نزار حيدر –

لا تختلف الأهداف النبيلة ليوم المبعث النبوي الشريف عن يوم عاشوراء في شيء، ولعلّ من اكثر ما تطابقت فيه أمران:

الاول؛ الوعي، الثاني؛ الحوار.

والأمران، لا يُعيرَهما كثير اهتمام إلاّ مَنْ كان:

اولا؛ واضح في كل شيء، في حركته واهدافه وأدواته ونواياه وفي كل شيء، امّا المشكوك في أمره الغامض في نواياه، الذي يخفي غير الذي يعلن ويستر غير الذي يتظاهر فيه فلا يعير للأمرين اي اهتمام لأنهما يفضحانه.

لم يخف الحسين (ع) شيئا عن من صحبه لحظة انطلاقته من المدينة المنورة الى مكة المكرمة الى الكوفة، والى كربلاء، فكان يصحر لهم في النبأ والرأي كلّما ورده خبر من الكوفة، لانه كان واضحاً في رؤيته واهدافه وسيرته وأدواته وفي كل شيء، فكان (ع) المصداق الواضح لقول الله عز وجل {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

ثانياً؛ قوي الحُجّة والمنطق والدليل، اما الضعيف في كل ذلك فلا يتورّط بهما، وإنما يلجأ الى التضليل والتجهيل والى لغة القوة والعنف والجريمة كلما واجه سؤالا او جوبه باستفسار او استنكار او مساءلة او محاسبة.

لقد التزم أهل البيت عليهم السلام بالمنهج القرآني النبوي في كل حياتهم، فوظّفوا الوعي والحوار حتى في احلك الظروف وأصعب المراحل التي مرّوا بها ومرت بها الرسالة، ومع اخطر اعدائهم، وبقراءة متأنية سنجد انهم:

اولا؛ لم يُمهِلوا أيّة رسالة تردهم حتى من ألدّ اعدائهم، فهذا الامام أمير المؤمنين (ع) لم يُهمل حتى رسالة واحدة وردته من الطاغية معاوية على الرغم من انها كانت تحمل الكثير من التهم والافتراءات والكذب والدجل والتضليل، فكان يرد على رسائله فاضحاً وموضحاً ومُذكّراً ومنبّهاً.

كما ان الامام الحسين (ع) لم يدع رسالة وصلته منه الا وقد ردّ عليها.

انها فرصة بالنسبة لهم لتوضيح الحقائق وتصحيح المعلومات التي يسعى الطغاة لبثّها ونشرها في المجتمع في إطار سياسة التجهيل والتضليل المتعمّدة التي التزموا بها كمنهج ثابت.

ثانياً؛ انهم عليهم السلام لم يقدموا على فعل قبل الحوار الذي يوظّفون فيه المنطق والدليل والحجة البالغة والدامغة لتوضيح الحقائق لئلّا يقول احد انني كنت جاهلاً او لم اعلم او لم اسمع عن ذلك، وصدق الله تعالى الذي قال في محكم كتابه الكريم {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}.

ولقد ترك هذا النهج اعظم الأثر في عملية البناء والتوعية وقد ترك اثره في الكثير من الناس الذين تحوّلوا من جبهة الباطل الى جبهة الحق، فلقد ظل يحاور أمير المؤمنين (ع) ويحاجج الخوارج بالمنطق السليم حتى عاد الآلاف منهم الى رشدهم، كما تركت حوارات الحسين (ع) في ليلة عاشوراء ويومها، اثرا في العديد من قادة وجند جيش البغي، كما هو الحال مثلا بالنسبة الى الحر بن يزيد الرياحي الذي لم يكن في الكوفة وقت المراسلات التي حصلت بين الحسين (ع) وأهل الكوفة، ولذلك فعندما قاد جيشاً من الفِ فارسٍ لمحاصرة الحسين (ع) في الطريق والحيلولة دون وصوله الى الكوفة، كان جاهلا بالكثير من الحقائق ولولا ان الحسين (ع) كان ملتزما بمبدأ الحوار قبل اي فعل لضاع الحر في مجاهيل التضليل الذي مارسه الأمويون لتعمية الحقيقة عن الرأي العام، ولقد ساهم كلام الامام وتوضيحه للامور في تنوير الحر بالحقائق الامر الذي ساعده على ترك جبهة الباطل والانتقال الى جبهة الحق.

وهكذا هو الامر بالنسبة الى عدد من شهداء كربلاء فلقد ساهمت خطب الامام وأهل بيته واصحابه في استبصار عدد من جنود جيش البغي والانتقال بهم الى جبهة الحسين (ع) فقد ذكر التاريخ ان اكثر من (٣٢) رجلا من عسكر عمر بن سعد انتقل الى معسكر الحسين (ع) في ليلة عاشوراء وحدها، وفي ذلك انتصار للانسانية ولقيم السماء السمحاء التي يتحدث عنها القران الكريم بقوله {مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} فما اروع ان يساهم المرء بكلامه وخطبه وحديثه في إنقاذ الأرواح من الهلَكَة؟.

كما ان الامام عليه السلام عقد اجتماعاً مغلقاً مع قائد الجيش الأموي عمر بن سعد، في محاولة منه لثنيه عن ارتكاب جريمته بحق الرسالة.

وهكذا، فلقد كان الحوار اول سلاح يوظّفه الامام في حركته ونهضته منذ انطلاقته من المدينة المنورة وحتى نزوله في كربلاء مروراً بمكة المكرمة وكل المنازل التي مرّ بها، فلم يدع احداً كلّمه او صادفه او سأله او بادره الا وقد تحدث معه الحسين (ع) عارضاً عليه الحقائق والاهداف والرؤى التي يتحرك على اساسها الامام، وهو لم يتجاهل سؤالا او يترك استفساراً مُعلَّقاً في ذهن أحدٍ أبداً مهما كان تافها ولا يستحق الرد مثلا او الاهتمام.

انه (ع) لم يَدع احداً حائراً في أمره تائها بين متاهات الامور وتعقيداتها، أبداً، لماذا؟.

ان الهدف الاسمى من الثورات والحركات والنهضات الرسالية والإصلاحية ليس القتل والذبح والتدمير والتكفير ونشر الكراهية وروح الانتقام، كما تفعل بعض الحركات والاحزاب التي تَسِمُ نفسها بالإصلاح مثل الحزب الوهابي الذي اعتمد مبدأ الدم والتدمير ليؤسس دولته بالتحالف مع (آل سعود) أبداً، فالهدف هو الحياة وليس الموت، والحب وليس الكراهية، والوعي وليس التضليل، ولذلك بكى الحسين (ع) قاتليه لانه كان يكره ان يرى احداً مُضَلّلاً لا يعرف الحقيقة فيرتكب بسبب ذلك اعظم الجرائم.

في عاشوراء، تعالوا نتعلم الحوار كأول خياراتنا في علاقاتنا مع بعضنا، بدءاً من العائلة، اللّبنة الاولى في المجتمع والتي انْ صَلُحت صلُح ما سواها وان فسُدت فسُد ما سواها، فلا يستخدم الاب يده ابتداءاً في تعامله مع الأبناء، وإنما عليه ان يلجأ الى الحوار والحديث والكلام مع ابنه في كل الحالات حتى اذا اخطأ فان الحوار يعلّم الأبناء فنّ الاصغاء أولاً ويعلّمهم فنّ الاعتراف والتراجع والاعتذار، كما انّه يُعلّمهم كيف يحلّون مشاكلهم او يصحّحون أخطاءهم بالتي هي احسن، باللّطف واللين وليس بالعنف والصراخ والمشاجرة.

ان الحوار في العائلة يعلّم أفرادها على الصراحة والشفّافيّة كما انه يعلّمهم الاستشارة مع بعضهم كثقافة تتكرس في شخصيتهم بمرور الزمن.

ان الابن او البنت لا تحتاج الى ان تخفي شيئا عن الاب والام اذا أحسّا منهما تفهّما لما يدور في خلدهما، والذي يتجلى هذا التفهم في قبولهما بالحوار بالمنطق بدل الضرب والعنف الذي يدفع بالأبناء الى التستّر على كل شيء حتى اذا كان ما فعلوه صحيحاً، لانهم سيضيّعون بوصلة المعرفة والتمييز ببن ما هو صحيح وما هو خطأ لان غير الحوار يزرع الرّهبة والخوف في نفوسهم ما يدفعهم الى إخفاء خصوصيات حياتهم ليتحوّلوا بمرور الوقت الى صناديق مغلقة مملوءة بالأسرار، ما يحوّلهم تالياً الى شخصيات معقّدة لا تثقُ بأحدٍ ولا تعرف كيف تصارح احداً في مشاكلها او حتى افكارها.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here