شوقي كريم حسن – 

قد لا يعرفه الكثيرون، وقد يكون أشبه بلائحة أوجاع تتناثر في وجدانيات أناس خرجت من بين طيات ثيابهم العتيقة ، وإهمالهم المتعمد منذ فجر السلالات، لتكون ممثلاً لأوجاعهم، وأماسيهم التي لايمكن أن تكون طرية، حية المعنى، دون الإنصات حباً، الى ذلك الصوت الذي غزا محن الأرواح، حتى راحت تراهن على نثارات محاسن أوجاعه، حمل إسماً غريباً ، نسجته عقول النساجين من إرث حكائي الجنوب، حوله الى حكايات غريبة، وامتلأت ذاكرة الناس بقصص، ما لبثت ان حولت الى اسطورة أغرب من كل تلك المتخيلات الى عرفناها فيما بعد ، مؤثراتها في الواقعية الغرائبية، حكي يذهل، وأساطير تجعل المنصت يتأمل ذلك الصوت الذي يحزن البلابل، ويحيلها الى مجرد مغردات لا تأثير على النفوس المنصته الى التغاريد، برغم الإتفاق على أن العنادل أجمل من كل مغني الدنيا.

الرجل الذي ما فارق قامته الباسقة وعقاله وكوفيته الميسانية، رسم لنفسه طريقاً مالبث أن ملأه بغير ما يرغب الآخر ، راحت روحه تشدو أحزانه والى جانب الشدو يزرع إرثاً من الأطوار التي ما كنا نعرفها، أو كانت حبيسة أمكنتها السومرية ، حبيسة مساحات الأهوار ومساربها والمنصتة لأنين القصب ، والبردي، ينساح الصوت متأرجحاً بين ارتجاف الوجع وصدق المعنى ، فتلتفت الأحزان اليه، وترنو الوجوه محاولة رمي شباك حسدها الأليف عليه، وحدهن اناث الأهوار تلتاع أفئدتهن ، ووحدهن أمهات أولاد الجنوب ، تنهمر مدامعهن متذكرات خوالي الأيام ومحنها التي لا تجد للخلاص سبيلاً، عرف السر كما عرفه اوتونابشتم، أو كما عرفته سيدوري، العراقية التي علمت الإنسان الجامح الرافض للحضارة ، الساكن غابات الوحدة، معنى أن يعيش بين أحضان امرأة أخاذة، وكؤوس من زلال التمر المعتق، لقد وعت سيدوري مهمة الاناث ،وحاولت منح صويحباتها ألق الوجود، لكن ثمة محن أبعدت أحلام سيدوري عن اناث الجنوب، فامتهن الأحزان والخوف، ولأن الأمهات إرث المعابد والإمتدادات الخضر، رحن يرضعن أولادهن وجع الليالي ومحنتها.

ولد و “ماصول”

ثمة مدارس سرية لغناء خفي، لاتعرفه غير حيطان البيوت الطينية ، ووحشتها، وتلك الإنكسارات التي تعشش مثل عناكب راسمة بيوتها بين طيات الأفئدة من تلك المحنة الإرثية، الراغبة بمهمة سيدوري العظيمة، انطلق الولد ( سلمان) وهو يرفل بدشداشته المقلمه ، بخطوط صفر، وزرق، يلاحق المشاحيف، والطرائد ، والفتيات الموشومات بالديرم والحناء والزرقيون، ألوان من الإبتهاجات الخفية يثيرها صوت الفتى الطاعن بالخرافات، راحت حنجرته تتابع الألوان التي تقيمها الحناجر الأخرى ، وتدون ذاكرته الفطرية تلك الأطوار مع شيء من رغبة الإحتجاج على الأداء ، كانت الحنجرة الطرية المغسولة بماء الأهوار واللابسة وحشة ليلي الصيد ، والقنص، والأحلام قد ابتكرت مدخلاً أسمته على اسم القبيلة التي لابد وأن تأخذ حيزاً من وعي الإنتماء الى الغناء، كان المحمداوي، يلوح بكل ألوان الأنين ويرفع رايات العذاب الممزوجة بالعذوبة، أنها لحظات قحط ، لايمكن أن تنسى دون سؤال من غناء ، واجابات ، تبدأ بـ ( يعبر على الطيب ونيني) ماذا أيها الأنين الذي لابد أن يغسل وجه الأهوار من الليل حتى مطلع الفجر؟، ما معنى أنين لا يستقر عند لحظة واحده وتراه ينطلق بين العشائر النافرة مثل غربان الرحيل؟، تئن الليالي، ومعها يعمل الإبتكار عملته، تنكشف الصورة عن ناي من قصب يزيد الألم ألماً، ويعطي للمديات أصوات ملتاعة ، ولكي لا يفر الناي، أو// الماصول// كما يحلو للبعض أن يسمية، تلاحق القصبة أختها فيصبح الأمر ( مطبقاً )، تمسي حنجرة الفتى مطبقاً تلاحقه فورات الوجد والهيام، ثم قامة تشبه قصبة لاتريد الإبقاء على وجودها المتشابه ، تمتد الى علو، علو وحين تشعر بالأمل والتفرد، تبدأ معانداتها لريح السموم والحر، ولفحات آب اللهاب، لكن الإنتعاش يأتي ما أن تنسحب الشمس خجلى، في الهناك، عند ذاك الإمتداد الذي نراه ينازع الموت الآن، كانت الحناجر تطش أغانيها، لتتشبه بلحظة طش الأمهات الملبس والحامض حلو في حضرة أصحاب القبب الذهبية البعيدة، التي كانت حلماً ما بعده حلم، الحناجر تلم أوقاتها، الحناجر لا تبعثر حنينها، لكنه وحده يظل هائماً يبحث عن قصة أسطورية، حين ينصت الى ما يقال عن تل حفيظ ، تطير به أجنحة التمنى، وبهدوء الحالم يحاول الإمساك بأنثاه، لكن المستحيل لا يعطي للحناجر حق الإختيار، انه يمنعها من ملاحقة وجوده، بغتة تصطدم طرادة ( سلمان) بطرادة أخرى، آتية بأكوام من البردي، وعند تلك المفاجأة غير الإعتيادية يشعر سلمان الشاب ان محنته قد كبرت، وأنه داخل الى حانة سيدوري عله يجد الإجابة ، يعلل مواجعه بإبتكار الآثام ، ما يقوله سلمان العاشقي، قبل نكبته، كانت ركامات من الآثام التي تغيض الأرباب.

نبرة الآثم الشجية

من امتداد آشور حتى وجود انليل الآثم العراقي الأكبر، لكن الآثم سلمان ، يبدأ باستدراج حنينه الى عينين من عيون الجاموس المجاور لوجوده، والى قامة لايعرف لها امتداداً، والى قد من بان، من أين يمكن له أن يحصل على المستحيل الذي يلاصقه يومياً؟، عن بعد تبدأ الإبتسامات وعن بعد ترسل الرسائل ، وعن بعد تفيض القلوب، ومعها تنتشر القصص التى ما تلبث أن تتحول الى أهوار أخرى وقرى أخرى ، وأمام هذا النون العاشق لابد وأن تدخل المضائف،وحينها لابد وأن يحسب لكل شيء حساباً، تشرد الرغبات، فليس ثمة فتاة جنوبية يمكن أن تقول لا في زمانها ذاك ولافي زماننا هذا انها تحب وترغب بهذا المغني الطري الحياة الهائم مثل كرسوع الماء، تروح الهيفاء، ومعها تنكسر نايات سلمان، ليصنع من حنجرته نايات لا تصدر غير ذاك الشجن الذي لايمكن لسامعه إلا أن يشعر بالإنتماء اليه، شجن ملفت للقلوب ، يقررالعاشق أن يرفرف خلف راية اسمه كنية تثير الإستغراب ( المنكوب ) المنكوب بالحب، أن يجيء الى حلم ماكان يستطيع الوصول اليه، لولا تلك القساوة المفرطة بتهشيم الذات الذائبة بالمجهول، ذواتنا الجنوبية تذوب بين ركام من المجهولات التى لانعرف كيف تجيء.. وكيف تذهب،؟!! ننصت الى أعماقنا وهي تفور لوعة، لهذا تقرر الحناجر ان ترتمي في برك الأبوذيات، وتفوج في الحياوي، وأفعال الجنون غير المالوفة، يتمسك المنكوب بآمال المجيء الى العاصمة، وحين يستقر عند مدينة الطين والخرافات، يطلق لنفسه عنان جواد محتج، ليس ثمة من قصب، وجنوبيات يحتطبن، وامتدادات من المياه التي تمنح السماء لونها، وخطوط تنقلك بغير ما زحمة الى حيث ترغب ، دون احتجاج من غير كراسيع الماء والخضيري والمسكة وباقي ألوان الماء ، مع تصاعد أصوات الغناء ، تتصاعد الطيور، تتعالى ، ثم تراها تنقض ، وكأنها تريد الأخذ بثأر الأحزان ليس لأن ثمة هذا، اختصرت مدينة الفقراء ، الجنوب كله، بوهمين أساسيين، أولهما انها قادرة بفقرها ويتم الأولاد أن تنهض

بلواعج النفوس، وثانيهما ، أن تمنح سماوات المدينة العاصمة فرصاً للغناء غير المألوف أصلاً ، وغير المستساغ .

لسنا بأبناء الإعتياد

واللحظة العابرة

في بغداد كانت الأنغام ترقص عند ألحان رضا علي، وعباس جميل، ووديع خونده ،وأحمد الخليل، وليس سوى أبناء من ريف أتوا يتقدمهم حضيري أبو عزيز، وداخل حسن، وناصر حكيم ،الرجل الآتي تئن مواجعه فتصدر أصواتاً احتجاجية بحجم لامألوفية الأرض نفسها، لم يلتجأ الى الاذاعة أو التلفاز ، بل راحت مكاتب التسجيل الشعبية تلاحقه، تسجيلات ( شرهان الكاطع ) تقدم سلمان المنكوب، مثلما تقدم سواها، فترتج أطراف المدينة ، ويتحول مركزها الى جنون صاخب، تنتشر أشرطة التسجيل، وتعم المقاهي، موجة عنف تسمى سلمان المنكوب، وتتفاخر العوائل انها تستدعي الحزن ليلة زفاف فلذات الأكباد، مع حنجرة المنكوب ، وكمان فالح حسن، كل جليد الأعمار يصرخ حين يبدأ عود المنكوب العزف، وحين يبدأ فالح حسن بتنغيم الآهات وترميم فواجع اناس غربتهم الأرض، ليسكنوا بيوت أضيق من مقابر الله، تتعالى الآهات والمنكوب يصرخ (وصلي .. ما أدري الزمن ضدي وصلي … كرصني وضيع وليدي عليه…. عمت عيني) ثم تمتد الكف التي اعرورقت الى السطل القريب لتأخذ الى فمها رواء سيدوري ، تترطب الحنجرة، وتشرق العيون التي يكاد الذبال أن يستحوذ عليها، وتتعالى الأصوات ، (تسلم أبو داود) وهنا يحط طائر الفخر فوق عقال الرجل الذي يحمل لقباً آخر وهو الكامل في تاريخ تولده ( سلمان المنكوب العاشق، كيف هذا.. الأضداد هي التي لعبت في ضيم هذا الرجل فتروح ميسان تلاعب أوقاته : ( أمرن بالمنازل منازلنه خليه .. اكلهه وين اهلنه تكول اكطعوا بيه ) عتاب أشف من كل القلوب ومعنى لايمكن لكل القصائد أن تلاحقه … ليس هنا من أهل، والمنازل خاوية على عروشها والأنين يملأ وحشة الهور… لا نايات تعزف … ولا حناجر تلاحق خطوات قطا الاناث وهدهدة بش الأهوار، الأماكن تتغير، والحنين باق ( لبنهه تلوم الوالده لتفكد لابنهه.. تذكره بيوم ما يرضع لبنهه ….. يافالح … تكله دار من حزني لبنهه…على مودك وجره مني خفيه ) وتتصاعد الأنغام وكأن الوقت لايمسك خطاه ولا يستطيع السيطرة عليها، تتوقف البراهين، وتتحول الوجوه الكدرة المحزونة الى طرق تبحث عن منقذ ، وحده ، يظل يلوح بعذوبته ، وحده يمسك ليل الأغاني وصباحات المواويل، تحتضنه العربات التي تتحول الى مسارح تحطم ليالي الخمود، مع كل لحظة تأمل لصاحبة الحانة، ترفرف كل أطيار تلك الأراضي السومرية التي تركها وحيدة هناك، تتوجع أيامه، وحين يقابل ألواح محبته، يقول بصوت بطيء( لعبنا زمان.. وهذا زمان بنا يلعب ) يغمض عينيه، يتأمل الولد الذي اغتسل بهسيس البردي كيانه المنهد، التعب وهو يتمدد على الأريكة الحديدية المأخوذه من ثكنات الجيش ، وفي لحظة انهمار وحشية ، يطلق رصاص السؤال ..الشعوب تقدمت.. وبلدنا ينزف دماً؟ تلك آخر لواعج الشدو التي أبكت المنكوب وهو يفارق ناياته ويترك لنا إرثاً يشعرنا اننا لسنا بأبناء الإعتياد واللحظة العابرة، بل الوطن الكامل وهو يستند الى مواويل وابوذيات وزهيريات ، تحف بها أطوار الشطراوي والحياوي والمحمداوي، فضاءات وطن لايمكن أن يترك الإبتهاج حتى وأن كان حزيناً..

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here