نوزت شمدين

 أمطر بهاء صفحة حبيبته ميسون الفيسبوكية وهاتفها الجوال بوابل من رسائل شوقه، لكنه لم يتلقَ رداً طوال ثلاثة شهور كاملة سار خلالها عشرات المرات أمام باب منزلها في حي الزهور شمال مدينة الموصل دون أن يقتنص لمحة من وجهها.

“بهاء” واحد من بين آلاف الشباب الذين حطم داعش قلوبهم، وحرمهم بقراراته الذكورية من نصف عالمهم الجميل، بعد ما كان المجتمع ذاته يمارس قيوداً صارمةً تحدُّ من تطلعات مشاعرهم.

وكان يخطط مع حبيبته لبناء عش زوجيتهما بعد انتهاء دراستهما لهندسة الكهرباء التي شارفا على تجاوز مرحلتها الرابعة في جامعة الموصل، وكانت آمالهما عريضة في أن يلين قلب والدها عندما يطرق الباب وهو مهندس ذو وظيفة بعدما رفضه وهو طالب يعيش على جيب أبيه.

“داعش”فرض وقتاً مستقطعاً غير مرغوب فيه على قصة حبهما بعد سيطرته على المدينة في حزيران (يونيو) الماضي فتوقفت عجلة الدراسة في جامعة الموصل، كما حدث لباقي المرافق الحكومية وغير الحكومية التي أصيبت بالشلل التام.

بهاء ينظر بأسف كل يوم إلى أحد أبواب الجامعة القريبة من منزله في منطقة المجموعة الثقافية في الجانب الأيسر من مدينة الموصل، فهناك خلف الباب الموصد داخل الحرم الجامعي كانت المساحة الوحيدة الذي يستطيع فيها أن يلتقي بمن يحب، وكان يستطيع في الأقل النظر إليها حتى وإن لم يتمكن من الحديث معها.

ولكن إغلاق الجامعة ليست مشكلته الوحيدة” يقول بهاء” ويتابع بشيء من الغضب” فرضت داعش على النساء ارتداء النقاب المغطي لكامل الوجه، وهذا يعني أنني لن أميّز ميسون حتى وإن سارت بقربي في مكان عام”.

ويروي كيف أن توقف خدمة الانترنيت والاتصالات الخلوية في المدينة لمرات عدة خلال الأشهر الثلاث الأخيرة أخرجت ميسون عن التغطية القلبية، وهو لا يفهم سبب عدم عودتها للرد عليه بعد عودة الروح الى هواتف وكمبيوترات المدينة.

“ربما هي محبطة”، يحاول بهاء تطمين نفسه.

ويشير إلى إنه شاهد خلال مراقبته لمنزلها أياماً عدة نساءً يخرجن ويدخلن، لكن بلون نقاب موحد هو الأسود وهو اللون المسموح للمتزوجات بارتدائه بحسب أوامر داعش.

 

ويقول بأنه لم يشاهد مطلقاً حركة أنثوية بنقاب أبيض مما يدل على أن ميسون لا تغادر المنزل أو تفعل ذلك متنكرة بنقاب أسود، فالبياض يعني بالمفهوم الداعشي عزوبية، مما يفتح الباب لأحدهم أن يتقدم لطلب يدها.

فكر بهاء قليلاً ثم قال “لا أعرف عقوبة رفض فتاة طلب يدها من قبل رجل داعشي، لكنني لا أتصور أبدا أن تكون أقل من الجلد”.

كما أنه يدرك جيداً مخاطر أي تصرف عشق متهور يقوم به في ظل حكم الخليفة، فقبل أيام فقط رُجم شابان حتى الموت في المدينة بتهمة الزنا، مع إن الجميع يعرف بأن الشرع الإسلامي يستوجب وجود أربع شهود على الواقعة التي تنبغي عليها اشتراطات عدة لتنطبق عليها العقوبة، وأهمها فعل الإيلاج، مما يعني بشكل عملي استحالة اكتمال أركان الجريمة التي نظر إليها بذات الشكل حتى القانون العراقي(الوضعي من وجهة نظر داعش).

ويعتقد بهاء أن الرجم كان استعراضاً للقوة والسطوة ولا يستبعد أن يكون المرجومان مثله، لكن حظهما العاثر أوقعهما بأيدي أناس يسبون النساء ويبيعونهم ويشترونهم ويقطعون رؤوس الناس مثل الماشية ويدمرون مدناً بأسرها فوق رؤوس مواطنيها، ثم يحاسبون المساكين على سيكارة دخنها أو مجرد كلمة قالها تعبيراً عن مشاعره.

مجتمع مدينة الموصل محافظ بنحو عام لأسباب عديدة منها السطوة العشائرية المحيطة بها والمتغلغلة في المجتمع بقوة، والحروب والحصار الاقتصادي الذي خلفها وتدهور الأمن بعد 2003 .

كل هذا جعله مجتمعاً منغلقاً، ومنظر شاب وشابة جالسين والقلوب تتراقص فوقهما كان نادراً جداً وتكاد تنعدم في المدينة أمكنة لقاء لهذا الغرض، ومع هذا كانت حاجة المحبين أم الاختراع، وكانوا يختلقون أوقات لقاء حتى وإن كانت خاطفة في سوق أو على صفحة فيس بوك او رسالة هاتف جوال.

“داعش” أكملت دائرة الغلق، ومنعت النساء من التواجد في الدوائر والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية وفصلتها صغيرةً كانت أم كبيرة في المدارس والجامعات وعزلها عن العالم الخارجي بالنقاب، كما تم فرض عقوبات على ظهور النساء على شبكات التواصل الاجتماعي.

بهاء أنتبه إلى هذه المشكلة في وقت مبكر وفتح صفحة حب بأسم مستعار على الفيس بوك، وزع عليها منشورات شهرين من الحنين، وانتظر لشهر كامل أن تقبل ميسون صداقته، بعدما شرح لها تفاصيل نضال حبه السري في رسالة خاصة، ولكنه وبدلاً من ميسون تلّقى رسالة عبر الخاص من صفحة تحمل صورة علم داعش، تطالبه بمبايعة الخليفة لأنه طريق خلاصه الوحيد.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here