كنوز ميديا / متابعة – كانت البداية هي تأسيس منظمة القاعدة في أفغانستان، ثم جرى لاحقاً تكاثر منظمات إرهابية عديدة، منها “القاعدة في بلاد وادي الرافدين” و”القاعدة في العراق” AQI، و”الدولة الإسلامية في العراق” ISI، و”القاعدة في شبه الجزيرة العربية”AQAP ، و”القاعدة في المغرب العربي” AQIM، و”الشباب” في الصومال” و”بوكو حرام” في نيجيريا. أما اليوم فيواجه المجتمع الدولي الحركة الإرهابية الأكبر والأشد خطورة على الإطلاق، ذلك هو تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” ISIS .

وقد أعاد هذا التنظيم تسمية نفسه في 29 حزيران 2014 وتحديداً في اليوم الأول من شهر رمضان، ليصبح “الدولة الإسلامية”، إذ أسس ما يسمى بـ”الخلافة” على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا وشمال غربي العراق. وبذلك لم تعد “الدولة الإسلامية” حركة إرهابية فحسب بل أصبحت دولة لها كيان كامل، إذ أنشأت محاكم، وعيّنت “أمراء” لإدارة مناطق محلية، وصار لديها جهاز بيروقراطي متكامل لجمع الضرائب، و”مكاتب للزواج” تنظم زواج مقاتلي الدولة الإسلامية من الأرامل والشابات الباكرات، وحتى مكاتب خاصة لإصدار جوازات السفر ولوحات أرقام السيارات.

إن استمرار الدولة الإسلامية في هجماتها شمالي العراق في مساعيها للوصول إلى مدينة أربيل الكردستانية، وتقدمها باتجاه مدينة حلب السورية، يعني أن التهديد الإرهابي ما عاد يطول العراق وسوريا فحسب بل يستهدف ما هو أبعد من ذلك، وإنه ينمو بشكل مستمر. ولكن كيف أصبحت هذه الجماعة قوية جداً وقادرة على تحقيق نجاحات ومكاسب عسكرية كثيرة؟

لكي نجيب عن هذا السؤال يجب أن نبدأ بالتساؤل: من هي الدولة الإسلامية في العراق والشام ISIS؟ وما هي العقيدة التي تعتنقها؟ وكيف لهذه العقيدة أن تجذب الأعضاء الجدد؟ ولماذا نجد أن أعضاءها مستعدون للتضحية بحياتهم من أجل قضية يرى الكثيرون أنها غامضة وغير محددة؟ وكيف تمول هذه الجماعة نفسها؟ وما العلاقة بين عقيدتها وستراتيجيتها العسكرية ومصادر تمويلها؟ وما الأهداف النهائية للدولة الإسلامية؟ وكيف يمكن إيقافها؟

العــقيدة Ideology

يمكن القول إن السرد العقائدي لجماعة الدولة الإسلامية ليس متيناً، فأفكارها مشتقة من الوهابية والقطبية (أي أفكار سيد قطب) في أكثر أشكالها عنفاً، وذات نظرة مانوية (إثنينية) تفترض أن العالم مكان صار فيه الخير خاضعاً للشر. وكغيرها من الحركات المتطرفة التي تدّعي الهوية الإسلامية، فإن المعضلة الجوهرية في منظورها تتمثل في أن المسلمين جرى تضليلهم وإفسادهم من الغرب، فانحرفوا عن الإسلام الحقيقي.

وبالقياس لشدة الجهود “المثالية” التي تبذلها الدولة الإسلامية لشرعنة وتبرير وجودها وأهدافها الدينية، وإصرارها على تأسيس “خلافة” جديدة، فإنها تعد الحركة الأكثر بروزاً في القرن الحادي والعشرين لحد الآن. وبخلاف تنظيم القاعدة الذي لم ينعت نفسه أبداً بالدولة وظل تركيزه الأساسي هو مهاجمة الغرب، فإن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام اعتمد تسمية “الدولة الإسلامية في العراق” منذ العام 2004م.

كما يختلف هذا التنظيم (أي الدولة الإسلامية في العراق والشام) عن حركات متطرفة كثيرة في أن هدفه لا يتمثل بتأسيس “أمة إسلامية” غير محددة جغرافياً في زمن مستقبلي ما، بل إنه يسعى إلى خلق “دولة–أمة” nation–state حديثة، وهو مفهوم من الواضح إنه لم يستخدم في زمن الخلافة العربية – الإسلامية. وفي الوقت الذي توجه فيه هذه الدولة الإسلامية تهديدات من وقت إلى آخر للولايات المتحدة والغرب، فإن تركيزها الأساسي ظل ينصبّ على حيازة الأراضي في الشرق الأوسط لا سيما في سوريا والعراق.

ومن خلال مراجعة التسجيلات الفديوية والبيانات الصادرة عن الدولة الإسلامية، نجد أن هناك ركناً أساسياً في أيديولوجيتها يتمثل بتبنيها لفكرة وجود عدوان غربي مستمر وذي جذور تاريخية عميقة ضد الإسلام عبر التأريخ، إذ دأبت الدولة الإسلامية بشكل ثابت على توصيف الغربيين بكونهم “صليبيين”. أما الأمر الأكثر صلة بهذا العدوان الغربي في الذاكرة التأريخية لدولة العراق والشام فيتمثل بمعاهدة سايكس بيكو 1916 التي قرر من خلالها البريطانيون والفرنسيون تقسيم الشرق الأوسط إلى دول تعمل على خدمة مصالحهم الخاصة. لذلك يتجه المسعى الأساسي للدولة الإسلامية لإلغاء الحدود بين العراق وسوريا وإقامة دولة “الخلافة”.

وتأثراً بهذا التوجه، فإن كثيراً من المسلمين ممن يعتقدون أن للغرب أطماعاً استعمارية جديدة في العالم الإسلامي، باتوا يجدون أنفسهم منجذبين لتنظيم الدولة الإسلامية الذي يشدد على أن هدفه هو إزالة “الحدود المصطنعة” التي تفصل بين المسلمين في الشرق الأوسط وأنحاء العالم كافة. كما يظهر هذا التنظيم بوصفه النقيض لرجال الدين المسلمين الخاضعين لإملاءات الغرب، إذ ينخرط في “جهاد دفاعي” لحماية البلدان الإسلامية من الصليبيين الجدد. وكدليل على خضوع رجال الدين المسلمين الشرق أوسطيين هؤلاء، تقوم الدولة الإسلامية بنشر صورهم على مواقعها الإلكترونية أثناء لقائهم بمسؤولين غربيين. وتعد هذه السرديات مثالاً آخر عن كيفية قيام الحركات الشمولية totalitarian movements بتوظيف نظريات المؤامرة والترويج لفكرة الضحية من أجل تعبئة أعضائها وخلق التضامن بينهم، إذ أنها تتبنى الفكرة الضمنية القائلة بأن “الغربنة” Westernization هو نوع من مرض لا يجلب إلا الشقاء والمعاناة، ولهذا يجب استئصاله بأي ثمن كان.

إن نمط التفكير هذا يساعد في تفسير كيف أن تنظيم الدولة الإسلامية يجرّد الأشخاص الذين يساندون المصالح الغربية في الشرق الأوسط من إنسانيتهم إلى الحد الذي يصبح فيه قتلهم شكلاً من أشكال التطهير والتنقية ، أي استئصالاً للمرض.

أما رغبة التنظيم في توحيد جميع المسلمين تحت مسمى “الخلافة”، فإنه يرجع إلى جذوره الوهابية التي تزوده بالأسس الساندة لعقيدته. فما دام تنظيم الدولة الإسلامية يحمي الإسلام من الغرب، يصبح جميع المسلمين في كل مكان من العالم ملزمين بإطاعة أوامره ودعمه في ساحة المعركة في العراق وسوريا من أجل مهاجمة أعدائه في عقر دارهم.

وبالمقايسة مع الوضع الأفغاني يتضح فرق عقائدي بارز بين تنظيم الدولة الإسلامية وحركة طالبان. فطالبان كانت مقتنعة بدرجة كبيرة بحكم أفغانستان ومناطق باشتون في باكستان المجاورة (إذ سُمِح للقاعدة بالعمل والتوسع هناك)، في حين يرى تنظيم الدولة الإسلامية أنه ملزم عقائدياً بالتوسع الدائم في الأراضي التي يستولي عليها. فهدفه الآني هو السيطرة على العراق وسوريا ومن ثم التوغل أعمق نحو لبنان .

وفي الوقت نفسه يبدو تنظيم الدولة الإسلامية عملياً جداً، إذ يغوي أتباعه للتصديق بأن الأعمال الوحشية والإجرامية التي يقومون بها إنما هي من أجل قضية نبيلة. كما إنه نجح على الرغم من عقيدته الشمولية بتحقيق المواءمة مع قبائل ومناطق سنية واسعة وقعت تحت سيطرته. فغالباً ما يقدم لهم تنازلات عقائدية مؤقتة من أجل تحقيق نجاحات عسكرية ومالية، حتى إنه سمح لمناطق معينة تقع تحت سيطرته بأن يكون لها حكم ذاتي نسبي. فطريقته في العمل تتمثل في فرض قيود تدريجية على المناطق التي يسيطر عليها حتى لا ينعزل عن عامة الناس. وهذه السياسة قد جرى اتباعها في الموصل حيث بدأ مؤخراً بفرض قوانين قاسية على المواطنين هناك.

أما على المستوى الإعلامي كالمنشورات ووسائل الإعلام المرئية والبيانات العامة الموجهة إلى الناس، فإن تنظيم الدولة الإسلامية أوضح هدفه العقائدي متمثلاً بإبادة جميع الطوائف والإثنيات التي عدّها من “المرتدين” apostates أو أعداء الإسلام. فكراهيته اتضحت مؤخراً بشكل مأساوي ضد الشيعة والمسيحيين والأقليات الإثنية كالإيزيديين والشبك والتركمان في شمال العراق.

ومن جانب آخر، فإن الجاذبية العقائدية التي يتمتع بها تنظيم الدولة الإسلامية يجب أن لا يُنظر لها على أنها أمر يتعلق بتلك العقيدة فحسب، فالفراغ الأيديولوجي في العراق وسوريا في حقبة ما بعد انهيار المشروع القومي العربي بوصفه عقيدة وحدوية وعلمانية، فضلاً عن فشل الحركات الإسلاموية المعتدلة في إحراز نجاحات أثناء الربيع العربي مثل حزب النهضة في تونس والإخوان المسلمين في مصر، أدى إلى خلق فضاء أيديولوجي سعى هذا التنظيم إلى ملئه. ولذلك ينبغي أن يكون مفهوماً أن الأمر لا يتعلق بقوة عقيدة تنظيم الدولة الإسلامية بقدر ما يتعلق بالفراغ الأيديولوجي وعدم وجود بدائل عقائدية فاعلة بضمنها غياب عقيدة إسلاموية ديمقراطية، فضلاً عن ارتباط مشروع الوحدة العربية بالفساد وأنظمة الحزب الواحد المعروفة بانتهاك حقوق الإنسان.

التجنيد Recruitment

مرت عملية تجنيد الأعضاء التي مارسها تنظيم الدولة الإسلامية بعدة مراحل:

أولاً، استغل التنظيم غضب مجتمع السنّة العرب في العراق بعد الغزو الأميركي وما رافقه من حل متهور للجيش العراقي القائم على التجنيد الإلزامي، وتطبيق قانون اجتثاث البعث الذي شرعته سلطة الائتلاف الأميركية المؤقتة في مايس 2003م. فسياسة الـ (80%) التي مارستها هذه السلطة أي إعطاء الأفضلية للشيعة والكرد في مقابل إهمال واضح للسكان السنّة العرب لكونهم لا يمثلون أكثر من (20%) من مجموع السكّان، خلق لديهم مخاوف كبيرة بأنهم سيفقدون دورهم السياسي في عراق ما بعد 2003م. فكانت النتيجة انضمام أعداد كبيرة من الضباط السنّة في الجيش السابق أو في الحرس الجمهوري مع أعضاء في حزب البعث إلى حركة التمرد.

أما المصدر الثاني للتجنيد فكان القبائل العربية السنية، إذ استغل تنظيم الدولة الإسلامية بشكل مزدوج استياء هذه القبائل من سيطرة العلويين على الحكم في سوريا، ومن سيطرة الشيعة على الحكومة في بغداد بعد إسقاط صدام 2003م. ففي سوريا نجد أن القبائل في الجزء الشرقي من البلاد كانت ممتعضة من السياسة الدولتية المتمثلة بتفضيل العلويين والنخب التجارية السنية في دمشق وحلب عليهم. وفي العراق جاء استياء القبائل السنية نتيجة فقدانهم لامتياز الحصول على ثروات الدولة كما كان يحدث سابقاً في عهد صدام حسين.

غير أن جذور هذا التحول نحو الإسلاموية تعود في الواقع إلى الحقبة السابقة، ففي دراسته الممتازة بشأن التمرد ومكافحة التمرد في العراق Insurgency and Counter- Insurgency in Iraq، يوثق أحمد هاشم أن عدداً كبيراً من الضباط ذوي الخلفيات العشائرية بدأوا بتبني أيديولوجيا إسلاموية خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي، ما يعكس انهيار عقيدة القومية العربية في العراق بعد حرب الخليج وتغير سياسة صدام نحو التشديد على الدين وظهور ما يدعى بـ”الحملة الإيمانية” Faith Campaign التي بدأت في العام 1993 بقيادة نائبه عزة الدوري.

ويتمثل المصدر الثالث الأكثر حداثة للتجنيد في الشباب القادمين من الشيشان وتركيا والعالم العربي وأوروبا، إذ يمتلك تنظيم الدولة الإسلامية شبكة اتصال إعلامية اجتماعية متطورة لإغراء الشباب للانضمام إليه. ففي بريطانيا دأب التنظيم على محاولة تجنيد الشباب بعمر 15 سنة مستفيداً من فكرة “إنك لم تعد صغيراً جداً لتموت” You’re not too young to die. (ولمزيد من المعلومات ينظر الرابط الآتي):

فالشباب في الخارج لديهم أسباب متعددة للانجذاب نحو تنظيم الدولة الإسلامية. ففي أوروبا يجد العديد من الشباب أنفسهم عاطلين عن العمل في بلدان ذات مستويات معيشية عالية لكنهم لا يستطيعون الاستمتاع بها. كما يعيش الكثير منهم في أحياء فقيرة ومنفصلة عن أكثرية السكّان، ويفتقدون فرص العمل والخدمات، وبالنتيجة يتضاءل الأمل لديهم بحياة مستقبلية أفضل. وأخيراً يشعر الكثير منهم بأنهم يعيشون في مجتمعات معادية للإسلام فلا يمكنهم الاندماج فيها.

وهنا يكون انضمامهم لتنظيم الدولة الإسلامية سبباً لإحساسهم بالانتماء إلى مجتمع إسلامي شبيه بعقليتهم. كما يوفر لهم هذا المجتمع عملاً إذ يتسلم مقاتلو الدولة الإسلامية رواتب شهرية تتراوح بين 400–500 دولار، ناهيك عما يمكن سرقته من “الكفار” كالمسيحيين والإيزيديين. فالانضمام إلى الدولة الإسلامية يمنح معنى لحياة شباب كثيرين لأنهم أصبحوا يقاتلون من أجل قضية معينة.

إن عقيدة تنظيم الدولة الإسلامية القائمة على تأسيس “الخلافة”، إنما تربط أعضاءها من الشباب والكبار على حدا سواء بعصر ذهبي وهمي كان سائداً في عصر بزوغ الإسلام وانتشاره، معتقدين أن جهادهم في ساحة المعركة أو القيام بأعمال إرهابية سيساعد في إحياء أمجاد دولة الخلافة العربية الإسلامية. وينسجم رفض التنظيم هذا للحدود الوطنية بين البلدان الإسلامية مع مشاعر الشباب القادمين من الخارج ممن ليس لديهم انتماء إلى دولة-أمة معينة. وهنا يمكن الاستعانة بمصطلح “ما بعد القومية” post – nationalist للإشارة إلى الشباب الأجانب ممن هم في الغالب مهاجرون عابرون للقوميات، أو للإشارة إلى المهاجرين من الريف إلى الحضر ضمن الشرق الأوسط ممن لا يتماهون مع الدولة–الأمة التي يعيشون فيها.

ويمنح تنظيمُ الدولة الإسلامية الشبابَ وأعضاءه بشكل عام شعوراً زائفاً بالقوة، إذ أن حصولهم على الأسلحة والقدرة على إرعاب الآخرين يمثل بالنسبة لهم ترياقاً لمشاعر التهميش والاستلاب والعجز التي كانت تنتابهم في بيئاتهم السابقة، سواء كانوا من حي فقير في أوروبا أو من مدينة شرق أوسطية أو من قرية فلاحية يكدحون فيها لتلبية احتياجات عوائلهم.

وتتغذى عملية التجنيد للدولة الإسلامية على عامل آخر هو الطبيعة الأبوية المتطرفة للتنظيم وتغاضيه عن الاغتصاب وممارسة العبودية الجنسية و”جهاد النكاح” sexual jihad. فقلة احترام المرأة وامتهانها متجسداً في التفسيرات المتطرفة التي يقدمها التنظيم للإسلام، يشتد لدى الشباب الذكور ممن يشعرون بالعجز في مواجهة الأنظمة التسلطية التي جاءوا منها في الشرق الأوسط أو أفريقيا، أو لدى أولئك القادمين من أوروبا ممن فشلوا اقتصادياً أو ثقافياً أن يصبحوا جزءاً من مجتمعاتهم. وهناك يغدو إخضاع النساء وسيلة أخرى لتحقيق شعورهم “الزائف” بالسلطة.

الاقتصاد السياسي

Political Economy

لم تنل قدرة تنظيم الدولة الإسلامية على جمع كميات كبيرة من الأموال النصيب الكافي من الاهتمام والدراسة. فمن وجهة نظر الاقتصاد السياسي ليس هناك حاجة لبحث الجانب العقائدي للتنظيم، إذ أن العديد من القبائل تعهدت بالولاء له نتيجة حاجتها الماسة للمال. ففي سوريا مثلاً نجد أن قبائل كثيرة قد أصابها الأذى بسبب السياسة الاقتصادية الليبرالية للنظام السوري، فيما خسرت قبائل في العراق امتيازاتها الكبيرة بعد سقوط نظام صدام التي كانت متحالفة معه.

إن التمرد الذي بدأ في نهاية سنة 2003 ضمن المنطقة المسماة بالمثلث السني العربي في العراق، تسلم مساعدات كبيرة من المملكة السعودية ودول الخليج ومواطنين أغنياء في هذه البلدان. أما في سوريا، فالجماعات الإسلامية المتطرفة تلقت تمويلاً كبيراً من المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا. غير أن تنظيم الدولة الإسلامية في الوقت الحاضر أصبح مستغنياً إلى حد كبير عن حاجته لهذه الأموال، ذلك أنها مكنته في البداية من شراء الأسلحة ليصبح قادراً في ما بعد على القيام بعمليات الخطف من أجل الفدية والابتزاز وسرقة مصارف عديدة. ففي الموصل مثلاً، قيل إنه قام بسرقة 429 مليون دولار من البنوك المحلية بعد أن استولى على المدينة في 10 حزيران 2014م.

فعلى الرغم من أن سياسة تنظيم الدولة الإسلامية الوحشية في سوريا قادت الجماعات الإسلامية الأخرى مثل “جبهة النصرة” للهجوم عليه وهزيمته تقريباً في العام 2013م، فإنه كان قادراً على استعمال قاعدته في محافظة الأنبار العراقية وشبكاته السرية في الموصل لشن هجوم مضاد عليها. وبعد استعادته الأراضي التي خسرها في العام 2013م استطاع الحصول على النفط السوري واستولى على السدود المولدة للكهرباء ، كاسباً بذلك أموالاً كبيرة. وهناك تقارير تفيد أن تنظيم الدولة الإسلامية باع النفط والكهرباء إلى نظام بشار الأسد.

وهكذا أصبحت الثروة النفطية أحد المصادر الرئيسة لتنظيم الدولة الإسلامية، فضلا ًعن قيامه بتأسيس شبكات مع القبائل لتسلم شحنات النفط والغازولين المكرر وبيعه لاحقاً في السوق السوداء. كما نجح التنظيم في مد شبكة من أنابيب بلاستيكية تحت الحدود السورية – التركية لتجهيز مجموعة كبيرة من المهربين الذين يشترون النفط السوري بأسعار منخفضة للغاية. وبينما حاول الجيش التركي أن يدمر شبكة الأنابيب هذه، فإن نجاحه كان جزئياً فقط. فبعد أن كانت تركيا واحدة من الداعمين الأوائل لتنظيم للدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات الراديكالية في سوريا، فإنها تواجه الآن شبكة كبيرة من تهريب النفط والغازولين تحت أراضيها بصورة غير قانونية ما خلق مصالح مالية لتنظيم الدولة الإسلامية أصبح من الصعب جداً القضاء عليها.

وإلى جانب عمليات الاختطاف والابتزاز والسرقة وبيع النفط والغازولين والكهرباء، فإن تنظيم الدولة الإسلامية استعمل المهارات الحاسوبية لإحدى جماعاته الفرعية القاطنة في بريطانيا لممارسة القرصنة ضد البطاقات الائتمانية والحسابات المصرفية لبعض الأغنياء في المملكة المتحدة. والرابط الآتي يوضح ذلك:

إن اجتماع كل هذه المصادر المالية الناتجة عن مجمل نشاطه الاقتصادي، قد جعل “الدولة الإسلامية” المنظمة (أو الدولة) الإرهابية الأكثر غنى في العالم بثروة تقدر بـ 2 مليار دولار:

وبنظرة مستقبلية، فإن تنظيم الدولة الإسلامية سيمارس تهديداً أكبر بكثير مما تمارسه حركة طالبان أو أي منظمة إرهابية أخرى، إذ بات يسيطر على أراضٍ واسعة في واحد من أكبر البلدان المنتجة للنفط في العالم، وهو بذلك لا يهدد العراق وسوريا فحسب بل يصل تهديده أيضاً إلى إيران والأردن ولبنان والسعودية ودول الخليج العربي.

يضاف إلى ذلك أن هذا التنظيم لم يعد نجمه صاعداً بسبب تدفق الأموال إليه فحسب، بل كذلك بسبب امتلاكه لفريق محترف من أعضاء متخصصين في التكنولوجيا ووسائل الاتصال الاجتماعي والقرصنة الإلكترونية لاختراق أنظمة الحواسيب في كل أنحاء العالم، ولقدرة إعلاناته على النجاح المتواصل في جذب الشباب من كل العالم وصولاً إلى الصين والهند وحتى الولايات المتحدة الأميركية .

—————————————-

إريك دافيس Eric Davis: بروفيسور العلوم السياسية في جامعة روتجرز في نيوجرسي بالولايات المتحدة الأميركية، ومدير سابق لمركز دراسات الشرق الأوسط فيها.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here