د. علي المؤمن  – 

الدعوة بين نارين: عدم الإيمان بالمرجعية وعدم الإيمان بولاية الفقيه لم يحالف الحظ رجال أمن السلطة البعثية الإمساك بي خلال تظاهرة إنتفاضة 17 رجب عام 1979 في النجف الاشرف؛ والتي كانت تطالب بإطلاق سراح المرجع الديني السيد محمد باقر الصدر؛ ولكن قريبي البعثي رآني وأنا أهرول في زقاق القصابين ( سوق الكصاصيب) باتجاه شارع زين العابدين، ولمحته أنا أيضاً وهو يحدق بي بشزر وتوعد. وفي المساء فوجئت به في بيتنا. وحين استدعاني والدي لمقابلة قريبنا البعثي؛ بدء الأخير حديثه بأن صفعني؛ ثم أخذ يخيفني بسطوة الأمن والمخابرات البعثية وما يقومون به في السجون ضد المعتقلين. وكنت أدرك إنه حريص على سلامتي بالفعل ولايريد إيذائي. ولكن المدهش إنه أخذ ينصحني من منطلق ديني؛ رغم إنه شيوعي سابق وملحد وسكير؛ إستحال بعثيا ومخبراً في الأمن. كان ينصحني بأن لا أتورط مع جماعة الصدر العملاء المعادين للمرجعية؛ لأن الصدر هو ضد المرجعية، ولديه حزب يحارب المرجعية، وهؤلاء خطر على الشيعة، وإن الصدر عميل أمريكي وعميل للخميني، وإن الخميني هو عميل أمريكي أيضاً. ولم يكن هذا النوع من التهم المدروسة بعناية بالغة في الغرف المظلمة لأجهزة الالمخابرات العراقية والإقليمية والعالمية؛ بعيدة عن مسامع الناس في الأوساط الدينية أو القريبة منها إجتماعياً؛ فقد كان يتحدث بها بعض المعنيين وغير المعنيين؛ متدينين وغير متدينين؛ كأنها أمر بديهي غير قابل للنقاس. كما كان حديث عداء (جماعة الصدر) للمرجعية والحوزة وخطورتهم على الشيعة؛ هي الشائعة التي يركز عليها رجال الأمن والمخابرات والبعثيين أكثر من غيرها؛ بهدف التنكيل بالدعاة وتعميق الفرقة بينهم وبين الإتجاه العام في الحوزة العلمية وبين المتدينين التقليديين. وفي هذه الفترة؛ لم يكن السيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة الاسلامية؛ المستهدفان الوحيدان من هذه الهجمة؛ بل كان كل التيار الإسلامي السياسي الشيعي متهماً بهذه التهم أيضاً؛ تزامنا مع إندلاع الثورة الاسلامية في ايران بقيادة الإمام الخميني؛ الذي كان يمثل قيادة هذا التيار؛ بل كان بعض المتدينين التقليديين الشيعة يقولون: (( الخميني يريد إسقاط الشاه الذي هو الملك الشيعي الوحيد في العالم!! )). وفي مرحلة المهجر التي عاشها الدعاة في إيران؛ بدءاً من عام 1979؛ تطوّرت تهمة عدم إيمانهم بالمرجعية الى تهمة أخطر؛ وهي عدم إيمان حزب الدعوة بولاية الفقيه، وإن الدعاة هم ضد مبدإ ولاية الفقيه؛ ومصداقها. وهذا التهمة تعني؛ وفقا لمبدإ ولاية الفقيه؛ خروجا نظريا على ولي الأمر. وكان المناوؤن للدعوة من الفرقاء السياسيين الشيعة العراقيين المتواجدين في إيران يغذون هذه التهمة؛ على خلفيات مليئة بالمفارقات والتناقضات؛ فكانوا يقولون للجمهور العراقي في إيران والمهجر بأن حزب الدعوة لايؤمن بالمرجعية الدينية، ويقولون للإيرانيين الحكوميين بأن حزب الدعوة لايؤمن بولاية الفقيه. وبالتالي؛ لم يكن بعض الإيرانيين المتشددين يتهمون حزب الدعوة بعدم الإيمان بالمرجعية؛ بل العكس؛ يقولون بأن حزب الدعوة تابع لمرجعية النجف؛ وبأنهم (جماعة الخوئي)، ولايؤمنون بولاية الإمام الخميني. فكان الدعاة يواجهون نيران تهمتين متعارضتين؛ وهي مفارقة تستند الى شبهة واقعية؛ لآن حزب الدعوة هو إبن مدرسة النجف بالفعل، ونتاج نظرية السيد محمد باقر الصدر الفقهية السياسية، و تأسس في كنف مرجعية الإمام الحكيم وتأثر بها، وإن كثيرا من قيادات الدعوة وكوادرها وأعضائها يقلدون الإمام الخوئي؛ وإن أكثر علماء حزب الدعوة هم تلاميذ السيد الخوئي. ولكن في الجانب الميداني كان حزب الدعوة في حالة حرب دموية شاملة مع نظام البعث، ويتماثل فكرياً ومنهجياً مع نظام ولاية الفقيه.   معطيات الوسط العراقي الديني المناوئ لحزب الدعوة      من عدم إيمان الدعوة بالمرجعية الدينية الى عدم الإيمان بولاية الفقيه؛ كانت تبرز حزمة المفارقات التي تخلقها إتهامات ثلاثة أطراف معنية؛ الوسط العراقي الديني بشقيه التقليدي والسياسي، والوسط الإيراني المؤمن بمبدإ ولاية الفقيه، والدعاة الذين تركوا التنظيم. في النجف التي ترمز عادة الى توجهات الوسط الديني العراقي بشقيه التقليدي والسياسي؛ فإن تهمة عدم إيمان حزب الدعوة بالمرجعية الدينية، وعدم الإلتزام بأوامرها؛ كانت تستند الى المعطيات التالية: 1-   إن حزب الدعوة هو حزب سياسي ديني؛ يعتمد ايديولوجية غير مسبوقة في الوسط التقليدي الديني والوسط الحوزوي؛ فهو يؤمن بإقامة دولة إسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي (ع)؛ وهي نظرية مرفوضة ـ غالباً ـ في هذا الوسط؛ لحرمة قيام راية ودولة الّا على يد المعصوم أو إذنه؛ وفق الموروث الفقهي الشيعي. ولكن السيد الشهيد الصدر أسس لنظرية فقهية جديدة قام عليها حزب الدعوة؛ قلبت موازين الفقه السياسي الاسلامي لمدرسة الإمامة. فكانت نظرية الشهيد الصدر تعتمد الشورى في قيادة العمل في أول خمس سنوات من عمر الدعوة (1957 ـ 1961)، ثم طوًر نظريته بعد ذلك؛ حين اعتمد نظرية ولاية الفقيه؛ بالمضمون نفسه الذي طرحه آية الله الشيخ محمد رضا المظفر في كتاب عقائد الإمامية و الإمام الخميني في محاضرات ولاية الفقيه. وفي النتيجة؛ كان من البديهي أن تتعارض نظرية حزب الدعوة في العمل الاسلامي السري وفي تاسيس الدولة الاسلامية في عصر الغيبة مع النظرية الموروثة الحاكمة في الحوزة العلمية؛ وبالتالي؛ ظهور نوع من عدم الإنسجام مع هذا الوسط؛ وصولاً الى ما يمكن تسميته بعدم التبعية للمرجعيات. 2-   إن حزب الدعوة كان يريد تنفيذ منهجه ومشروعه في التحرك الخاص؛ بعيداً عن تاثيرات مكاتب المرجعيات؛ لأن هذه التاثيرات وخصوصيتها تتعارض مع مشروع الدعوة وخصوصيته. وكان هذا مدعاة لتهمة أكبر؛ هي العداء للمرجعية. 3-   إن حزب الدعوة لم يتبن مرجعية بعينها؛ بل حرّر أعضاءه من ضغط تقليد مرجع بعينه؛ بالنظر لتعدد المرجعيات وإختلاف رؤاها الفقهية أحياناً، و توجهاتها ومواقفها السياسية والإجتماعية والفكرية أحياناً أخرى. 4-   في الفترة التي أعقبت وفاة مرجع الطائفة الإمام الحكيم؛ إنقسمت المرجعية النجفية العليا بين الإمام الشاهرودي والإمام الخوئي، وحدث فراغ نسبي في قيادة الشأن العام؛ أي قيادة الواقع الشيعي التي كان يمسك بها الإمام الحكيم؛ في الأبعاد الإجتماعية والإصلاحية والسياسية؛ الأمر الذي دفع الثنائي القيادي لحزب الدعوة (الشهيد عبد الصاحب دخيل والشهيد محمد هادي السبيتي ) للتفكير في طرح مبدإ ((الساحة لمن يتصدى لها))؛ أي إن المرجعية؛ من الناحية المصداقية الواقعية (وليس من ناحية المفهوم)؛ إذا تصدت للشأن العام أو قيادة الأمة؛ كما كان في مرحلة الإمام الحكيم؛ فإن الدعوة ستسير خلفها، وتكون قيادة الأمة للمرجعية المتصدي المبسوطة اليد. وإذا لم تتصد المرجعية الدينية للشأن العام ولقيادة الواقع الشيعي، وحصرت نشاطها في الشأن الخاص؛ أي البعد العلمي والديني المحض؛ فإن حزب الدعوة سيضطر لملء الفراغ والتصدي للشأن العام؛ أي لقيادة الأمة. و كانت هذه الفكرة من أهم المؤاخذات النظرية التي استثمرها مناوئي الدعوة في الوسط الديني ضد الحزب. 5- حين تبنت الدعوة مرجعية السيد الشهيد محمد باقر الصدر؛ بعد أن طرح رسالته العملية (الفتاوى الواضحة) في منتصف السبعينات؛ أصبحت الأغلبية الساحقة من وكلائه هم من علماء الدين الأعضاء في حزب الدعوة ( 80 وكيلاً داعية من مجموع وكلاء الشهيد الـ 100 في الداخل والخارج). ولكن لم تفرض قيادة الحزب على أعضائها تقليد السيد الشهيد الصدر؛ بل كان تروج لمرجعيته في أوساط الدعاة والمناصرين؛ في وقت كان معظم الدعاة يقلدون الإمام الخوئي. وبذلك أصبح هناك خروج على المألوف الراسخ؛ والمتمثل في عدم تقليد الدعاة للمراجع الأكبر سناً والأشهر في الأعلمية؛ ولاسيما المرجع الأعلى السيد الخوئي، لصالح تقليد السيد محمد باقر الصدر وهو فقيه شاب في بداية أربعينات عمره؛ وهو ما تم تصنيفه عدم تبعية للمرجعية العليا. بل هناك مقترح طرحه الثنائي القيادي الشهيد محمد هادي السبيتي والشهيد عبد الصاحب دخيل في عام 1971 على السيد الشهيد محمد باقر الصدر؛ بأن يعلن الصدر عن مرجعيته، وتروج لها الدعوة وتنشرها؛ لملء الفراغ القيادي في الساحة الشيعية. وكان الشهيد الصدر حينها بعمر 36 سنة. وهو خروج كبير على المألوف؛ رغم ماكان السيد الصدر قد بلغه من المستوى العلمي والفقهي العملاق. ولكن اكتملت الفكرة عند السيد الشهيد عام 1974. 6-   حين أعلن المرجع السيد الشهيد محمد باقر الصدر عن مشروع الثورة؛ بايعته قيادات حزب الدعوة في إقليم العراق على الموت في طريق مشروعه، وأصدر المجلس الفقهي للدعوة (آية الله الحائري، آية الله الآصفي، آية الله التسخيري، آية الله العسكري، آية الله فضل الله وغيرهم) في عام 1979؛ فتوى شرعية بالانتقال الى مرحلة العمل المسلح. وكان من البديهي أن يتعارض التحرك الثوري للسيد الصدر والعمل المسلح لحزب الدعوة مع التوجهات المعلنة للمرجعية النجفية العليا؛ وهو مايمثل عدم إلتزام بمواقف المرجعية. 7-   إن حزب الدعوة دخل في مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وأصبح جزءاً من منظومة ولاية الفقيه التي لاتؤمن بها المرجعية النجفية كمبدإ فقهي. أوساط نظام ولاية الفقيه في إيران و قواعد العلاقة بالدعوة     كان كثير من الإيرانيين الولائيين ( علماء الدين المؤمنين بمبدإ ولاية الفقيه و بالإمام الخميني مصداقاً لها )؛ وتحديداً الذين عاشوا النجف؛ يعتمدون مؤشرات أساسية في إتهامهم حزب الدعوة بالضدية مع ولاية الفقيه؛ أهمها: 1-   إن حزب الدعوة كان منذ تاسيسه تابعاً من الناحية الواقعية والفكرية لمرجعية السيد محسن الحكيم؛ وإنه تأسس في كنفه وبرعايته. وبما إن مرجعية الإمام الحكيم هي مرجعية إصلاحية وليست ثورية، وإنها كانت على خلاف مع مرجعية الامام الخميني في النجف، وعلى علاقة إيجابية بشاه إيران؛ فإن حزب الدعوة هو إبن هذه المدرسة بكل تفاصيل حركته، فضلاُ عن إن ثلاثة من اولاد السيد الحكيم هم من مؤسسي حزب الدعوة والدعاة الاوائل: السيد مهدي الحكيم؛ صاحب فكرة الحزب، والسيد محمد باقر الحكيم والسيد علاء الدين الحكيم، وإن تمويل حزب الدعوة كان من السيد محسن الحكيم. كما كان كثير من علماء الدين من قادة الدعوة هم تلاميذ وكلاء وممثلين للسيد الحكيم؛ وأبرزهم السيد مرتضى العسكري والشيخ عارف البصري في بغداد، والسيد قاسم شبر في النعمانية، والشيخ علي الكوراني في الكوفة، والشيخ محمد مهدي شمس الدين في الديوانية، والسيد محمد حسين فضل الله في لبنان، والسيد طالب الرفاعي في مصر وغيرهم كثير. وكان الدعاة يديرون غالباً مشروع المكتبات العامة الذي أطلقه السيد الحكيم. 2-                        إن إثنين من مؤسسي حزب الدعوة وقادته كانا ضد بعض رموز الثورة في إيران، وعلى علاقة ببلاط الشاه كما يشيعون؛ وهما آيه الله السيد مرتضى العسكري الذي أفتى بإنحراف الدكتور علي شريعتي مستعيناً بفتوى الإمام الخوئي. وكانت فتوى العسكري تلقيها طائرات جيش الشاه بشكل منشورات على المتظاهرين الثائرين في عام 1978؛ للتثبيط من عزيمتهم وبث الخلافات بينهم؛ على إعتبار إن علي شريعتي كان إسلامياً تنويرياً، وقد قتله السافاك (مخابرات الشاه) في باريس عام 1977. وكان كثير من الثوار الإيرانيين الاسلاميين التنويرين يعتمدون أفكاره. والثاني هو السيد الشهيد مهدي الحكيم؛ الذي كان يعيش في كنف الشاه حين أقام في إيران؛ بعد إفلاته من الإعدام على يد السلطة البعثية عام 1969، وكان وهو في طهران؛ يعمل مع معارضين عراقيين آخرين على الإطاحة بنظام صدام بإشراف سلطات الشاه. 3-   إن حزب الدعوة إتبع مرجعية السيد إبي القاسم الخوئي بعد وفاة السيد الحكيم، وإن معظم تمويل حزب الدعوة يأتي من السيد الخوئي عبر وكلائه ومعتمديه من الدعاة، ولاسيما آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي وأية الله الشهيد الشيخ مهدي العطار وأية الله السيد عبد الله الغريفي، إضافة الى أربعة من كبار التجار الشيعة الكويتيين والإماراتيين من معتمدي السيد الخوئي. كما كان أكثر علماء الدين من قادة حزب الدعوة هم تلاميذ السيد الخوئي؛ كآية الله الحائري وآية الله التسخيري وآية الله الآصفي وآية الله العطار وغيرهم كثير جداً، وإنهم متأثرون بأفكار السيد الخوئي؛ حتى إن الشيخ الآصفي ( وفقاً لكلامهم الذي نفاه لي عندما سألته) رفض ترجمة أو تصحيح كتاب الحكومة الاسلامية للإمام الخميني؛ حين أرادوا طبعة في النجف. وكان معظم فقهاء حزب الدعوة لايوافقون على العدول عن تقليد السيد الخوئي؛ عندما يستفتيهم الدعاة في العدول الى تقليد الإمام الخميني. في الوقت الذي كان الدعاة الذين يقلدون الإمام الخوئي يعيشون حيرة مكبوتة كبيرة وإزدواجية شرعية؛ بين تقليدهم لمرجع لا يستطيعون تقليده في الشأن السياسي ومسألة الصراع المسلح مع السلطة البعثية والخوض في الدماء من جهة، وتبعيتهم العملية للإمام الخميني في موضوعة الصراع والشأن السياسي ودعم الجمهورية الإسلامية من جهة أخرى، وبين فقيه الدعوة ( آية الله الحائري) الذي يفتي لهم بالخوض في الصراع المسلح بكل تبعاته وخواتيمه من جهة ثالثة. 4-   إن تصريحات كانت تصدر من بعض قادة الدعوة ضد الإمام الخميني خلال الثورة؛ ومنها تصريح الشيخ علي الكوراني حول إستغلال الشيوعيين للإمام الخميني؛ وبأن اليساريين من شيوعيين وجماعة خلق يركبون موجة الثورة وسيمسكون بالسلطة بعد سقوط الشاه. 5-   إن بعض قادة الدعوة وكوادرها المقيمين في إيران في عهد الشاه؛ كانوا يتعاونون مع مرجعية السيد كاظم شريعتمداري؛ ولاسيما الشيخ محمد علي التسخيري والشيخ محمد سعيد النعماني والشيخ قاسم الحائري والشيخ هادي الغروي وغيرهم؛ وكانوا يصدرون في بداية سبعينات القرن الماضي مجلة الهادي (العربية) التي تعبر عن أفكار السيد شريعتمداري وتروج لنشاطاته ومرجعيته. 6-   إن أحد مؤسسي حزب الدعوة وقادته التاريخيين؛ وهو آية الله السيد طالب الرفاعي؛ والذي كان وكيلاّ لمرجعيات النجف في القاهرة؛ هو الذي صلى على جنازة شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي عام 1980. وكان ذلك من أكبر الإحراجات التي تعرضت لها الدعوة؛ على الرغم من السيد طالب الرفاعي لم يكن حينها على أية علاقة بالدعوة وقيادتها وتنظيماتها؛ بل إنه ترك الدعوة في وقت مبكر بعد تأسيسها. 7-   إن تنظيمات حزب الدعوة وقادته وأعضاءه في إيران لم يشتركوا في الثورة ضد الشاه ولم يكونوا يساهمون في المظاهرات، ولم تصدر عنهم بيانات تدعو الى الثورة وتدعمها. 8-   إن حزب الدعوة لم يكن ينفذ أمر الإمام الخميني بالدخول بكل ثقله وعناصره في جبهات الحرب العراقية الإيرانية؛ وإنه يدّخر عناصره الى المستقبل؛ أي لمرحلة إستلام السلطة. 9-   إن حزب الدعوة يعدُ نفسه كياناً مستقلاً عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولايذوب في مؤسساتها المدنية والعسكرية والمرجعية، ويتصرف بإستقلالية في كثير من الملفات؛ على العكس من المجموعات العسكرية التي إنشقت عن حزب الدعوة؛ ولاسيما المجموعة التي كانت نواة تأسيس قوات بدر ( التي يقودها اليوم السيد هادي العامري)، والمجموعة التي كان يقودها القيادي العسكري التاريخي في حزب الدعوة السيد مهدي عبد مهدي ( أبو زينب الخالصي) التي عرفت بقوات سيد الشهداء الإمام الحسين؛ وهما مجموعتان أصبحتا جزءاً من قوات الحرس الثوري؛ وهو ما لم يفعله حزب الدعوة. المفارقة هنا؛ إن الجماعات الشيعة العراقية المتخاصمة مع حزب الدعوة؛ كانت تساهم بقوة في تغذية هذه التهم ضد حزب الدعوة؛ وتركز على تجميع أي تفصيل؛ مهما كان بسيطاً؛ وتنقله الى المسؤولين الإيرانيين؛ لتثبت لهم إن حزب الدعوة هو على الضد من ولاية الفقيه، وهي تهمة تثير حساسية الإيرانيين؛ على الرغم من معرفة الإيرانيين التفصلية بخلفيات الأحداث وطبيعة الخلافات بين الدعوة وخصومها. والمفارقة الأخرى هي إن حزب الدعوة كان يدفع ثمن مقولة تبعيته لمرجعية الإمام الحكيم والإمام الخوئي ومرجعية النجف عموماً، وعدم ذوبانه في مرجعية الإمام الخميني وولايته؛ في الوقت الذي كان بعض العراقيين من أبناء مرجعية النجف ولايعترفون بغيرها؛ أصبحوا من الذائبين في ولاية الفقيه أكثر من الإيرانيين أنفسهم. إشكالات أعضاء حزب الدعوة المنشقين في داخل حزب الدعوة؛ كان بعض الدعاة يتهم قيادته؛ بأنها غير ذائبة في ولاية الإمام الخميني أو أنها لا تطيع فقيه الدعوة؛ سواء السيد الصدر أو السيد الحائري من بعده؛ بناءً على المعطيات التالية: 1-   إن بعض أعضاء القيادة العامة لحزب الدعوة ( التنظيم العالمي للدعوة)؛ والذين يقيم معظمهم في الخارج؛ يتقدمهم القيادي اللبناني المتنفذ الشهيد محمد هادي السبيتي وآخرون؛ كانوا من منطلق الحرص كما يعتقدون؛ لايرون إن الدعوة مستعدة لدخول مرحلة العمل العسكري ضد التظام العراقي؛ بالشكل الذي يريده مؤسس الدعوة السيد محمد باقر الصدر في تفجير الثورة ضد النظام، وكانوا يعتقدون إن هذا الأسلوب في الإندفاع المسلح سيقضي على المؤسس الصدر وعلى الدعوة في إقليم العراق. في الوقت الذي بايعت قيادات الدعوة داخل العراق السيد الصدر على الموت بين يديه، كما كان المجلس الفقهي ( ومعظم أعضائه من تلامذة الصدر) منسجماً في حركته وفتاواه وبياناته مع توجهات الصدر. وتسبب هذا في إتهامات بتخلي قيادة الخارج عن السيد الصدر. 2-   عندما اختير آية الله السيد كاظم الحائري فقيها للدعوة وعضواً بالتزكية في قيادتها العامة عام 1982؛ حدثت إشكاليات في الصلاحيات بينه وبين قيادة حزب الدعوة؛ فقد كان الحائري يرى ضرورة ممارسة نفس صلاحيات الإمام الخميني في قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فيعين له ممثلين في كل لجان الحزب ومكاتبه وفروعه؛ يكون لهم حق النقض الشرعي؛ وهو مارفضته قيادته الدعوة؛ لأسباب تقنية كثيرة. ونتج عنه خلافات على الصلاحيات وتفسير النظام الداخلي؛ ماتسبب في إتخاذ مؤتمر الدعوة في عام 1984 قراراً بحدف مادة فقيه الدعوة من النظام الداخلي وإعادة صيغة المجلس الفقهي. وتسبب ذلك في خروج بعض الكوادر من الدعوة؛ و إتهموا القيادة بعدم طاعة الفقيه. 3-   كان بعض قياديي الدعوة وكوادرها يفسرون وصية الشهيد الصدر: (( ذوبوا في الإمام الخميني بقدر ما ذاب هو في الإسلام ))؛ بأنه ذوبان في أجهزة الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ بما في ذلك القوات المسلحة، وبأنه إرتباط مباشر بالإمام الخميني، ثم بآية الله الخامنئي بعد وفاة الإمام الخميني. وكان هذا التفسير الذي اعتبرته قيادة الدعوة غير واقعي؛ بل لم يكن يرغب به الإمام الخميني والسيد الخامنئي أساساً؛ لأسباب واقعية ايضا؛ مدعاةً لخروج بعض الدعاة والكوادر والقياديين؛ واتهامهم القيادة بعدم الالتزام بوصية السيد الشهيد الصدر، وعدم التمسك بولاية ولي الأمر. ومن أبرز هؤلاء ـ كما أسلفنا ـ المجموعة التي مثّلت نواة قوات بدر في معسكر الشهيد الصدر، ومجموعة القيادي العسكري الداعية السيد مهدي عبد مهدي. 4-   توجه بعض قياديي الدعوة في أواسط التسعينات الى إلتعاون مع مرجعية آية الله السيد محمد حسين فضل الله. و وجد الدعاةة انفسهم في موجهة اتهامات مشتركة تطال الطرفين. وكانت بعض امتدادات الدعوة في كثير من البلدان؛ ولاسيما لبنان وايران والكويت والبحريت والامارات وسوريا واوربا وامريكا تشكل حاضنة لمرجعية السيد فضل الله. وتسبب هذا في خلافات بين الدعوة وبعض المرجعيات في قم والنجف، وفي تركيز اتهام حزب الدعوة بالتنصل عن الإلتزام بقيادة السيد الخامنئي ومرجعيته من جهة، وعدم التبعية لمرجعية النجف من جهة أخرى. 5-   بعد سقوط النظام البعثي عام 2003؛ دخلت الدعوة في إشكالية جديدة كبيرة؛ إذ باتت تعيش تحت تاثير مثلث مرجعي ضاغط: مرجعية السيد السيستاني التي شكّلت لها أمراً واقعاً جديداَ وأساسياً، ومرجعية السيد الخامنئي وقيادته النافدة في العراق، ومرجعية السيد فضل الله؛ وماتمثله من إلتزام مستمر للدعوة. ولكن بعد وفاة السيد فضل الله؛ إقتصرت المعادلة المرجعية الدعوتية على طرفين: السيستاني والخامنئي. و كان موقف الدعوة هو التوازن بين طرفي المعادلة. و من حسن حظ الدعوة هو إن مرجعيتي السيد السيستاني والسيد الخامنئي؛ منسجمتان في التوجه وفي النظرة الى الواقع العراقي ومستقبل مكوناته؛ ولاسيما المكون الشيعي. و هذا التوازن العملي هو قرار كل أجنحة الدعوة ( حزب الدعوة الذي يتزعمه السيد نوري المالكي، وتنظيم العراق بزعامة السيد هاشم الموسوي، وتيار الاصلاح بقيادة السيد ابراهيم الجعفري، وتنظيم الداخل بقيادة السيد عبد الكريم العنزي)؛ وهو الموقف التقليدي للدعوة من المرجعيات والقيادات المرجعية.   المفارقات تشير الى التصاق الدعوة بالمرجعية         لست هنا بصدد مناقشة التهم والإشكاليات والملابسات المفهومية والمصداقية التي توجّه الى حزب الدعوة في موضوع علاقته بالمرجعية الدينية؛ ولكني ذكرتها لمجرد كونها مفارقات ومتعارضات، وكونها تضع الدعوة دائما بين خيارات محيّرة وفي دائرة محاطة بعدة نيران؛ ذلك أن جميع الإشكالات الواردة على حزب الدعوة من خصومه وأصدقائه السياسيين والدينيين الشيعة في النجف وقم وطهران وبيروت؛ تدور حول الإختلاف على تبعية حزب الدعوة لهذه المرجعية وتلك. وبالتالي؛ فإنها تؤكد متلازمة حزب الدعوة والمرجعية، وبأن تكوين حزب الدعوة ومساحة حركته لصيقان بالفضاء المرجعي، ولايمكنهما فكرياً وواقعياً الإنفكاك منه. صحيح إن الدعوة لم تكن يوماً حزباً تابعاً لمرجعية معينة؛ ولكن ايديولوجية حزب الدعوة لايمكن أن تعمل بمعزل عن منظومة المرجعيات الدينية؛ لأنه حزب ديني شيعي، وفيه فقهاء وعلماء دين، وأعضاءه متدينون ومقلدون للمرجعيات، ومساحة حركته هي المساحة الشيعية الدينية نفسها التي تمسك بها المرجعية الدينية، وإنه بحاجة دائما الى الإذن الشرعي ( إجازة الفقيه ) فيما يرتبط بالحقوق الشرعية (الأموال ) والدماء وكثير من الأمور الحسبية. أما الإلتزام بقرارات المرجعية وتوجيهاتها وإرشاداتها؛ فهو موضوع شائك جدا، ولايجوز أن يخضع للمزايدات السياسية والمصالح الآنية والكلام الدعائي، وليس مادة للتصريحات الإعلامية والشعارات الشعبوية؛ لأن التبعية للمرجعية تستبطن أبعاداً فقهية وواقعية كثيرة؛ ترتبط بطبيعة التوجيه؛ فيما لو كان ولائياً أو إرشادياً أو رأياً سياسياً أو تكليفاً فردياً خاضعاً للتقليد، كما يرتبط بمبنى المرجع نفسه في موضوعة مساحة ولاية المرجع ونوعية إعماله لهذه الولاية، وتصديه أو عدم تصديه للشأن العام. وهو مايختلف فيه الفقهاء والمراجع أنفسهم. ومن هنا تتعامل الدعوة مع مبدإ الإلتزام والتبعية للمرجعية وفقاً للأسس الفقهية المتعارفة، والمداخل الواقعية ذات العلاقة بتعدد المرجعيات، ومن منهم يجب أن يتبع ومن لايجب، ومصداق المرجع الأعلى مبسوط اليد؛ فضلاً عن تنوع التقليد بين الدعاة، وترك موضوع التقليد لكل داعية؛ باعتباره موضوعاَ شخصياً صرفاً؛ بل وعدم فرض مبنى فقهي محدد على الدعاة الفقهاء والمتفقهين؛ في موضوعة الولاية. وربما تكون مفارقة تحتاج الى تأمل؛ أن تتهم حركة؛ كحزب الدعوة؛ بعدم التبعية للمرجعية ولعلماء الدين؛ بالرغم من أن أكثر من 50 مجتهداً وخمسة مراجع دين كانوا يوماً أعضاء فيه؛ ولايزال فيه مجتهدون وعلماء دين ومفكرون، وإن معظم علماء الدين ومشايخ حزب الدعوة هم وكلاء للمرجعيات الدينية، وإن الحوزات العلمية في النجف وقم كانت ولاتزال مليئة بالأساتذة والطلبة الدعاة، وإن الدعاة جميعاً يرجعون بالتقليد الى المرجعيات الدينية. ولكن هناك نموذج من الناس؛ يتجاوز الحقائق الموضوعية، و يردد التهم والملابسات والشبهات والمناكفات؛ وكأنها حقائق ومسلّمات، ويربي عليها أنصاره؛ دون أن يفكر أو يتامل أو يبحث، أو حتى يكلف نفسه عناء السؤال من أصحاب الشأن أو العارفين بحقائق الأمور؛ لأن ترديد الشبهات ينسجم مع أهوائه ومصالحه الخاصة أو الفئوية، ولايفكر بمصلحة الأمة و الوحدة المجتمعية وتآلف أبناء المذهب والمكون الواحد، ولايعنيه تقارب الفرقاء السياسيين الشيعة وتآزرهم؛ لأنه يعيش على الأزمات والمشاكل التي تسببها الشبهات المتوارثة الشائعة. ولكي أكون بمستوى المسؤولية العامة؛ فإني في المقابل؛ لطالما اعترضت على بعض الدعاة؛ وهم يتكلمون عن شخصيات وجماعات شيعية بمعلومات خاطئة؛ وكأنها مسلّمات، ويؤسسون عليها نتائج ومواقف خاطئة. موقفا الدعوة والمرجعية من رئاسة الوزراء.. نموذج للمتلازمة النوعية      الحديث السابق؛ الذي أعتقده ضرورياً جداً لفهم إشكالية علاقة الدعوة بالمرجعية الدينية؛ لاسيما في مرحلة مابعد عام 2003؛ أختتمه بطرح نموذج تطبيقي حاضر الآن؛ يلخص طبيعة متلازمة حزب الدعوة والمرجعية. ومن خلاله يمكن فهم ماجرى من وقائع على الأرض بشأن ترشيح السيد حيدر العبادي لرئاسة الوزراء وسحب السيد نوري المالكي ترشيحه، والتداول الذي جرى بين المرجعية العليا وقيادة حزب الدعوة. لقد طرحت المرجعية النجفية العليا المتمثلة بالإمام السيستاني مشروعاً عميقاً في نوعه وكبيراً في حجمه؛ تلًخص عنوانه بـمفردة ((التغيير))؛ من أجل إخراج العراق من أزماته المتجذرة في أعماق التاريخ العراقي وموروثاته، وجغرافياه، وديمغرافيته، ونظامه القانوني، ونظامه السياسي، وإقتصاده، وسياسات الدولة والحكومة والفرقاء في العملية السياسية، والبيئة النفسية الإجتماعية والفردية، وثقافة الدولة والمجتمع. ومن يتصور إن الإمام السيستاني يقصد بالتغيير هو تغيير الوجوه الحكومية وحسب؛ فهو على خطإ فادح، ولايدرك ماهية عملية التغيير. ولكن السيد السيستاني إستثمر فرصة الإنتخابات ليركز أكثر على مشروع التغيير. والذي يتعمق في بيانات مكتبه وخطب أئمة الجمعة من وكلائه قبل عملية الإنتخابات وأثنائها وبعدها؛ وصولاً الى الرسالتين التاريخيتين المتبادلتين بين قيادة حزب الدعوة وشخص الإمام السيستاني؛ سيفهم بأن مشروع التغيير عند الإمام السيستاني يستوعب كل أزمات العراق وموروثاته. وتلقف الفرقاء السياسيون هذا المفهوم؛ وأخذ كل منهم يفسّره وفقاً لفهمه ومصالحه. و كان إئتلاف دولة القانون يرى ان التغيير الحقيقي ليس شكلياً؛ بل تغييراً في السياسات والأساليب والمضامين. وعليه؛ رفعوا شعار (( حكومة الأغلبية )) التي من شأنها توحيد قرار الدولة والحكومة؛ وصولا الى القدرة على التغيير الحقيقي. وأفرزت الانتخابات عن حصول دولة القانون وحلفائها على 103 مقاعد، وحصول السيد نوري المالكي على أعلى الأصوات. وجرت الأمور منذ اليوم الأول في مسار الإختلاف على تسمية الكتلة الأكبر؛ فكان إئتلاف دولة القانون يعد نفسه الكتلة الاكبر داخل البرلمان وداخل التحالف الوطني؛ بينما كانت أطراف في التحالف الوطني ترى إن التحالف هو الكتلة الأكبر؛ في الوقت الذي يشكل إئتلاف دولة القانون وشركائه حوالي 60 % من مقاعد التحالف الوطني؛ أي ان التحالف هو الأكبر بوجود دولة القانون. ولم ينته السجال بين أطراف التحالف؛ في الوقت الذي كانت مواقف أكثر أطراف الكتلتين السنية والكردية تدعمان إستبعاد إئتلاف دولة القانون من تسميته الكتلة الاكبر، وإستبعاد السيد نوري المالكي من الترشح لرئاسة الوزراء. والتزمت المرجعية العليا موقف الحياد الإيجابي؛ مع إستمرارها في التأكيد على مفهوم التغيير؛ على أمل حسم الموقف من قبل أطراف التحالف الوطني؛ ولاسيما دولة القانون. وظل خطباء الجمعة من وكلاء المرجعية العليا؛ ولاسيما الشيخ عبد المهدي الكربلائي يحثون الفرقاء السياسيين على حسم الموقف وإختيار رئيس للوزراء، ولم تتدخل في تحديد الآليات والأسماء. وعلى الرغم من المداولات المستمرة بين السيد السيستاني وموفدي السيد علي الخامنئي؛ لتحديد المسار الذي يؤدي الى مافيه مصلحة العراق والواقع الشيعي؛ الّا أن المرجعيتين بقيتا على الحياد في موضوع تحديد إسم رئيس الوزراء. وكان من شأن تدخل أي من المرجعيتين لصالح أي إسم؛ ترشيحه فوراً الى رئاسة الوزراء؛ بل كان موقف مرجعية السيد علي الخامنئي متعاطفاً مع السيد نوري المالكي؛ ويلقى دعماً من مقربيها؛ ولا سيما الفقيهين العراقيي الاصل السيد محمود الهاشمي والشيخ محمد علي التسخيري؛ فضلاً عن الجنرال قاسم سليماني. ولكن مرجعية السيد الخامنئي لم تحسم الأمر لمصلحة السيد المالكي لثلاثة أسباب؛ الأهم هو: إحترام موقف السيد السيستاني وعدم تجاوزه؛ ولا سيما إن هناك تأكيدات مستمرة من السيد الخامنئي على القوى السياسية الشيعية العراقية التي تتبع مرجعيته وقيادته؛ بأن بلتزموا توجيهات السيد السيستاني. وبذلك بقي الإيرانيون ينتظرون موقفاً صريحا من الإمام السيستاني. والسبب الثاني هو أن مرحعية السيد الخامنئي لم تكن بوارد فرض السيد نوري المالكي على باقي حلفائها الذين يرفضون ترشيحه؛ ولا سيما التيار الصدري والمجلس الأعلى. ولذلك كان تنتظر ماستسفر عنه مباحثات أطراف التحالف الشيعي؛ علّها تصل الى حل فيما بينها. والسبب الثالث هو ان موقف الحكومة الإيرانية برئاسة روحاني كانت ترى مصلحة في مجيء رئيس وزراء جديد؛ فكانت القيادة الإيرانية تراعي أيضاً موقف حكومتها. وبقيت الأمور تراوح مكانها بين الفاعلين الأربعة: مرجعية السيد السيستاني، قيادة السيد الخامنئي، دولة القانون و حزب الدعوة، و التيار الصدري والمجلس الأعلى؛ في الوقت الذي كان السيد السيستاني ينادي الفرقاء بالإسراع في الحسم وتغليب المصلحة العامة وعدم التشبث بالمنصب؛ الا ان الفرقاء الخصوم الشيعة كان كل منهم يفسر توجيهات السيد السيستاني وإرشادات وكلائه وفقاً لما يراه؛ فكان إئتلاف دولة القانون ولاسيما فريق السيد المالكي يرى بأن السيد السيستاني يقصد بذلك جماعة المجلس والتيار؛ ليتيحوا للمالكي فرصة تشكيل الحكومة الجديدة؛ على اعتبار انه رئيس الكتلة الغالبة عدداً. أما المجلس والتيار فكانوا مقتنعين بأن السيد السيستاني يقصد المالكي تحيداُ. وفي النتيجة؛ جاء الحسم من قيادة حزب الدعوة؛ التي أكدت موقفها الشرعي بالإلتزام بما يوجه به الإمام السيستاني؛ فبادرت الى إرسال رسالة خطية اليه في 25 حزيران 2014؛ لمعرفة قراره في موضوع تسمية رئيس الوزراء. و نصت الرسالة على مايلي: (( بسم الله الرحمن الرحيم سماحة آية الله العظمى المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني ـ دامت بركاته ـ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدنا المفدى: ونحن نعيش تجسيد أبوتكم الكريمة في هذا الظرف الحساس الذي تمر به أمتنا العزيزة وعراقنا الحبيب والمنطقة بشكل عام؛ نعرب عن تقديرنا لموقفكم الشجاع وإحترامنا لدعوتكم المسؤولة وطاعتنا لتوجيهاتكم الحكيمة في مواجهة الإرهاب، ونضع كل إمكاناتنا لإرادتكم بما يخدم الإسلام والعراق. سيدنا المكرم: نود أن نطرح أمامكم الأمور التالية: إلتزاماً بالتوقيتات الدستورية في ضرورة عقد جلسة مجلس النواب في موعدها وكما هي رؤيتكم دوماً في إحترام المؤسسات والدستور والقوانين. الإنفتاح على الكتل السياسية وبدء الحوار معها لتشكيل حكومة وطنية تشترك فيها كل المكونات الرئيسة من أجل تحقيق الإستقرار في البلاد وتحشيد كل الجهود لبناء العراق ومواجهة المشاكل الأمنية والخدمية والسياسية. وطبقاً لتوجيهاتكم التي تؤكدون عليها دائما. إن تسمية رئيس الوزراء من حق الكتلة النيابية الأكبر، ويفترض أن يكون ذلك عبر إعلان التحالف الوطني عن نفسه؛ لأنه يعبرعن المكون الأكبر،ويتم تسمية الشخص عبر آلية يحددها التحالف وعبر الحوارات المستمرة والمكثفة الجارية حالياً من قادة كتله. إتفقت كتل التحالف الوطني على إعطاء المواقع الأخرى كرئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ونوابهما الى الكتل والمكونات بما ينسجم مع الإستحقاق الإنتخابي. نحن نتطلع الى توجيهاتكم وإرشاداتكم ونعاهدكم إننا رهن أمركم بكل صدق في كل المسائل المطروحة وفي كل المواقع والمناصب؛ لإدراكنا بعمق نظرتكم ومنطلقين من فهمنا للمسؤولية الشرعية. حرسكم الله وأدام ظلكم وسدد خطاكم لخدمة الإسلام ومذهب أهل البيت. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته قيادة حزب الدعوة الإسلامية في 26 من شعبان 1435 الموافق 25 من حزيران 2014 )) ويتضح من روح الرسالة ومضمونها؛ إن حزب الدعوة لا ينظر الى توجيهات السيد السيستاني نظرة سياسية إرشادية؛ بل نظرة شرعية؛ فيها درجة الإلزام التي تتجاوز كون الإمام السيستاني مجرد رمزية إرشادية؛ بل كونه المرجع الأعلى المتصدي للشأن العام والمبسوط اليد. ويعي المتخصصون في الفقه السياسي الإسلامي معنى عبارة (( نعاهدكم إننا رهن أمركم بكل صدق في كل المسائل المطروحة … منطلقين من فهمنا للمسؤولية الشرعية)) التي خاطب فيها حزب الدعوة الإمام السيستاني؛ فهي تمثل بيعة شرعية عامة لا تختص بقضية رئاسة الوزراء وحسب؛ بل بمطلق الشأن العام الذي تتصدى له المرجعية العليا. وأجاب الإمام السيستاني على رسالة قيادة الدعوة في 10 تموز 2014، وحملت توجيهه بإختيار رئيس جديد للوزراء. و أراد السيد السيستاني بتوجيهه هذا؛ إخراج العملية السياسية من الطريق المسدود الذي وصلته، وإنقاذ الدولة العراقية من مأزقها القانوني والسياسي، والتداعيات الخطيرة التي يخلقها إنهيار الأمن الوطني والإجتماعي؛ فقد كان مستقبل العراق عامة ومستقبل الشيعة خاصة أمام ناظري الإمام السيستاني حين كتب رسالته التاريخية الى حزب الدعوة. ونصها: (( بسم الله الرحمن الرحيم الأخوة في قيادة حزب الدعوة الإسلامية المحترمون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد؛ فإنه تعقيباً على ماورد في رسالتكم المؤرخة في 26 شعبان 1435 هـ من طلب التوجيه فيما يخص ( المواقع والمناصب ) أود أن أبلغكم بأنه بالنظر الى الظروف الحرجة التي يمر بها العراق العزيز وضرورة التعاطي مع أزماته المستعصية برؤية مختلفة عما جرى العمل بها؛ فإنني أرى ضرورة الإسراع في إختيار رئيس جديد للوزراء يحظى بقبول وطني واسع ويتمكن من العمل سوية مع القيادات السياسية لبقية المكونات لإنقاذ البلد من مخاطر الإرهاب والحرب الطائفية والتقسيم. سدّد الله خطاكم ووفقكم لما يحبّ ويرضى. علي الحسيني السيستاني 11 رمضان 1435 )) وإذا كانت رسالة قيادة حزب الدعوة الى الإمام السيستاني لافتة للنظر على المستويين الفقهي والسياسي؛ فإن رسالة الإمام السيستاني الجوابية تعد نصاً تاريخياً على مستوى الفقه السياسي الإسلامي الشيعي. و ما يعنينا هنا؛ المضامين السياسية والرمزية والشكلية للرسالة؛ فقد أوضحت الرسالة مايكنه الإمام السيستاني من تقدير وإحترام خاصين لحزب الدعوة؛ حين أجاب بإسمه الشخصي وليس بإسم مكتبه، وبرسالة خطية بتوقيعه وختمه، وهو تعامل لم يسبق للإمام السيستاني أن خصه بفريق سياسي عراقي أو غير عراقي. ويزيد من خصوصية هذا التعامل هو أن الإمام السيستاني خاطب قيادة حزب الدعوة بعبارة: (( الأخوة )). وهو تعبير ينطوي على مضامين شكلية عميقة. والأهم من ذلك؛ إن الإمام السيستاني أبقى إستحقاق رئاسة الوزراء في داخل حزب الدعوة؛ وهو مؤشر فقهي آخر على إحترام الشريعة لخيار الأمة. وبمجرد وصولها؛ أحدثت الرسالة حراكاً كبيراً في أوساط قيادة الدعوة وشورى الحزب؛ وهو حراك فقهي وسياسي ربما يحصل لأول مرة في تاريخ حزب الدعوة؛ فقد أدى الى وصول قيادته الى حالة من الطاعة لتوجيه المرجعية العليا؛ ربما أفضت الى التخلي عن الأمين العام للحزب؛ أي زعيمه السياسي؛ فيما لو تمسك الى النهاية بحقه في الترشيح لرئاسة الوزراء؛ بالنظر لوجود توجيه في الرسالة ينص على (( إختيار رئيس وزراء جديد )). وكانت مداولات إجتماع شورى الحزب في 8 آب 2014 ؛ أي قبل إنتهاء المهلة الدستورية بيومين؛ تعبيراً عن إستذكار قيادة الدعوة وكوادرها المتقدمة لأهداف الحزب وغاياته الدينية وعلاقته الشرعية بالمرجعية وجمهور المتدينين. وبالفعل؛ إختارت قيادة الدعوة الإلتزام بتوجيه المرجعية العليا المتصدية المبسوطة اليد؛ على الرغم مما قد يتسبب ذلك من إنشقاقات وتصدعات في الحزب؛ وإختارت القيادي في حزب الدعوة السيد حيدر العبادي مرشحاً بديلاً؛ في الليلة التي سبقت إنتهاء المهلة الدستورية؛ وهو ماكان يؤكد عليه السيد السيستاني. وتم إبلاغ نواب البرلمان من أعضاء حزب الدعوة بقرار القيادة في الطاعة لتوجيه السيد السيستاني والتوقيع على تقديم السيد العبادي مرشحاً بديلاً. أما الأعضاء الذين أصروا على الإبقاء على ترشيح السيد نوري المالكي؛ فقد كان لهم تفسير آخر لمضمون رسالة السيد السيستاني؛ وهو تفسير له بعده الفقهي أيضا؛ على إعتبار إن التوجيه كان رأياً إرشادياً سياسياً وليس فتوى شرعية. وهو ماكان يطرحه السيد المالكي وقياديين وكوادر آخرين في إجتماعات القيادة والشورى وغيرها. وهو مايفسر إصرار السيد المالكي على حقه في الترشح؛ حتى بعد ترشيح السيد حيدر العبادي. و بعد يومين؛ توصّل السيد نوري المالكي الى القناعات التي توصلت اليها قيادة الحزب؛ وخرج في الإجتماع التاريخي الذي جمع قيادة الحزب وحلفاءه؛ معلناً تنازله عن الترشيح لصالح داعية قيادي آخر ( أنظر: مقالنا: متلازمة حزب الدعوة والحكومة ). وبذلك أسقط المالكي في يد خصوم الدعوة ما ينتظرونه من حصول التباس فكري وسياسي جديد في العلاقة بين حزب الدعوة والمرجعية الدينية العليا، وحال دون تمزق حزب الدعوة؛ وهو الإنجاز الأهم الذي يحسب للمالكي، كما حال دون تشقق ائتلاف دولة القانون، وانهيار التحالف الوطني الشيعي، وإنهيار العملية السياسية برمتها؛ بل منع حدوث حرب أهلية شيعية. مقالنا القادم: (( حزب الدعوة ومتلازمة الحل )).

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here