كنوز ميديا / بغداد – أخيراً وبعد ابتعاد دام أكثر من تسعة عشر شهراً عاد جلال طالباني رئيس جمهورية العراق المنتهية ولايته والأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني إلى إقليم كردستان ولكن الذين التقوه في الأيام الماضية لا يخفون إن عصاه لم تعد قوية كما كانت وإن مجالسه لا تملأها النكات كما في كانت في السابق.

الرئيس الذي غاب عن المشهد السياسي شهوراً وصل إلى إقليم كردستان السبت الماضي عن طريق مطار السليمانية الدولي وذلك بعدما قضى المدة الماضية في المستشفيات الألمانية عقب إصابته بجلطة دماغية في بغداد في السابع عشر من كانون الاول (ديسمبر) من عام 2012 .

بعد شهرين سيدخل الطالباني عامه الحادي والثمانين حيث قضى 67 عاماً من حياته في النشاط السياسي وكانت عصاه ونكاته خلال تلك المدة سر نجاحه وتمثلان إشارة إلى القوة والدبلوماسية.

الرئيس الذي بدا الخريف واضحاً على صحته وحديث أسس الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1976 بعد انشقاقه عن الحزب الديمقراطي الكردستاني وكانت عصاه هو الحكم في كثير من الأحيان لتوحيد الأصوات المختلفة في حزبه وحل بها المشاكل بحيث لم يسلم من ضرباتها إلا القليلين من قادة الاتحاد الوطني الحاليين.

وروى بعض المتنفذين في الحزب في العديد من المناسبات كيف كان الطالباني يضربهم بعصاه عند تحركم بخلاف قراراته أو عند محاولتهم الانشقاق عن الاتحاد الوطني.

ومع إن الاتحاد الوطني الكردستاني جمع الأصوات والألوان المختلفة منذ بداية تأسيسه إلا إن الطالباني كتم الأصوات المعارضة بعصاه وقراراته الحاسمة ودفعها بعضها إلى خارج الحزب كما حدث عام 2006 حينما ترك نائبه نوشيروان مصطفى وعدد من القادة الآخرين الحزب بسبب “تفرُّد” الطالباني وأسسوا حركة التغيير التي أصبحت اقوى منافس للاتحاد الوطني.

غياب عصا الطالباني في الأشهر الماضية ظهر بوضوح على الشؤون الداخلية للحزب حيث ازداد التكتل داخل الحزب ولم يتمكنوا من اتخاذ أي قرار مصيري بسهولة فقد واجهوا مشكلات كثيرة في تحديد مرشحهم لمنصب نائب رئيس حكومة الإقليم قبل شهر وهم اليوم يواجهون المشكلة ذاتها في تحديد مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية فلديهم ثلاثة مرشحين بدل مرشح واحد.

وبعد 19 شهراً التقى أعضاء المكتب السياسي بالطالباني ، وقال بعض الذين شاركوا في اللقاء إن الطالباني كان يستمع ويتحدث قليلاً ، وقال الملا بختيار عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني: “لن نشغل الطالباني بالأمور السياسية الآن”.

مرض الطالباني أفقده قوة يديه حيث لا يستطيع رفع عصاه بوجه من لا يعمل بكلامه فيما يجد صعوبة في الحديث كما لم تبق هناك قراراته الحاسمة داخل الاتحاد.

وتمثِّل سياسة النكتة والدبلوماسية الوجه الثاني للطالباني حيث كان يهديء بها من المناقشات المتوترة ويوّحد بها رؤى الأطراف المختلفة.

وحين تسلم الطالباني عام 2005 منصب رئيس جمهورية العراق أصبح أول كردي في تاريخ العراق يصل إلى ذلك المنصب وبغية اختلاطه بعالم السياسة العربية سريعاً جمع ممثلي معظم المؤسسات العراقية وروى لهم خلال لقاء مطوّل العديد من النكات، وبعد اللقاء نشرت الصحف العراقية إن الطالباني كان يريد ايصال رسالة مفادها إن الرئيس العراقي الجديد مختلف عن الرؤساء السابقين حتى إنه كان يستخدم النكات لانقاذ نفسه في الكثير من الحالات.

ويروي أحد قادة الأحزاب الكردستانية أنه حين زار الطالباني أنقرة سألته إحدى الصحفيات التركيات الجميلات عن خططتهم لطرد مقاتلي حزب العمال الكردستاني بعد أن قام بإيوائهم فقال الطالباني في محاولة للتمصل من إغضاب تركيا وحزب العمال الكردستاني ” يا آنسة ظننت أنك ستسألينني عن أنواع الزهور والعطور التي استخدمها، إن جمالك يتناسب مع تلك الاسئلة وليس مع السياسة”.

وقبل مرض الطالباني بشهور اجتمع معارضو نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي من الشيعة والسنة والأكراد في أربيل واتفقوا على تنحيته من منصبه وقد رموا بالكرة في ساحة الطالباني ودعوه إلى إرسال مذكرة إلى البرلمان لحجب الثقة عن المالكي.

ويروى المقربون من الطالباني إن رئيس الجمهورية لم يكن متأكداً من النواب وكان يشكك في تصويتهم على المذكرة في البرلمان كما لم يكن يريد أن يخاصم المالكي أو إيران أو الجبهة المعارضة فخفف التوتر بعدد من النكات وعلّق إثرها تقديم المذكرة.

وبعد مرضه انقطعت العلاقة بين مسعود بارزاني رئيس اإقليم كردستان و نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته ولم يكن هناك شخص مثل الطالباني يعالج الأمر ويعيد العلاقة بينهما.

ويتفق معظم المراقبين على إن أي شخص آخر من الاتحاد الوطني سيحل محل الطالباني في بغداد وداخل الحزب لن يتمكن من الجمع بين العصا والنكتة اللتين يبدو إن المرض قد أخذهما من الطالباني نهائياً. 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here