاتمي /

لا يحتاج الانسان العربي والمسلم لعناء كثير ليقف على الكارثة التي حلت بالعالمين العربي والاسلامي جراء الحكم العثماني الذي استمر قرابة 600عام وبالتحديد منذ حوالي 27 تموز / يوليو سنة 1299 حتى 29 تشرين الاول / أكتوبر سنة 1923، ويكفي ان يتصفح بعض اوراق من تاريخ هذه الدولة، ليعرف ان كل المأساة التي يعاني منها العرب والمسلمون اليوم تعود جذورها الى تلك العقبة المظلمة من التاريخ.

من بين الكم الهائل من السلبيات التي امتاز بها الحكم العثماني ، سنتوقف امام ثلاث سلبيات فقط ، الاولى الشوفينية ، التي انشبت اظفارها في اعماق الروح العثمانية ، التي كانت تنظر الى كل العرب والمسلمين من غير الاتراك ، نظرة دونية ، والثانية الطائفية التي طبعت تاريخ الدولة العثمانية منذ يوم تأسيسها حتى يوم زوالها ، والثالثة الاستبداد.

هذه السلبيات الثلاث ، الى جانب الكم الهائل من السلبيات الاخرى ، هي التي ميزت الدولة العثمانية عن غيرها ، وهذه الميزة تناولها المؤرخون وعلماء الاجتماع والمفكرون والادباء والشعراء العرب ، بالنقد والتحليل على مدى قرن من الزمان ، كما انها تحولت الى مادة دسمة للفنانين والمسرحيين والسينمائيين العرب ، الذين انتجوا مئات الاعمال الفنية ،  تناولت تلك الحقبة من تاريخ الشعوب العربية تحت الاحتلال العثماني ، وما جره هذا الاحتلال من كوارث ومصائب على هذه الشعوب التي لم تتحرر من تبعاتها بعد.

بعد مرور كل هذه الفترة الطويلة على سقوط الدول العثمانية ، اخذنا نسمع هذه الايام خطابا قادما من صوب تركيا ، يشبه الى حد كبير الخطاب العثماني القديم ، الذي اعتقدنا انه دفن تحت ركام الدولة العثمانية التي انهارت تحت وقع فسادها وخطابها الشوفيني الطائفي ، قبل ان تنهار تحت وطأة مدافع الحلفاء ، وهذا الصوت ما هو الا صوت رئيس جمهورية تركيا ، الجمهورية التي تعتبر الوريث الشرعي للدولة العثمانية ، رجب طيب اردوغان ، الذي لم يعد بامكانه كما في السابق ان يخفي نزعته العثمانية ، فالازمة السورية دفعت الرجل ليتحدث على المكشوف.

السلبيات الثلاث التي اشرنا اليها ، والتي طبعت الحكم العثماني ، طفت مرة أخرى على السطح وبشكل لافت في خطاب اردوغان ازاء الازمة السورية وموقفه من مصر والقضايا الداخلية والاقليمية ، فالروح الاستعلائية العثمانية لدى اردوغان يمكن تلمسها وبشكل واضح ، من خلال تعامله مع الاحداث الداخلية لمصر ، فالرجل تعامل مع التطورات التي جرت في اكبر بلد عربي كمصر ، كما يتعامل سلطان عثماني مع ولاية تابعة له ، وآخر هذه المواقف الاستعلائية كان خطابه الاخير في  الجمعية العامة للامم المتحدة.

 

اما الروح الشوفينية فقد بدت بأبشع صورها ، في موقف اردوغان من مدينة كوباني ، التي يحاصرها التنظيم التكفيري الارهابي “داعش” منذ اكثر من شهر ، من الشرق والغرب والجنوب ، فالرجل لم يقدم اية مساعدات حتى انسانية للمقاتلين الكورد واهالي المدينة المحاصرين فحسب ، بل اغلق عليهم الجهة الشمالية للمدينة التي تقع على الحدود مع تركيا ، كما رفض السماح لكورد تركيا ولا لشباب كوباني الذين خرجوا منها للدخول الى المدينة لمساعدة اخوانهم ، ورفض ايضا نقل اية اسلحة يمكن ان ترسلها جهات دولية اخرى عبر الاراضي التركية الى كوباني ، بل تصدى وقمع كل المحاولات التي قام بها الشباب الكورد للدخول الى المدينة من الجانب التركي وسقط جراء هذه المواجهات العديد من القتلى والجرحى.

اما الدليل الذي يقدمه اردوغان لتبرير موقفه اللانساني إزاء مأساة كوباني ، هو ان وحدات حماية الشعب الكوردية التي تقاتل “داعش” في كوباني هي الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكوردي السوري ، وهذا الحزب وفق رؤية اردوغان قريب من حزب العمال الكوردستاني التركي ، بالتالي لا فرق  بين “داعش” وحزب العمال الكوردستاني فكلاهما تنظيمان ارهابيان!!.

موقف اردوغان هذا يأتي في الوقت الذي تجري حكومته منذ سنتين مفاوضات سلام مع حزب العمال الكوردستاني ، الذي وافق على الخطوط العامة للمفاوضات ولم تحصل اية مواجهات عسكرية بين الجيش التركي ومقاتلي حزب العمال الكوردستاني منذ سنتين ، كما ان من الصعب على اردوغان ان يقنع احدا ، غير اعضاء حزبه ومناصريه ، من انه لا فرق بين “داعش” وحزب العمال الكوردستاني.

اما الروح الطائفية ، فكانت اكثر بروزا في شخصية اردوغان ، الذي وضع جانبا تلك اللغة الدبلوماسية التي حاول ان يتطبع بها في السابق ، فكشف عن حقيقته من خلال خطابه العثماني الطائفي ، وهو يصف بأبشع العبارات الطائفية الحكومة العراقية ، ويفتح ابواب انقرة لكل المطلوبين للعدالة العراقية من الارهابيين والتكفيريين والمجرمين على انهم “معارضون سنة ” “مضطهدون سنة” على يد “الحكومة الشيعية” في بغداد.

اما عداءه للحكومة السورية التي يصفها ب”العلوية” !!، فسقطت آخر اوراق التوت من على عورة اردوغان الطائفية ، فانكشفت عثمانيته بكل تجلياتها الشوفينية والطائفية والاستبدادية ، ففي الوقت الذي يحاول العالم وقف سرطان “داعش” الذي يهدد الجميع ، نرى اردوغان يشترط على العالم من موقع السلطان العثماني المستبد ، اقامة منطقة حظر جوي و منطقة عازلة على طول الحدود السورية و تدريب مقاتلي المعارضة ومحاربة الحكومة السورية ، قبل تقديم اي دعم لمحاربة “داعش” !! ، بينما التنظيم الارهابي اصبح جارا لتركيا حيث لا تفصل بين دبابات اردوغان ، التي تقف بشكل استعراضي على بعد مئات الامتار فقط من مقاتلي “داعش” الذين يحاصرون الى جانب الجيش التركي كوباني!!.

ان منطقة الشرق الاوسط مقبلة على تطورات في غاية الخطورة ، بسبب السياسة غير المسؤولة واللانسانية للرئيس التركي رجب طيب اردوغان ، المسكون بالطائفية والشوفينية والنزعة الاستبدادية ، ففي الوقت الذي يعيش وهم بعث امجاد الدولة العثمانية !! ، تؤكد كل الوقائع على الارض ان الخطر اصبح محدقا بتركيا نفسها، التي تمكن السلطان وحيد الدين آخر سلاطين العثمانيين، من انقاذها من التشتت والانهيار، عندما اوقف زحف قوات الحلفاء الى الاستانة بتوقيعه على معاهدة مودروس ، التي انسحبت تركيا على اثرها من الحرب العالمية الاولى ، لذا على اردوغان ان يكون على الاقل بذكاء السلطان وحيد الدين ، وان يكف عن احلامه العثمانية، وان يعيش الواقع ويحافظ على تركيا بحدودها الحالية.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here