سرمد الطائي

سنظل طوال وقت المحنة، نهرع الى التاريخ، لنرى كيف عالجت الامم محنها الكبرى، وصباح اليوم وجدت امامي حكاية مقاطعة “ويستفاليا” الالمانية، وهي عنوان لاشهر اتفاق سلام في القرون الاخيرة، حصل قبل نحو ٣٥٠ عاما، بين اهم القوى الاوربية، وترك اثره على مفهوم تشكيل الدول والممالك، بحيث يعود الباحثون الى مبادئه كلما بدأت الخرائط تتغير.
الرواة يتحدثون عن مبنى بلدية ويستفاليا الذي شهد ابرام معاهدة الصلح، وكيف احتشد عنده اهل اللاهوت والفلاسفة والملوك والسفراء، ليوقعوا السلام.

انهم يتحدثون ايضا عن ان الامر تطلب ٦ شهور كي تتفق الاطراف فقط على شكل البروتوكول، من سيدخل القاعة اولا، وأين سيجلس ممثل فرنسا، وكيف سيتحدث مع ممثل اسبانيا. والشهور الستة هذه لم تكن سوى ثمن بسيط لكل ما جرى، اذ انها جاءت بعد ثمانين عاما من الحرب بين الجميع في اوربا، وجعلت اكثر الاطراف تشددا تشعر بحاجة الى سلام، وتستعد لتقديم التنازلات.
ياه، ٨٠ عاما. لم يبق لدينا كل هذا الوقت لتأليف نص يستوعب ٨٠ عاما اخرى من الموت. الزمن اصبح سريعا، وعلى الحروب ان تفعل ما تريد في وقت اقصر بكثير، فنحن في زمن المفخخات وانتحاريي العولمة، وقدرات الردع الاستراتيجي، ويفترض ان لا يكون هناك تأخير لنجد انفسنا في ويستفاليا عراقية بحثا عن سلام.
لكننا بقينا نقول ذلك منذ كنا اطفالا، واحتفلنا بالسلام مرات عديدة، وبعد كل حفل اكتشفنا انه سلام مزيف، وان الحرب كانت قصيرة لا تكفي لحسم جميع القضايا! والمشكلة انها حروب عمياء، على عكس ما حصل لدى الامم الاخرى.
وها قد دخلنا في موسم الاماني المتأخرة ثانية. نحن الان اشبه بشخصيات رواية كلاسيكية تجري كتابتها، لكن المؤلف يقرؤها علينا بالتقسيط. وفي كل فصل نقضم اصابعنا ندماً، او حسرة، ماذا لو حصل هذا قبل ذاك، ولماذا لم يحدث ذاك عقب تلك. نعيد ترتيب الاحداث ونتمنى لو يتراجع الزمن لنحاول التصحيح. لكن اخطر الاسئلة يتعلق بتوقيت اندلاع النزاع المسلح في الموصل وتكريت، فلماذا حصل في “الوقت الضائع” وقبل ايام فقط من حسم المحكمة لنتائج الانتخابات، حيث كنا جميعا نستعد لمتابعة اخر فرصة اصلاح سياسي يمكن ان تشهدها البلاد في مفاوضات تشكيل الحكومة؟ لماذا صبر المعترضون ١١ عاما، ولم يصبروا شهرين آخرين كي نقيس فرصنا كأمة منهكة يتمنى معظم ابنائها تجنب ويلات الحرب؟
ان مؤلف حكايتنا، ليست لديه اجابات شافية، فجزء من مهمته كشخص يروي الاحداث ببراعة، ان يتفرج علينا ونحن نتلوى ونتألم ونتندم. لكن هذا السؤال حول توقيت سقوط الموصل، سيظل يراودنا، ونحن نتابع عشرات الالاف من المدنيين، الموجودين في مناطق الحرب، او النازحين منها، وهم بلا مأوى في صيف الله اللهاب، ووسط عجزنا عن فعل شيء لهم، ما يعكس تأخرنا عن تصحيح الامور، واتاحة الفرصة للسلاح لكي يسبقنا ويفرض كلمته.
لقد كتبت مرة ان الغربيين كانوا يحاربون ويموتون ايضا ايام ويستفاليا، لكنهم ظلوا اثناء ذلك يفكرون بسبيل للخلاص، ويطورون مشروع اصلاح. يد على الزناد وأخرى تقيس “سرعة الغاز وميلان الامواج الضوئية”، بينما سفنهم تكتشف القارات الجديدة.
بينما كنا نحن في الشرق نموت، ونتقاتل، بل وننتج الافكار كذلك، حيث تزدحم معابدنا بأذكى المسلمين، لكننا أنتجنا افكارا انهمكت في محاولة اكتشاف “الفرقة الناجية” التي لن تدخل جهنم. ومعظم ما انجزناه كان عقيدة تطور اساس الحروب الاهلية، حول من سيدخل الفردوس ومن سيعبرها الى النار. والنتيجة اننا أصبحنا بلا اي فرقة ناجية، فكل فرقنا ترتع في ألف نار، لهيبها يلتهمنا واحدا تلو الاخر، وطرائق حياتنا تهدم الاركان الثلاثة التي احتاط فقهاؤنا الاوائل فيها: الدماء والفروج والممتلكات!

1 تعليقك

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here