كنوز ميديا – متابعة /

في صبيحة العيد تلامس أنامل سليم الزبيدي ، العراقي المقيم في بلجيكا، شاشة هاتفه الحديث، منتقياً نحو خمسين من قائمة اصدقائه المحفوظة في ذاكرة الهاتف، مهنئاً اياهم بالعيد، عبر نص هيّأه قبل ايام انتقاه عبر ماكنة البحث “غوغل”.

 

وشملت رسائل الزبيدي النصية، الاهل والاقرباء في بلجيكا وخارجها، وفي العراق أيضا.

وفي الوقت الذي يعترف فيه الزبيدي،في تصريح صحفي بأنّ “التقنية المعلوماتية وفّرت الوقت وقلّصت الجهد”، الا انها عزَلَته اجتماعياً عن الكثير من الناس، مؤكدا ان “بعض الذين هنأهم عبر الرسائل النصية لم يقابلهم وجها لوجه منذ نحو السنة، وان علاقاته طوال هذه الفترة كانت عبر التلفون، ومواقع التواصل الاجتماعي”.

 

واذا كان للزبيدي “العذر”، بحكم وجوده في المغترب، في اِنْسِلاَخ تواصله مع افراد مجتمعه الى “رقمي” خالص، فان الكثير من العراقيين داخل البلاد وجدوا انفسهم على نحو غير مسبوق، وقد ركنوا الى حقيقة تحولهم الى “كائنات افتراضية”لا يتوفّر لها الوقت للتعامل المباشر مع بعضها،ولا تجيد التعبير بالمشاعر، ولا تكترث لصلة الأرْحام والعلاقات الاجتماعيَّة التقليديةوابداء العواطف الا عبر التقنيات الرقمية، لاسيما الرسائل النصية، او عبر التدوينات الرقمية في “فيسبوك” او التغريدات عبر “توتير”.

 

التقنية “تقضم” فرحةالعيد

انّ القول ان التقنية المعلوماتية “تقضم”فرحةالعيد، صحيح الى حد كبير، بعدما انحسرت الكثير من الفعاليات الاجتماعية الواقعية وتحولت الى “عوالم افتراضية” بلا مشاعر، منذ دخلت تقنيات التواصل عالم الانترنت في 1993 من قبل شركتي “أميركا أون لاين” و “ديفلي” حين غزت رسائل الجوَّال والرسائل الإلكترونيَّة، العالم، بقدراتها اللامحدودة على ايصال الافكار.

 

لقد اصبح من غير الممكن بحسب الناشط الرقمي حسن الدايني في تصريح صحفي في ظل العصر الالكتروني “التَّواصل المباشر من غير واسطة تقنية مع الأهل والأصدقاء والمعارف، بعدما فرضت الاجهزة الجامدة نفسها على الحياة”.

 

ويردف الدايني في القول “على رغم الفائدة الكبيرة للتواصل الرقمي عبر التلفون والحاسوب ، الا انها سرقت الحياة الواقعية من الفرد ضربت العلاقات الاجتماعية في الصميم وقضت على العواصف ومسخت المشاعر”.

 

ومقابل هذه الحقائق المرة، فإنه لا مفر من الاعتراف بحقيقة أن “التقنية خدمت الإنسان، ماديا لكنها أضرت به روحيا”.

 

وفي ليلة العيد، هنّأ رباح حسن، الشاب المدمن على الرسائل النصية ومواقع التواصل الاجتماعي نحو ثلاثة آلاف صديق على موقع التواصل الاجتماعي بضغطة زر، رافضا فكرة أن “التقنية أثرت سلبيًّا على العلاقاتِ الاجتماعية”.

فبحسب حسن في تصريح صحفي فانه “لولا هذه الاجهزة الالكترونية الساحرة لتعذّر جمع هذه العدد الوافر من الاصدقاء”.

 

ويستطرد في قوله “هل نتذكر البريد العادي يوم كانت الرسائل تستغرق أسابيع وأشهر لكي تصل الى هدفها، إذا لم تضلّ الطريق”.

 

العُزْلة الاجتماعية

إن كلام حسن لا يجانب الصواب، فقد أوصل عبر هذه الوسائل الجديدة في الاتصال والتواصل، رسائل العيد الى اصدقاء واقرباء له في كندا واستراليا والولايات المتحدة و أوربا، وهو جالس في غرفته يحدّق بإمعان الى هاتفه لتتبع ما وصله من رسائل من مختلف الانحاء.

 

لكن أمام كل التأثيرات الايجابية للتكنولوجيا، فإن حسن يرضخ في النهاية الى حقيقة أن “التقنيات سلخته عن الواقع وجعلته شخصا فصاميا يعيش ماديا على هامش المجتمع من حوله ، فيما تجده شخصا حيويا في العالم الافتراضي”.

 

ثقافة افتراضية

غير أن الباحثة الاجتماعية سوسن العبيدي تلفت الانتباه الى أن “تأثيرات التكنولوجيا تتجاوز في تأثيراتها، حدود العلاقات الاجتماعية الى استلهام ثقافة افتراضية مصدرها التلفاز والانترنت ، لكنها توفر فرص التفكير والتأمل”.

وتزيد في القول “هذه المعطيات الجديدة، تحتم علينا القبول بسلوكيات واخلاقيات الجيل الجديد التي تنتج تصرفات وردود افعال جامدة غير حيوية لا تستطيع ملامسة المشاعر والعواطف الانسانية”.

 

وتميل العبيدي الى الحديث عن ان “العيد أصبح أيضا مناسبة افتراضية شأنه شأن الحياة بشكل عام، والتي ينحسر فيها تفاعل الانسانالواقعي الى (روبوت) لا يُنتظر منه على صعيد المشاعر الانسانية شيء مهم ،غير  قدرته على الانتاج السلعي الذي يشبع حاجاته المادية، فيما يُشبع حاجاته الروحية من العالم الافتراضي”.

 

وتختتم العبيدي رأيها بالقول “العيد مثل الكثير من المناسبات أصبح ضحيةأدبيَّات تعامل جديدة بين الناسفرضها تطور تكنولوجي، أطاح بالكثير من الأخلاقيات التي تحكم المجتمع لصالح قيم جديدة تضخّها العولمة الى كل أرجاء الأرض في وقت واحد عبر تقنيات تواصل أصبحنا في أمس الحاجة إليها”.

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here