وفيق السامرائي /

 حالة التنافر بين المحافظة والمركز وبين المحافظ وقيادة العمليات ساهمت في سقوط الموصل، خارج الحسابات المفترضة. وفي 8 يناير (كانون الثاني) 2014، نبهت من خلال «قناة البغدادية» إلى أن الوضع الأمني إذا ما تدهور في الموصل فسيكون أصعب 100 مرة من الوضع في الأنبار. وفي 7 يونيو (حزيران) 2014، ذكرت في قناة «العربية الحدث» أن الموصل «ستسقط بأسرع من البرق» إذا ما سُحبت قوات الأمن، وهو مطلب كان مطروحا من قبل مسؤولين محليين. وبعد ثلاثة أيام، وقعت الواقعة فعلا، بنكسة أمنية كبيرة.

الاستهانة بقدرات العدو قد تتسبب في التراخي في تهيئة عناصر النجاح، مثلما يؤدي تضخيم قدرات العدو إلى إحباط المعنويات أحيانا والتردد في اتخاذ قرارات حاسمة، ومن ثم، فإنهما قد يكونان متساويين في التأثير السلبي. ولا أظن أن العراقيين كانوا مغرورين بقدراتهم، ولم تكن حساسية الحكومة سطحية مما كانت تشعر بوجود شيء مريب في إقليم كردستان يتطلب الحذر، حيث توافرت خطوط متداخلة من معلومات تحتاج إلى قراءات حاسمة. والمقصود هنا بالإقليم هو رئاسته، وليس جناح السليمانية. وليس بالضرورة الربط المباشر بين ما حدث وما كانت الشكوك تدور حوله، إلا أن نهج الإقليم في المرحلة الأولى من العدوان أعاد طرح الشكوك بقوة، فالتصريحات التحريضية والمعادية كانت تنطلق من أربيل.

بعض الأطراف العراقية تبالغ في تضخيم قدرات «الدواعش»، وقد تنبه المسؤولون الأتراك، على ما يبدو، إلى تضخيم رئاسة إقليم كردستان قوة «الدواعش» وإطلاق صفة الدولة الإرهابية وليس التنظيم الإرهابي، وذلك لحث دول العالم على تجهيز الإقليم بمعدات قتالية ثقيلة، وهو ما أثار حساسية تركيا وبغداد، لتعارض التسليح الثقيل مع الأمن الوطني العراقي والإقليمي، في ضوء تصريحات متعاقبة عن الرغبة في الانفصال، علما أن مسؤولين من «الاتحاد الوطني الكردستاني» شكوا من أن بيشمركة حزبهم لم تتسلم طلقة واحدة من المساعدات العسكرية التي وردت إلى الإقليم، وهذه حالة زادت من تخلخل التحالف بين الحزبين الرئيسيين، لا سيما أن معظم المواقف الإيجابية التي سجلت خلال العمليات القتالية قد نفذت من قبل بيشمركة «الاتحاد».

عسكريا، لا أرى مبررا ضروريا للتباطؤ في إعادة تنظيم القوات العراقية وتسليحها وتدريبها. وباستثناء الضربات الجوية التي شنها التحالف عند تهديد أربيل، لم تسجل ضربات جوية بالمستوى المؤثر في سير العمليات وإسناد القوات البرية، وهذا لا ينفي شن ضربات في مواقف معينة قدمت مساعدة للقوات العراقية في ظروف محددة، إلا أنها لم تكن بمستوى يؤثر في حالة الصراع ويقلص الفترة المطلوبة للتحرير.

«الدواعش» من غير العراقيين لم تتجاوز أعدادهم بضعة آلاف على الأرجح، وقد التحق بهم معظم من سبق لهم العمل مع تنظيم «القاعدة» من العراقيين، فضلا عن إضافات أخرى. وربما وصلت أعدادهم إلى نحو 20 ألفا، ومعظم الإرهابيين من العراقيين ليسوا مستعدين للقتال في ظروف صعبة، بقدر ما التحقوا نتيجة الإغواء والتقديرات الخاطئة، ومنهم من ظن أن الأمر قد قضي لمصلحة «الدواعش»، وهذا الخطأ وقع فيه ضباط ركن كبار ممن هم خارج الخدمة، حيث خدعوا مرتين؛ مرة في حساب النتائج، ومرة عندما ظنوا أن «الدواعش» سيقبلون بهم وبحزب البعث، وهو شكل من أسوأ أشكال الفشل في القرارات، فاستحقوا الحصول على درجة «الصفر» في هذا الامتحان.

والحرب النفسية استمدت تأثيرها من طرق القتل الوحشي، ومن سرعة الحركة أمام نكسة الأيام الأولى، وبواسطة ثوار الفنادق والحالمين بتقسيم العراق، وكذلك الانتهازيين والمفسدين من السياسيين العراقيين والمربوطين بحبال الطائفية. وطال الانهيار النفسي في المرحلة الأولى الكثير من السياسيين فاختفوا وهربوا، وانعكس تقوقعهم على روح البسطاء المعنوية، وكان لا بد من الشحن المعنوي حتى إذا ارتقى إلى توصيفات من صلب العنوان، على أن يراعى الفصل بين المفاصل القيادية صاحبة القرار والمتلقي البسيط.

والآن، وبصرف النظر عن كل الرؤى المطروحة، فالمثير في القراءات هو ليس قوة «الدواعش»، بل الحسابات المعقدة والمتباطئة في طرق المعالجة الجذرية، فمرحلة تحطيم قوة «الدواعش» لا تتطلب تنظيمات عسكرية جديدة، بل تعزيز القوات الحالية وزيادة نسبة القوات المدرعة والهليكوبترات الهجومية وطائرات الهجوم الأرضي، وزيادة قدرات وحدات الشرطة المحلية، وتحويل قسم من الشرطة الاتحادية الضاربة إلى وحدات محلية، والضرب بشدة على مفاصل الفساد والطائفية.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here