محمد غازي الاخرس

 
خلال أسبوعين منذ احتلال الموصل، قرأت وتابعت ما لم أقرأ خلال عشر سنوات سبقت ذلك، مئات المقالات والتحليلات، مئات الساعات الحوارية في الفضائيات، عشرات وجهات النظر وآلاف الشتائم وعبارات الكراهية. قرأت كل ذلك وأنا أتذكر المثل العربي: زرق الهبل عله المجانين، أو “رزق البزازين عله المعثرات” حيث صرفت مواقع ألكترونية وصحافة ورقية وفضائيات ربما ملايين الدولارات على إنتاج خطابات متنوعة لملئ اللحظة الاعلامية وصنع صور متناقضة عما يجري في العراق. صانعو هذه الخطابات جندوا، في الواقع، مئات الكتاب والمهنيين والأكاديميين كي ينظّروا للمشهد ويرسموا بالكلمات والاصطلاحات خرائط جديدة للشرق الأوسط تقوم على حروب الهويات والطوائف وبرعاية من قوى كبرى تمول وتخطط. هؤلاء الكتاب أجراء ويعملون “حسب القطعة” بالتعبير العراقي الدارج، فالظهور مثلا في قناة معينة يشبه الذهاب إلى مسطر العمالة، ونوع الخطاب الذي عليه أن يروّجه بلغة “متخصصة” يتبع لنوع الخطاب أو السردية التي تتبناها القناة المذكورة. يمكن لأحدهم أن يسمي المسلحين “داعش” في هذه القناة ويسميهم “الثوار” في القناة الأخرى، وكذا الأمر مع كل الأفكار التي عليه طرحها فهو مجرد أجير “طالع بيوميته” التي قد تبدأ من 100 دولار لتصل إلى 5000 دولار. 

هناك بالأحرى صراع رمزي ولغوي وثقافي محتدم بين أطراف الأزمة، العراقيون الشيعة والعراقيون السنة والأكراد، العرب السنة والعرب الشيعة والإيرانيون، الليبراليون هنا وهناك، المدافعون عن انموذج الدولة المركزية والمنتقدون لها، البعثيون ومعارضوهم، الأمريكان أيضا لهم خطاباتهم المختلفة والمتضادة ومعهم الأوربيون طبعا. والخلاصة أن الحرب في العراق إعلامية مائة بالمائة ومن يملك الوسيلة الأنجع والأوسع والأقوى هو المنتصر على المدى القريب وليس على المدى الأبعد. ثمة تصنيع مسبق للصورة والرؤية بما يناسب السردية المتبناة، يمكن أن يرفع علم داعشي على مركز شرطة صغير في وسط الصحراء ويصور بالموبايل ليظهر في التغطية الإخبارية على أنه فتح لمدينة كاملة. بالمقابل يمكن أن يبث التلفزيون العراقي لقطات لحركة سيارات في منطقة ما ويروج الخبر على أنه اعادة تحرير لقضاء كامل. هذه الآلية استخدمت في سوريا وكاد المتلقي أن يقتنع معها أن الحرب لن تطول سوى أسابيع، بالنسبة للطرفين. لكن اتضح فيما بعد أن الواقع شيء والتغطية الإعلامية شيء آخر. أتضح أننا أمام نوع من الحروب يختلف عن انموذج الحرب العالمية الثانية والحرب العراقية الايرانية. لو كانت تلك الحروب نشبت في عصر الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي لتغير ربما شكل التاريخ. ما يجري اليوم في العراق شيء مختلف تماما، فلا هي ثورة شعبية كالتي جرت في سوريا ولا هو غزو خارجي كالذي جربه العراق في أوقات عديدة من تاريخه. هناك تداخل لم ينجح الإعلام حتى اللحظة في فك ألغازه. ثمة أحداث تجري لم يتمكن الأكاديميون والمثقفون من تحليلها. لهذا بدأت وسائل الإعلام تفقد تأثيرها شيئا فشيئا في حين أن الرؤى المحللة لم تعد نافعة أو مغرية كثيرا للقراء والمتابعين. الأجراء لا يقدمون سوى ما تريده المؤسسات التي تشغّلهم في حين أن الأكاديميين ينطلقون في تحليلهم من نظريات عن الشرق الأوسط عفى عليها الزمن. الأطراف المتحاربة تجزّأ المشهد فتفشل في إقناعنا بسرديتها، فبين لحظة وأخرى يسقط تفصيل فيثير الشكوك في السردية كلها ، بل مثلما جرى في سوريا، انتصارات اليوم قد تكون هزائم بعد شهر والعكس صحيح.  
نحن في لحظة تكوّن عالم جديد يصعب على العقل اللحاق به وفهمه، والسبب ببساطة أن هذا العقل التحليلي يتعامل مع لحظة التكون الغريبة بآليات تفكير قديمة تنتمي لعصر سابق يبدو أنه انتهى إلى غير رجعة. 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here