ناهض حتر /

«داعش» يطلق سراح ضيوفه من الدبلوماسيين الأتراك جراء «جهود دبلوماسية»! بينما يواصل هجومه الإجرامي، المدعوم من الجيش التركي، بهدف احتلال، بل مهابدة بلدة «عين عرب» الكردية. وفي الأثناء، يفجّر كنيسة شهداء الأرمن التاريخية في دير الزور، ويمهّد الأرض لإقامة منطقة عازلة داخل سوريا، وتحطيم الحلم الكردي بالحكم الذاتي، واقتطاع المزيد من الأراضي العربية في سوريا والعراق، تجديداً لأطماع قديمة.

(أليس من دواعي السؤال، لدى «حماس» تحديداً، التزامن بين منطقة عازلة تركية، بالتعاون مع «داعش»، شمال سوريا، ومنطقة عازلة إسرائيلية بالتعاون مع «جبهة النصرة»، في الجولان؟).

أنقرة الإخوانية هي الحليف الرقم واحد لـ «داعش»، بسبب الارتباطات العقائدية والاستخبارية والعسكرية العضوية معه، كما أنه أداتها الأساسية لتحقيق أهدافها الجيوسياسية في كردستان والمشرق العربي، والاستراتيجية في مواجهة إيران ومصر والسعودية.

على مشارف 2011، كانت صورة «حزب العدالة والتنمية»، لدى المجتمعات العربية، قد اكتملت بوصفه حزباً اسلامياً ليبرالياً، صديقاً للعرب، وحليفاً لسوريا، ونصيراً للقضية الفلسطينية. هكذا، انقلبت، أيضاً، صورة تركيا من دولة معادية للعروبة إلى عمق استراتيجي لها. الصورة الزاهية انعكست على أحزاب «الإخوان» في كل مكان، وصار احتمال تحوّلهم إلى الطريق التركي مطروحاً بجدية. هكذا، أصبحوا، تلقائياً، قوة مقبولة من كل أطراف التحركات الشعبية، وقوّة قيادية في «ثورات ديموقراطية». وبما أن ما يسمى «الربيع العربي» تمحور حول التغيير السياسي أساساً، لم تتوقف أغلبية اليساريين عند محتوى اللبرلة الاخوانية، في مثالها التركي، الذي يعتمد أيديولوجيا النيوليبرالية: الخصخصة وحرية السوق والعولمة الرأسمالية المتوحشة وسيطرة رجال الأعمال والشركات والفساد على البلاد. كذلك، لم ينتبه معظم النشطاء الوطنيين في العالم العربي إلى أن تركيا الاخوانية، لا تزال عضواً في حلف الناتو، وحليفاً عضوياً لإسرائيل.

الصورة التركية ـــ الاخوانية، المشبعة بالألوان الليبرالية، أضاعت بوصلة الحركات الشعبية، حتى بالنسبة للموقف من العدو الإسرائيلي. أولوية الصراع ضد الاستبداد طغت على وعي عام مشوّه بمزيج من النزعات الدينية والليبرالية الاقتصادية، والإيمان بالقطب الأميركي ــــ الغربي الأوحد. على ذلك، أدار الإخوان المشهد العربي، ومَنحوا الغطاء اللازم لقيام الناتو والميليشيات الإرهابية بتحطيم الدولة الليبية، وأدار اخوان تركيا تشكيل ودعم وتسليح الميليشيات الإرهابية لـ «الثورة السورية»، ومنحها طابعاً طائفياً. كان كل ذلك مقبولاً! ولم يمنع أقساماً واسعة من الجماهير المصرية والتونسية واليمنية والمغربية من تصعيد «الإخوان» إلى السلطة، بينما نالت «حماس»، المنسحبة من محور المقاومة، تأييداً شعبياً كاسحاً بين الفلسطينيين في فلسطين والأردن وسوريا ولبنان.

الصعود الإخواني أثار موجة طائفية عامة، وخصوصاً في المشرق العربي المكتظ بالمكوّنات الطائفية والمذهبية والإتنية. وقد ساهمت هذه الموجة في شيوع التسامح إزاء العلاقات بين قوى الاسلام السياسي والغرب، والقبول بالمتطرفين والتكفيريين الإرهابيين. هؤلاء خرجوا، بالأساس، من عباءة «الإخوان»، ولم تخلُ هيئة قيادية اخوانية واحدة من أعضاء مقربين من «القاعدة» وسواها من التنظيمات الإرهابية. وفي خضم الموجة الطائفية والتمويل القطري والدعم التركي، تداخلت قوى الإسلام السياسي، التقليدية والعُلمائية والليبرالية والاخوانية والإرهابية؛ وفي المنافسة الدموية على الهيمنة والقيادة، فازت «داعش»، لأنها تشكّل الممثل الأكثر جوهرية وصلابة للأيديولوجيا الفعلية لحركة الإخوان في منحاها القُطبي؛ غير أن صاحب الكتاب الفاشي «معالم على الطريق»، سيد قطب، هو، في النهاية، النتاج الصريح لمدرسة حسن البنّا الذي، وراء قناع الدعوة والسياسة، كان يخبّئ تنظيماً إرهابياً معروفاً هو «التنظيم الخاص».

في أحضان حزب العدالة والتنمية التركي، اليوم، تصطف قيادات «داعش» وقيادات التنظيم الدولي للإخوان، معاً، في بلاط السلطان رجب أردوغان، يستخدم هؤلاء وهؤلاء، ويواصل قيادة الحروب الطائفية خارج تركيا وداخلها؛ إنه، بالفعل، الحفيد المعاصر للسلاجقة والعثمانيين، أولئك الذين حوّلوا العرب والكرد إلى مجرد طائفة يحكمها الترك، مستخدمين في بناء «الدولة»، ميليشيات هي السلف التاريخي للدواعش.

…كيف، إذاً، ستحارب الولايات المتحدة، «داعش»، حليف شريكها التركي في الناتو، والابن المدلل للتمويل الآتي من الخليج، حيث المستعمرات الأميركية؟

يمكننا أن نسخر حقا؛ ولكن علينا أن نستعدّ.

 

 

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here