علاء الرضائي /

لم یكن تصریح العسكري الأميركي “اندرو تومسون” لمحطة “سي ان ان” والذي قال فیه ان “داعش” نمت وتشكلت علی مرأی من قواتنا وفي السجون التي كنا نديرها بالعراق، غریباً او جدیداً علی من تابع الأداء الأميركي في مسألة ما یسمی بـ”مكافحة الارهاب”، وما الذي یرید ان یقوله هذا السجان الأميركي السابق، أكثر مما قاله “جو بایدن” بنفسه وقبل أن یعتذر!

ان الارهاب الذي یتحدثون عنه، هم من صنعوه ولغایات معروفة، وقد تكون المطالبات والمواقف التركیة هي التعبیر الأوضح خلال الفترة السابقة.. فـ”داعش” وسیلة ابتزاز وأداة مواجهة للخصوم وجیش غیر رسمي للناتو وأذیاله من “عرب الردة”… فهو تارة یستهدف العراق وأخری سوریا، ومرّة یهددون به ایران وأخرى روسیا وحتی الصین والهند… وقد تكون القادمة جمهورية جنوب أفریقیا، لانها أولاً من دول “بریكس” وثانیاً فیها الكثیر من المسلمین!

قلت في مقالات سابقة أن أبسط الخطط العسكریة تقضي بابعاد التنظیم من الأماكن الحساسة التي ینوي استهدافها وقطع شرایین الحیاة التي یعتمدها وتقلیل الضغط النفسي الذي یولده ارهابه، بمعنی انه كان من الطبیعي ان تتم الخطوات التالیة في مواجهته:

  1. قطع جمیع خطوات ارتباطه بخارج المناطق التي یسیطر علیها وبالتحدید ضبط الحدود مع تركیا ولبنان والأردن، وهي أهم المناطق التي یاتیه الدعم منها.

  2. محاصرة تهریبیة للنفط، أو قطع امداداته المالیة والضغط علی حكومة أنقرة التي تقوم بالتسویق له في هذا الاتجاه.

  3. مكافحته علی وسائل التواصل الاجتماعي وعلی الصعید الاعلامي، لأن ذلك یعني سلبه من أهم أدوات حربه وهو التخویف والارهاب.

الأمر الذي كان یتطلب قطع جمیع مواقع المتعاملین معه كما یحارب الفیس بوك “حزب الله” والمقاومة الاسلامیة، مثلا!

  1. ابعاده عن المناطق الحساسة، كبغداد ومصفی بیجي وكركوك وسامراء وسدّ الموصل وأربیل في العراق والمناطق النفطیة والمنافذ الحدودیة (مع تركیا بالتحدید) في سوریا.

  2. انشاء خطوط دفاع قویة في المناطق التي تجري هزیمته فیها وایذاءه باستمرار من خلال عملیات نوعیة وكمائن علی مناطق تجمعاته واطرافها.

  3. قصف جوي وبري علی أهم مناطق حشوده وتواجده، باستخدام الحوامات والسمتیات بالدرجة الاولی، لا مقاتلات التورنيدو والیروفایر والأف 16 بقیادة مريم المنصوري!

  4. تنظیم القوات الشعبیة المقاتلة له (الحشد الشعبي والبیشمركة في العراق) و(قوات حمایة الشعب الكردي في سوریا)، وتسلیحها وتدریبها وامدادها بشكل جید.

  5. تنشيط عمليات الانشقاق داخل مجاميعه والارتباط ببعض الشخصيات القريبة منه من أجل زعزعته استخبارياً من الداخل.

  6. فرض رقابة وحصار صارم في البلدان “المفقسة للارهابيين” للحيلولة دون مدّه بدماء جديدة.

وبعد هذه الخطوات يمكن لأميركا وتحالفها التحدث عن محاربة الارهاب والتطرف!

لكن عندما لا تقوم الولایات المتحدة وحلیفاتها الاوروبیات و أذنابها من “عرب الردة” بذلك، فهذا یعني وجود أجندات وأهداف أخری للتحالف وان محاربة “داعش” مجرد مبرر للتواجد من أجل تحقيق تلك الأهداف.. بل ان “داعش” هو الهبة الاستخباریة التي جاءت بها الـ”سي اي ايه” و”الموساد” للامبریالیة الرأسمالیة الأميركیة، حققت لها بعض الأهداف وفي طریقها لتحقیق أهداف أخری.. فقد:

  1. تقسيم العالم الاسلامي طائفياً في أكبر وأبشع مشروع تقسيمي بعد سايكس ـ بيكو عام 1916 وبأدواة محلية مستلهمة انحرافها وتطرفها من مصادر داخل المنظومة الاسلامية.

  2. أفراغ الشرق من المسيحيين وما يسمونه بالأقليات الدينية مثل الايزدية والصابئة، تحقيقاً لمشروع صدام الحضارات والأقتتال بين اتباع الاديان الأبراهيمية.

  3. أسقطت “داعش” حكم المالكي في العراق وجاءت بحكومة ضعیفة یتنازعها الاكراد في الشمال والعرب السنة في الغرب بینما المكون الأكبر (الشیعة) غارق في خلافاته، بما یشكل مقدمة لتقسیم العراق وفقاً لمشروع بایدن.

  4. اعادت التواجد العسكري الأمیركي والغربي بشكل عام الی المنطقة، فالقوات التي أخرجت من الباب عادت من الشباك كما یقال!

وهو ما نشاهده حالیاً في العراق من عودة الأميركیین تحت مسمی مستشارین، كما سجلت بلدان أخری حليفة لأميركا حضوراً مباشراً ایضاً.. وهذا یعني الهیمنة المباشرة علی ما تبقی من مصادر الطاقة في المنطقة وایضاً علی الفضاء الاستراتیجي الذي یشكله الشرق الاوسط في عملیة اقصاء للمنافسین الدولیین والاقلیمیین.

  1. الضغط لاسقاط النظام في سوریا والضغط علی المقاومة في لبنان لضمان أمن دولة الاحتلال الصهیوني، والتي بدورها لم تفرط في الفرصة التي خلقتها لها أميركا وحلیفاتها الغربیات وعرب الردة، فأخذت تتمادی في تهوید القدس المحتلة وفرض سیاسة الأمر الواقع علی الفلسطینیین.

  2. تشغیل مصانع السلاح وتحریك عجلة الاقتصاد في الغرب للخروج من الركود الذي تعانیه معظم تلك البلدان.. ویصاحبه حالیاً من طرف “عرب الردة” وفي مقدمتهم السعودیة زیادة انتاج النفط لتخفیض سعر برمیل النفط والذي وصل الی 86 دولاراً للبرمیل على أمل أن ينخفض ليصل الى 80 دولار كما هو المطلوب من قبل شركات النفط الغربية، وبعد أن كان سعر البرميل یزید علی 105 دولارات!

كل ذلك و”داعش” لم تتاثر بمئات الطلعات الجویة وأطنان السلاح المتدفق علی المنطقة والتي دفع الخليجيون ثمنه من ثروات المسلمين، بل تتقدم في بعض المناطق وتهاجم وتنتشر.. والأسوء من ذلك كله، حملة التأیید التي تحصل علیها بین المتشددین والمتطرفین من كندا الی مالیزیا واسترالیا، فهي بانتظار اكتمال الحشد الدولي الی 80 دولة لكي تواجدهم في “عمق” و”دابق” لتصنع بهم ملحمة آخر الزمان وتحتل القسطنطنیة وفق ما تتحدث عنه من موروث روائي اسلامي!

حیث لم یبق سوی 18 دولة أخری لیكتمل الحشد الثمانیني، رغم ان هناك متسع من الوقت، فالأميركیون یخططون لحرب قد تدوم ثلاثین سنة، یعني انهم سیبقون “داعش” ینحر رقاب المسلمین ویرهبهم، وسيبقون یستخدمونه فزاعة ضد شعوب المنطقة لثلاثة عقود!

أما على الأرض، فالمنطق یقضي أن توضع في الحسبان (ولو بأقل نسب الاحتمالات) زوال “داعش” وعدم تحقق أجندات أميركا وحلفاءها، او بقاء “داعش” وعدم تحقق شعارات الإئتلاف الدولي.. ففي الحالة الأولی یعني خسارة الجهد الدولي وقوة المقاومة والموقف الروسي والصیني وضعف وتزلزل الأنظمة الرجعیة في المنطقة، وهذا الهاجس عبر عنه ولو بشكل آخر، أحد الكتاب السعودیین مؤخراً بأزمة السنة ما بعد “داعش”! والذي یتطلب لأجل حله تحالف “الدول السنیة” في المنطقة ویقصد (السعودیة، تركیا، الامارات، الاردن، قطر، الكویت والبحرین) مع بقایا “داعش” لمواجهة الغرب والشیعة والاكراد!!

أما اذا بقیت “داعش” فعلی أذناب التحالف من دول المنطقة السلام.. عندها سینتقل القتل الی الریاض واسطنبول والدوحة وأبو ظبي، بالضبط كما یحدث الآن في بغداد والقاهرة وطرابلس وحلب وصنعاء.. المدن المستهدفة من أدوات “عرب الردة” حالیاً!

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here