د. حامد العطية

أكره استعمال الأوصاف الطائفية، ولكن ملك الاردن هو الباديء الظالم والأظلم، إذ حذر قبل سنوات من نشوء هلال شيعي يمتد من إيران مروراً بالعراق وسورية وانتهاءً بحزب الله في لبنان، ولا ينطق ملك الأردن عن الهوى، بل هو يتحدث بلسان حلفائه وحماته، الأمريكان والصهاينة والخليجيين.
أراد الملك الأردني وحلفاؤه من اضفاء البعد الطائفي على ما سماه الهلال الشيعي صرف الانظار عن طبيعة الصراع بين محورين رئيسيين في المنطقة، محور مقاومة الصهاينة والهيمنة الأمريكية من جهة وجبهة المهادنة مع الصهاينة والخاضعة للتسلط الأمريكي والغربي من جهة أخرى، والتمويه هنا على حقيقة الصراع مهم وضروري، فهل يتوقع عاقل أن يسمي ملك الأردن الأشياء بأسمائها، أي أن يجاهر بأنهم يريدون إنهاء الصراع مع الصهاينة وبالشروط المذلة للعرب وهذا غير ممكن من دون القضاء على محور المقاومة.
بعد اطلاق الملك الأردني تحذيره تشكلت جبهة غير معلنة، تضم الأردن ودول الخليج وتركيا والدول الغربية والكيان الصهيوني، وهدفها غير المعلن تصفية محور المقاومة الرافض للهيمنة، تحت ذريعة حماية أهل السنة والربيع العربي، من خلال إثارة حرب طائفية.
لم تكن نقطة البداية التصويب على سورية، سبقها احتلال العراق والهجوم على حزب الله، فهل بقي من يصدق اليوم أن احتلال العراق كان للتخلص من أسلحة الدمار الشامل أو لنشر الديمقراطية؟ كان النظام الصدامي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وتخوف الأمريكيون من استبداله بنظام وطني تعددي، يرفض التحالف مع المحور الأمريكي الذي حرض النظام الصدامي على شن الحرب على إيران، ولم يمنعه من احتلال الكويت ثم انقلب عليه، مما سيضعه ضمن محور المقاومة، وها قد تبين أن هدف أمريكا الحقيقي هو الاجهاز على الكيان العراقي بالطائفية والتقسيم، أمريكا أدخلت جرثومة الطائفية إلى النظام السياسي العراقي، وقبل أن ينتشر داء الطائفية في الجسد العراقي تحول الاهتمام إلى حزب الله في لبنان، لكن جاءت النتائج بما لا يشتهي القادة الصهاينة وأتباعهم الدوليون والاقليميون، وخاب ظنهم في لبنان، فكانت هزيمة نكراء للصهاينة وحلفائهم اللبنانيين والأعراب والغرب.
ثم بدأت الحرب على سورية، تحت ستار الربيع العربي، ويكفيك معرفة الدور الخليجي القيادي في هذا الربيع لتدرك بان آخر اهدافه كان إرساء الديمقراطية، فمن يصدق أن آل ثاني القطريين يريدون نشر الديمقراطية أو أن السعوديين حريصون على تبوأ مصر من جديد لموقعها الريادي في العالمين العربي والإسلامي؟ وكانت علاقات الحكومات الخليجية بالنظام السوري من قبل على أحسن حال حتى أتاهم الأمر، وأمريكا نفسها استعانت سابقاً بالمخابرات السورية في التحقيق مع المشتبه بهم في قضايا إرهابية، لذا فالهدف الحقيقي من نصرة الخليجيين والغرب والصهاينة للمعارضة السورية المسلحة هو احداث ثغرة كبيرة في جبهة مقاومة الصهاينة والهيمنة الغربية مع الإقرار بأن للمعارضين السوريين السلميين مطالب مشروعة.
في نفس الوقت ضاعفت أمريكا والغرب من ضغوطها الاقتصادية على إيران، فلم تترك جانباً من نشاطها الاقتصادي الحيوي إلا وفرضت عليه الحظر الشديد، ويظن المتابع لسلسلة القرارات بأن هناك تسابق بين الرئيس الأمريكي والكونجرس ودول أوروبا في التشدد في فرض الحظر والعقوبات، وانساقت معهما روسيا والصين خوفاً على مصالحهما الإقتصادية، وكل اهتمام حكومة إيران اليوم منصب على التخلص من هذه العقوبات والحظر، فلا مقاومة بل ولا قرار سياسي فعال من دون قوة اقتصادية.
لو استعرضنا التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية فلن نجد هجوماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً أوسع وأشرس من الحملة على جبهة المقاومة في المنطقة، وتحت ستر واهية: صحوة إسلامية وربيع عربي والحرب على “الرافضة”، ومسارات كل هذه المسرحيات تصب في هدف واحد، خنق ما تبقى من التيار المقاوم في المنطقة.
هل تكون الهلال الشيعي أم غير ذلك؟ إيران شيعية بلا جدال، وكذلك حزب الله، أما النظام السوري فهو بعثي علماني، وأبعد ما يكون عن التشيع في الجوهر والشكل، ومعظم التيارات “الشيعية” في العراق وافقت على الاتفاقية الاستراتيجية مع أمريكا، فهم خارج جبهة المقاومة قولاً وفعلاً، بل أقرب لأعدائها، وفي أكثر من مناسبة صرح اتباع رئيس الوزراء المالكي بأنهم قريبون لأمريكا لا إيران، ومع ما يسمون بالمعتدلين لا المقاومين.
نخلص من هذه الوقائع بأن الهلال الشيعي وهم اختلقه الملك الأردني المعروف هو ونظامه بارتباطاته وتحالفاته مع الصهاينة والغرب وأعراب الجاهلية.
وفر التلويح بخطر الهلال الشيعي التبرير لنشوء حركات إرهابية سنية متطرفة، وهي كلها ذات جذور مشبوهة، وبعض قياداتها مثل الزرقاوي خريج السجون الأردنية، وللمخابرات الأردنية دور معروف في دس عملائها ضمن الحركات السنية الإرهابية، ويمتد نشاطها بالتعاون مع المخابرات الأمريكية والغربية حتى أفغانستان، وعدد غير قليل من الإرهابيين أردنيون، وعلى أرضيها يدرب الأمريكيون والغربيون الإرهابيين، وعبر حدودها يتسللون إلى سورية والعراق، ومنها يحصلون على دعم مالي وتسليحي وإعلامي، فلا غرابة أن نقرأ عن اجتماع لقادة إرهابيين عراقيين في العاصمة الأردنية.
لم يتكون الهلال الشيعي المزعوم لكن تشكلت تنظيمات إرهابية من أتباع المذهب السني، تمتد عبر قارتين، وتنتشر على أراضي معظم الدول العربية والإسلامية فيها، فبالإضافة إلى التنظيمات الإرهابية في أفغانستان والباكستان نشطت التنظيمات الإرهابية في إيران والعراق وسورية ولبنان ومصر وليبيا وتونس والجزائر ومالي وصولاً إلى أقصى الشرق الإسلامي في نيجيريا، وجنوباً حتى الصومال وكينيا واليمن، وتشكل بمجموعها دائرة ضخمة من عشرات أو ربما مئات الالاف من الإرهابيين المسلحين.
الهلال الشيعي كذبة خبيثة ارادوا منها خداع اتباع المذاهب السنية وشحذ أهوائهم الطائفية، والهدف الوحيد منها هو القضاء على جبهة المقاومة خدمة لأسيادهم في البيت الأبيض وتل أبيب، ولم يتعظ هؤلاء من تجارب التاريخ، فلو نجح هؤلاء الإرهابيون في تحقيق هذا الهدف، فسينقلبون على ملك الأردن وحكام الخليج كما انقلبت القاعدة على الأمريكيين الذين زودوهم بالسلاح والأموال والتدريب وتمردت طالبان على المخابرات الباكستانية التي انشأتها وأرسلتها للسيطرة على أفغانستان.
لم يفرغ ملك الأردن بعد من دعم الإرهاب في سورية حتى تحول إلى العراق، ولأول مرة في تاريخ هذه المملكة التي اصطنعها الإنجليز والصهاينة يعادي الأردن أكبر دولتين في محيطه، ولعل تصريحات الصهاينة الداعمة لنظامه والأموال الخليجية شجعته على الإقدام على هذه المغامرة الخطرة، وعلى الأغلب ستكون هذه آخر مغامرة للنظام الأردني، ولن يمر وقت طويل حتى نشهد زوال هذا النظام الجرثومة من الجسد العربي والإسلامي ومعه القسم الأكبر من التنظيمات الإرهابية، وعلى الباغي تدور الدوائر، وأن غداً لناظره قريب.
( للإسلام غايتان عظمتان هما الإحياء والإصلاح ووسيلة كبرى هي التعلم)

1 تعليقك

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here