كنوز ميديا – متابعة /

مهما تعدّدت الاسماء التي تعرّف وتَبَيَّنَ الهيئات التشريعية، من مثل «البرلمان» و «مجلس النواب» و «مجلس الشعب»، في دول العالم، والمكوّنة من ممثلي الشعب المنتخبين، تظل وظيفة و اِخْتِصَاص السلطة التشريعية في الدول الدستورية واحدة، وتتعلّق بجميع الممارسات التشريعية، وفقا لمبدأ الفصل بين السلطات.وعبر تاريخ برلمانات العالم، وأَحوالها وأحداثها كان لنواب الشعب، الذين احتلوا المقاعد داخل قبة البرلمان عن طريق الانتخاب، مواقف حاسمة و «مفصليّة»، لاسيما في أوقات الازمات.

 

لقد كانت المجالس النيابية عبر التاريخ، حجر الزاوية في الانظمة الديمقراطية، ودالة على النظام السياسي الحر والعادل،  تقف  بالمرصاد للظواهر السياسية، وتراقب أداء السلطة التنفيذية، وتقيّم أعمالها، وسياساتها، وتحثّها على تصويب مكامن الخطأ فيها، ما أسفر ذلك عن نتائج ايجابية في تعزيز الاستقرار وكبح جماح الفساد، والطموح غير المشروع لأصحاب القرار.

 

 النواب الاميركي.. الأكثر انضباطاً

 

انّ أحد أهم برلمانات العالم هو  البرلمان الاميركي( الكونجرس) الذي يتكون من مجلسي النواب والشيوخ، وهو المؤسسة الدستورية الأولى في الولايات المتحدة التي استطاعت بناء علاقة ايجابية ومسؤولة مع السلطات التنفيذية على رغم الخلافات العميقة حول الكثير من القضايا المصيرية، لكنها لم تتحول الى فرصة لتسقيط الخصم، بقدر ماهي طريقة لتقويم الاخطاء واسـتخلاص النـتـائج والعبر.

 

وفي العقد الاخير كانت اهم قرارات مجلس النواب الاميركي، التصويت في  2002 على مشروع قرار يخول الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن، السلطة التي يريدها لشن هجوم عسكري على العراق وهو ما حصل في 2003، وكذلك التصويت على قرار يمهل الرئيس بوش حتى نهاية آب 2008 لسحب القوات الأميركية من العراق.

 

وفي بلد مثل الولايات المتحدة، تكون القرارات فيه ذات تأثير عالمي، حتى وان كانت محلية، فان لمجلس النواب سلطات واسعة في إصدار التشريعات والقوانين، أو إلغائها، وتمرير الاتفاقات الدولية والسياسات الخارجية التي يبرمها ممثلو السلطة التنفيذية.

 

ومثل الكثير من البرلمانات في العالم، شهد النواب الاميركي مشادات عديدة بين أعضائه، لكنها لم تخرج عن حدود القوانين والانظمة المعمول بها، مثلما لم تتجاوز الاعتبارات الاخلاقية. بل ان النواب الاميركي على رغم القضايا الحساسة التي يناقشها و القرارات المصيرية التي يبحثها، الا انه يعد من اكثر برلمانات العالم انضباطا.

 

وفي اغلب الانظمة السياسية في العالم،  يطلق على البرلمان تسميات مختلفة مثل «مجلس النواب»، «المجلس التشريعي»، «مجلس الشعب»، «مجلس الأمة»، أو «الجمعية الوطنية»، أو «المؤتمر العام الوطني». والبرلمان في اغلب البلدان له ثلاث مهام هي التشريع، والرقابة، على أعمال الحكومة، وتمثيل الشعب أمام الحكومة.

 

 «البوندستاغ» الألماني..

العرب في خطاب هتلر

 

و«البوندستاغ» الألماني المؤلف من 631 عضواً، هو برلمان جمهورية ألمانيا الاتحادية، ومقر عمله في برلين اشهر من نار على علم، للمواقف التاريخية والقرارات الحاسمة التي اتخذت تحت قبته منذ تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية في 1949.

وابرز الاحداث في هذا البرلمان المخضرم استدعاؤه قائد الاستخبارات الخارجية الألمانية حول قضية تمرير معلومات عن العراق إلى الولايات المتحدة خلال اجتياحها للعراق في 2003، ما دفع الى الاعتقاد بان المانيا اسهمت في الحرب سرا.

 

 وتجنبا للاستياء الذي يسببّه ذلك بين صفوف الشعب الالماني، أُخفيِت المعلومات عن ذلك لأسباب تتعلق بالانتخابات.

 

والبرلمان الألماني أهم مؤسسة تشريعية في البلاد، يسن التشريعات ويصدر القوانين ويراقب عمل الحكومة والوزارات والمؤسسات التابعة لها، ومناقشة الموازنة العامة للبلاد، والتصديق عليها، مثلما على البرلمان المصادقة على إرسال الجيش الألماني في مهام عسكرية للخارج.

 

لقد سعى هتلر الى السيطرة على البرلمان الالماني وتمرير مشاريعه الحربية عبره، وفي 1942 تلا هتلر رسالة الرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت أمام النواب، تهجّم فيها على الحكومة الاميركية التي طلبت من هتلر في الرسالة التعهد «بعدم شن الحرب على الكثير من دول العالم بينها دول عربية هي العراق و الجزيرة العربية و سـوريـا وفلـسـطـين و مـصر وايـران».

 

وأحد أبرز احداث هذا البرلمان الحريق الذي التهم مبنى «الرايخستاغ» في السابع والعشرين من شباط 1933 ما عد حدثا محوريا في التمهيد لسيطرة النازية على المانيا، واستطاع هتلر توظيف الحدث في اسقاط الحزب الشيوعي في بلاده، وابعاده عن الحياة السياسية، بعد اتهام شيوعي هولندي كان موجودا في المبنى لحظة احتراقه.

 

البرلمان البريطاني.. حرب العراق

 

عَرَف برلمان المملكة المتحدة منذ تأسيسه في العام 1780، جلسات حاسمة حدّدت مستقبل الدولة السياسي، لاسيما ما يتعلق بالحروب والمستعمرات ما وراء البحار.

 

وفي السنوات العشر الاخيرة، شهد برلمان بريطانيا، أو رسمياً، «برلمان مملكة بريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية المتحدة» والذي يمثل أعلى جسم حكومي في المملكة المتحدة والمقاطعات البريطانية عبر البحار، الجلسة الشهيرة التي اتاحت لرئيس الوزراء الاسبق توني بلير في 2002، مشاركة الولايات المتحدة ودول اخرى ضمن ائتلاف لغزو العراق في 2003.

 

وشهد البرلمان في 4 شباط 2003 جلسة عاصفة لمناقشة مشروع «القرار الأميركي البريطاني الإسباني» الذي اعتبر ان الوقت قد حان لاستخدام القوة ضد العراق لعدم تعاونه في قضية أسلحة الدمار الشامل.

 

وعلى رغم ان البرلمان، اتاح لبريطانيا المشاركة في الحرب الا ان زعيم النواب البريطاني روبين كوك وقتها، قدم في أذار 2003، استقالته احتجاجاً على قرار الحكومة البريطانية لدعم الحرب على العراق، بدون الموافقة الأمنية من قبل مجلس الأمن الدولي، أو الموافقة المحلية.

 

وافاد وزير الدفاع البريطاني جيف هون في بداية شباط 2003 خلال جلسة في مجلس النواب، بان «مئة طائرة وسبعة آلاف جندي تابع للقوات الجوية البريطانية ينتشرون في الخليج العربي، استعداداً للحرب على العراق».

 

لقد كان للجدل الكبير الذي سببته حرب العراق في 2003 بين زعماء بريطانيا ونوابها الاثر الكبير الذي دفع رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون في 2007، إعطاء البرلمان سلطة القول الفصل في قرار شن الحرب. كما ان حرب العراق كانت سببا رئيسيا في جعل النواب البريطانيين يصوتون في 2013 لصالح عدم المشاركة في اي عمل عسكري ضد سوريا.

 

يتألف مبنى البرلمان الواقع في ساحة «ويست منستر» الشهيرة في قلب لندن على ضفة التايمز، من أربعة طوابق، ويضم 1100 غرفة، و100 سلم، وأربعة كيلومترات ونصف من الممرات. 

 

   النواب الفرنسي.. غزو  الكويت

 

وقف «مجلس النواب الفرنسي»، أو «البرلمان الفرنسي» وهو الهيئة التشريعية لحكومة فرنسا في جلسته الشهيرة نهاية 2002 بوجه اي محاولة للاشتراك في الحرب التي شُنت على العراق في 2003.

 

وقبل ذلك التاريخ كان لنواب فرنسا الدور في تبني بلادهم قرار اخراج الجيش العراقي بالقوة من الكويت التي غزاها نظام صدام في 2 آب 1990، ما أتاح لفرنسا تأييد تحالف دولي عسكري ضد العراق 1991.

 

 يعد البرلمان الفرنسي مجلسا ثنائي التمثيل يتكون من مجلس الشيوخ الفرنســـي، والجمعية الوطنية الفرنسية التي تتألف من 577 عضوا، ويسمى عضو الجمعية نائبا يمثل دائرة انتخابية واحدة.

  الدوما الروسي.. قصف البرلمان

 

واعرب «مجلس الدوما» في الاتحاد الروسي وهو مجلس النواب في الجمعية الاتحادية لروسيا «السلطة التشريعية»، في جلسة له تاريخية في مقره وسط موسكو، في 21 آذار 2003 عن رفضه لمشروع الحرب على العراق 2003، مشيرا في بيان الى ان «الاعمال الحربية للولايات المتحدة وبريطانيا ضد جمهورية العراق خرق لأصول القانون الدولي»، في تأكيد على الرفض الروسي لغزو العراق في 2003، بل ان نواباً طالبوا حينها روسيا ان لا تقف مكتوفة الايدي لحماية مصالحها في

 العراق.

 

ومنذ تأسيس البرلمان الروسي، في 2 حزيران 1907، من 442 عضواً، تم انتخابهم في عملية معقدة للغاية، وقعت احداثا جساما، كان على البرلمان ان يحدد موقفه منها، وكان ابرزها، قصفة مقره في عهد الرئيس الروسي الراحل بوريس يلسين (1931 –  2007)، في الثالث من تشرين الأول 1993 حيث ادت الأزمة الدستورية الى قصف مبنى البرلمان ومقر التلفزيون الحكومي، حين أمر يلتسين دبابات الجيش بقصف مبنى «البيت الابيض»، لأجل اخراج النواب المعتصمين فيه احتجاجا على قرار حل آخر برلمان سوفياتي كان يعرف باسم «مجلس السوفيات».

 

وفي 19 آذار 2014، عاد البرلمان الروسي الى الاضواء حين اقر ضم إقليم القرم ومدينة «سيفاستوبول» إلى الفيدرالية الروسية، ما اعتٌبر تصعيدا خطيرا استدعى تعليق عضوية روسيا في مجموعة الثماني.

 

  الهند.. سلطات واسعة

 

بعد مرور نحو نصف قرن على قيام الدولة الهندية، في 1947 اصبح النظام العلماني الديمقراطي لدولة فيدرالية تتكون من 21 ولاية وتسعة أقاليم تديرها الحكومة المركزية، نموذجاً مثالياً للديمقراطيات الناشئة في العالم لاسيما الدول التي كانت ترزح تحت الاحتلال ومنها الهند التي تتوزع فيها السلطة السياسية بين الحكومة المركزية وحكومات الولايات فيما تتولى المحكمة العليا الفصل في المنازعات التي تنشأ بينهما والتي تكون أحكامها في هذا الصدد نهائية وملزمة.

 

لقد كانت الجلسة التاريخية للبرلمان الهندي في منتصف اربعينيات القرن الماضي، أرسى فيها ثقته في النظام العلماني الديمقراطي كنظام سياسي للدولة، يكفل الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين بما فيها حرية التعبير والعقيدة والحق في تولي الوظائف العامة بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو العرق أو الجنس في مجتمع يتكون من أعراق وطوائف وأديان متعددة وتسوده لغات ولهجات متعددة.

 

ان اهم ما في النظام السياسي الدستوري في الهند، ان البرلمان يمنح رئيس الجمهورية والوزراء، سلطات واسعة في حالة تهديد أمن الهند بالحرب أو العدوان الخارجي أو أي اضطراب داخلي، وكذلك في حالة حدوث تهديد خطير للاستقرار الاقتصادي أو للدستور.

 

الدايت الياباني.. توجيه السياسات

 

برلمان اليابان «الدايت» الذي تأسس 1889 اكبر مؤسسة تشريعية، ويتكون من مجلسي النواب و الشيوخ أو مجلس المستشارين، ويتم انتخاب نظام تصويت متواز ومن مهامه المصادقة على القوانين و اختيار رئيس الوزراء. ومنذ 1947 بعد إقرار دستور اليابان لما بعد الحرب، بات أعلى سلطة في الدولة.

 

كان لنواب اليابان وقفات تاريخية في خلال الحروب التي خاضتها البلاد وفي خلال الحرب العالمية الثانية، وفي العقد الاخير لعب البرلمان دورا حاسما في توجيه سياسات الحكومة، ففي حزيران 2014 اقر أعضاء النواب الياباني تقديم اليابان اعتذارا في 1993 عن استخدامها الأسيرات كإماء لممارسة الجنس وقت الحروب.

 

وفي 2012، أعلن غالبية النواب اليابانيين تأييدهم تعديل دستور البلاد الرافض للحرب، ما يعني السماح لليابان بالانخراط بصورة مباشرة في عمليات عسكرية، في وقت يتفاقم فيه التوتر بينها وبين الصين بسبب نزاع على جزر في بحر الصين الشرقي.

 انّ برلمانات مثل، السويدي «الــــــرايكـــسداغ»، والدنــــماركي «الفولكتينغ»، والأسباني «كورتيس خينيراليس» و الايرلندي «الديل إيـــريــان» والآيسلندي «آلتنغي» والنـــرويـــــجي «الستــــورتنـج»، والسويسري «الجمعية الاتحادية»، في طليعة برلمانات العالم التي رسمت مستقبل العالم عبر القرارات المسؤولة في السلم والحرب، مثلما اصبحت من رموز قوة الانظمة السياسية، على ارساء الامن والاستقرار في بلادها، وقدمت نموذجا للعفة وانحسار الفساد بين صفوف اعضائها، ما جعل الكثير من الشعوب تعكف على دراسة هذه البرلمانات العريقة في ديمقراطيتها وانجازاتها وندرة مكامن الخلل والفساد فيها.

 

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here