ضياء نافع
كنت مشرفا علميا على ثلاث اطاريح ماجستير في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد حول تشيخوف في تسعينيات القرن الماضي وهي – ( مسرح تشيخوف في العراق ) و ( تشيخوف في النقد الادبي العراقي ) و ( قصص تشيخوف المبكرة في الترجمات العربية ), واقترحت على احد طلبة الماجستير اطروحة رابعة حول تشيخوف بعنوان – ( مسرحية تشيخوف بستان الكرز في ثلاث ترجمات عربية ) الا ان احد زملائي في اللجنة العلمية اعترض بشدة وعنف ضد عنوان تلك الاطروحة , وقال ان ضياء نافع يمكن ان يقترح علينا قريبا ان نكتب اطروحة اخرى بعنوان ( تشيخوف في علاوي الحلة ). ولم اكن انا حاضرا في ذلك الاجتماع مع الاسف لارتباطي بعمل اداري في حينه, ولكني عرفت بما دارفي ذلك الاجتماع واعجبتني جدا فكرة – ( تشيخوف في علاوي الحلة ) , وفعلا كتبت مقالة بهذا العنوان ونشرتها في مجلة الف باء العراقية آنذاك , وكانت لها ردود فعل ايجابية وعديدة لدى القراء , وقد تناولت في المقالة تلك كل الاشكالات التي حدثت حول الموضوع وذكرت فيها انني احلم بذلك اليوم الذي ستكون فيه مسارح عراقية في علاوي الحلة تعرض مسرحيات تشيخوف وغيره من اعلام المسرح العالمي , اذ ان ذلك يعني ان العراق سيكون في مصاف دول العالم المتقدم .
ان موضوعة تشيخوف في العراق لا زالت تنتظر فارسها , واذكر اني – مرة – تحدثت مع البروفيسور كوليشوف ( رئيس قسم الادب الروسي في القرن التاسع عشر في كلية الاداب بجامعة موسكو, وهو استاذنا جميعا في ستينيات القرن الماضي عندما كنا طلبة في تلك الكلية آنذاك) حول ذلك, وقد قال لي كوليشوف انه يعد هذا الموضوع علميا وصحيحا بشكل عام الا انه لا يحبذه في اطاريح الطلبة العرب عندهم لان الاستاذ المشرف لا يستطيع اداء دور الاشراف الصحيح اذ انه لا يعرف اولياته ولا يستطيع الاطلاع على مصادر البحث باللغة العربية وبالتالي سيعتمد على ما يقول الطالب وما يترجمه له, وهذا يؤدي الى موقف غير سليم للاستاذ المشرف, الذي يجب ان يقود البحث ويشرف عليه لا ان يكون ( المستمع )للطالب بشأن المصادر, وكوليشوف كان هنا على حق طبعا, وقد قلت له ذلك مباشرة, اما اذا كان المشرف العلمي عراقيا او عربيا , فان هذا يعني انه يجب ان يكون على اطلاع تام بشأن اوليات الموضوع ومصادره, وبالتالي يستطيع ان يكون مشرفا علميا حقيقيا .
توجد لحد الان جوانب وقضايا مهمة ترتبط بشكل او بآخر بهذا الموضوع لم يتناولها الباحث العراقي , واذكر اني طرحت على المرحوم الدكتور عبد الاميرالورد في صنعاء (عندما كنت استاذا زائرا في كلية اللغات بجامعة صنعاء) سؤالا محددا بشأن علاقته تجاه تشيخوف ولماذا قدٌم للجمهور العراقي احدى مسرحيات تشيخوف ذات الفصل الواحد وقام بالتمثيل بنفسه , فاجابني لانه شاهد تلك المسرحية بتقديم الاخرين واقتنع انهم لم يفهموا عمق تلك المسرحية ولم يستطيعوا كشف مضمونها الذي اراده تشيخوف نفسه , وقال الورد انه يعتقد جازما انه قد نجح بذلك.وهذه – بحد ذاتها- مسالة جديرة بالبحث , وعلى الباحث ان يسبر غورها ويثبت صحتها. واجريت – مرة- حوارا مع الفنان المسرحي الكبير الدكتور سامي عبد الحميد (عندما كان معنا في اللجنة الامتحانية المركزية في كلية اللغات منسبا من كلية الفنون الجميلة للاشراف على سير الامتحانات المركزية آنذاك في تسعينيات القرن الماضي ) وسألته عن موقع تشيخوف في حياته المسرحية, فأجابني انه ادٌى امتحانه امام اللجنة عندما كان يدرس المسرح في الغرب بتمثيله لمقطع من مسرحية لتشيخوف وان هذا الكاتب المسرحي الروسي رافقه طوال حياته , وحدثٌني عن اعجابه الشديد بدور الممثل العجوز في مسرحية تشيخوف ذات الفصل الواحد والذي يعتبرها قمة التعبير عن معاناة الفنان في نهاية عمره. وهناك جانب آخر في هذا الموضوع وهو موقف الفنان صلاح القصب تجاه تشيخوف, اذ ان هذا الفنان العراقي الكبير قد اخرج احدى مسرحيات تشيخوف بشكل جديد ومبتكر , وقد شاهدتها شخصيا في مسرح الرشيد في حينه, واثارت رؤيته لتشيخوف نقاشا حادا بين مؤيد لهذه الرؤية ومنتقد لها , بل ان البعض اعتبرها حتى تشويها لتشيخوف. هذه وغيرها من النقاط المرتبطة بمسرح تشيخوف في العراق لم يتناولها الباحث العراقي لحد الان ( ومنها مثلا مسرحة الفنان العراقي بدري حسون فريد لقصة تشيخوف الحرباء ومحاولات الفنانة عواطف نعيم لتقديم بعض قصص تشيخوف على خشبة المسرح العراقي وهناك سؤال كبير ومهم – في رأي – وهو لماذا لم يتعامل الفنان قاسم محمد , وهو ابن المدرسة الروسية في المسرح مع تشيخوف , وغير ذلك ),اما قصص تشيخوف , فانها عالم كبير بحد ذاته , لم نتكلم عنه كما يجب ايضا, ويمكن ايجاد روابط كثيرة تجمع بين تقنية تشيخوف الفنية وكبار الاسماء في مسيرة القصة العراقية الحديثة . وهناك جانب آخر لهذا الموضوع ايضا وهو كيف تعامل المترجم العراقي مع نتاجات تشيخوف والنقد الادبي حوله على مدى هذه المسيرة الطويلة من الزمن, واذكر ان الباحث العراقي المرحوم الدكتور عبد الاله احمد قد أشار الى هذا الجانب في كتاباته المعروفة عن القصة العراقية , وباختصار فان موضوع تشيخوف في العراق ينتظر انجازه من قبل باحثينا , وفي حالة تنفيذ ذلك , فاننا نستطيع عندها ان نقدم هذا العمل العلمي الى القارئ الروسي والاوربي ايضا باعتباره دليل نضجنا العلمي ومساهمة من قبل الباحثين العراقيين في مسيرة دراسات الاداب الاجنبية في العالم. لقد كنت ضمن الوفد العراقي لجامعة بغداد الذي زار جامعة موسكو في نهاية التسعينات في القرن الماضي , وقدمنا نسخة من اطروحة ( مسرح تشيخوف في العراق ) التي اشرت اليها اعلاه لعميد معهد بلدان اسيا وافريقيا التابع لجامعة موسكو البروفيسور ميير, واذكر اني قلت له انها ( هدية صغيرة ) من وفدنا لمعهدهم انجزناها باللغة الروسية في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد , وعندما تسلمها واطلع عليها بشكل سريع اجابني , انها ليست هدية صغيرة بل هدية كبيرة لم نكن نتوقعها.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here