فاروق يوسف

 


إصرار المالكي على البقاء حاكما مطلقا في العراق سيكون بمثابة سبب في انتفاضة شيعية ترنو إلى بناء عراق مختلف.

حين وافقت الإدارة الأميركية على أن يتولى نوري المالكي منصب رئيس الوزراء، علّق الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بأنه الرجل المناسب للعراق.

كان العراق يومها بلدا محتلا، وكان في إمكان الولايات المتحدة أن تضع في ذلك المنصب أي من السياسيين العراقيين الذين جلبتهم مثلما جلبت المالكي معها ليديروا البلد في ظل الاحتلال. غير أن اختيارها قد وقع على المالكي من دون الآخرين، وهو ما دفع بالكثير من العراقيين إلى السخرية مما اسموه بالاختيار الخطأ.

فالمالكي لم يكن لاعبا أصليا، بل كان لاعب احتياط في العملية السياسية التي أطلقتها سلطة الاحتلال وأشرفت عليها، ليكون العراق من خلالها منارة للديمقراطية في المنطقة.

وإذا ما كان البعض لا يزال يعتقد أن الانتخابات التي أجريت عام 2005 هي التي أهّلت المالكي للحكم، فلأنه (أي ذلك البعض) يؤمن بأن الديمقراطية يمكن أن تقوم في ظل وجود سلطة احتلال، هي نتاج غزو أجنبي قام بتدمير البلد وإلغاء دولته المدنية والعودة به إلى أزمنة القبائل والعوائل والطوائف والإقطاعيات المتناحرة.

كان المالكي، بغضّ النظر عما يقال عن الانتخابات، خيارا أميركيا فُرض على العراقيين في صفقة كانت إيران طرفا فيها.

الآن بعد ثماني سنوات عجاف من حكم المالكي، ألا يزال المالكي هو الرجل المناسب للعراق من وجهة نظر أميركية؟

ما لم تحلم فيه الولايات المتحدة في مشروعها الاستعماري استطاع المالكي أن ينجزه ويرسخ بنيانه ويمد له جذورا عميقة في الأرض. لا لأنه قدم نموذجا فريدا من نوعه للدولة الفاشلة، ولا لأنه ارتقى بالعراق سلم الفساد ليصل به إلى المرتبة الأولى مقارنة بسواه من الدول الفاسدة، بل لأنه “شَرْعَنَ” العجز الحكومي، بحيث صار من البديهي أن تكون الحكومة غير مسؤولة عما يجري في البلد. كما لو أنها تقوم بمهمة شرفية، لا تلزمها بالقيام بأي شيء.

في مقابل ذلك فإن الحكومة، وقد تحللت من مسؤولياتها القانونية والإنسانية والأخلاقية، كانت تتصرف في أموال العراق الثري بما تجده مناسبا لمزاجها الطائفي. فصار المالكي يوزع الأموال بما يضمن استمرار الولاء له بين أتباع حزب الدعوة الذي هو زعيمه، لا فرق بين مَن يقيم منهم داخل العراق، أو مَن اختار أن يبقى محصنا بلجوئه.

لقد أهدر الرجل ما يقارب تريليون دولار، هي مجموع ما حصل عليه العراق من صادراته النفطية في ثماني سنوات، من دون أن يشهد قطاع الخدمات في العراق أي تحسن يُذكر.

بعد ثماني سنوات من حكمه لا يزال المشهد، في بغداد وفي باقي المحافظات، يذكّر بمشاهد يمكن أن ترى في بلدان فقيرة، نكبتها الطبيعة بكوارثها.

لقد بلغ الهوس الطائفي بالمالكي درجة صار معها يعتبر أن كل كلام عن حق العرب السنة من مواطني العراق في المواطنة نوعا من التآمر على المذهب الذي صار وليا عليه. ولأنه كان عاجزا عن إيقاف عجلة النمو والازدهار العمراني في كردستان، فقد صب كل حقده على المناطق ذات الغالبية السنية.


المحافظات العراقية ذات الغالبية الشيعية لا تقل بؤسا وفقرا عن المحافظات التي انتفضت دفاعا عن كرامتها. ربما كانت الأوهام الطائفية مصدرا لذلك الوهن الذي يعاني منه سكان تلك المحافظات، ولكنه سيكون وهنا مرضيا قابلا للشفاء من خلال التطلع إلى حياة مستقرة، يكون المال مصدر رخائها لا سبب خرابها.

وكما أرى فإن إصرار المالكي على البقاء حاكما مطلقا في العراق سيكون بمثابة سبب في انتفاضة شيعية ترنو إلى بناء عراق مختلف. عراق يعزز فيه الشيعة أسباب كرامتهم في المواطنة الحقة، بدءا من الاعتراف بمواطنة الآخرين من أبناء وطنهم. 

1 تعليقك

  1. بعد التحية ، لا أوافقك الرأي لان ما نتج عن الانتخابات قد بين ان للسيد المالكي أنصار لم يتوقعها الكثيرون ، وما جرى من احداث من قبل الاحتلال الداعشي أصبحت شعبية السيد المالكي اكثر ، وهذا واقع الحال ، وفقك الله

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here